سليم نصار

 

وصل إلى لندن هذا الأسبوع أربعة صحافيين أميركيين، بغرض إجراء أحاديث مع شخصيات سياسية بريطانية سبق لها أن تعاونت مع السناتور جورج ميتشل من أجل إنهاء النزاع حول أزمة الجيش الجمهوري الإرلندي. وتعمَّد الصحافيون مراجعة الحقبة التي تولى خلالها ميتشل مهمة البحث عن أسباب تجدد العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين عقب توقيع اتفاقي سلام، في مدريد (1991) وفي اوسلو (1993).

ورفع ميتشل تقريره بعد سلسلة زيارات قام بها الى الضفة الغربية وإسرائيل، اختصر فيه الأسباب الموضوعية لتجدد القتال. وعزا ذلك الى الاستفزازات التي تفتعلها إسرائيل عبر نشر المستوطنات فوق أراضي الفلسطينيين. وتوقع ميتشل في تقريره أن تؤثر تداعيات هذه الإجراءات، المرفوضة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في مسيرة السلام بحيث تزداد شعبية «حماس» وتتضاءل شعبية الذين يبحثون عن تسوية وهمية.

في السبعينات، طرح ارييل شارون شعاراً مثيراً للجدل يجعل من الأردن الوطن البديل للفلسطينيين. ولكن دعوته لم تجد الصدى المستحب لدى الأسرة الدولية، لأن الولايات المتحدة تعتبر الأردن الجدار الواقي الذي يحول دون تمدّد إسرائيل باتجاه دول النفط.

الأسبوع الماضي، انطلقت في إسرائيل حملة شعبية واسعة تطالب بضرورة إجراء استفتاء عام في البلاد في شأن مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ نصف قرن. وجاء في بيان الدعوة أن مرور خمسين سنة على احتلال الضفة الغربية (1967) يستدعي إجراء استفتاء عام حول مستقبل الأراضي المحتلة. وذكر البيان أن إسرائيل تحتاج الى حدود رسمية معترف بها، على اعتبار أن حدود دولة فلسطين هي عرضة أيضاً لتآكل المستوطنات. وقد وقع على قائمة المطالب عدد كبير من الشخصيات السياسية والعسكرية والإدارية والأدبية.

والثابت أن رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو لم يُعِر هذه الحركة الاهتمام الذي تتوقعه. والسبب أنه يرى في الاستفتاء إحراجاً لحزبه، خصوصاً إذا صوّتت الغالبية مع ضم الضفة الغربية. كما يرى في الوقت ذاته تقويضاً لمشروع الدولتين، علماً أن استمرار بناء المستوطنات يعمل على إلغاء الأراضي التي ستقوم فوقها دولة فلسطين! ويلمح نتانياهو في تصاريحه الأخيرة الى مخاوفه من مبادرة سياسية ربما يطرحها الرئيس الأميركي باراك أوباما قبل نهاية ولايته.

وصيغة المبادرة، كما وصفتها مصادر البيت الأبيض، مستوحاة من «خريطة الطريق» التي عرضتها الإدارة الأميركية سنة 2003. وقد قبلتها على مضض الحكومة الإسرائيلية، في حين وافقت عليها حكومة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن). والملفت أن نتانياهو صوّت في حينه الى جانبها مع تحفظه على بعض المقترحات.

ويبدو أن الرئيس الأميركي لم يحصر الخطوط العامة لـ «خريطة الطريق» بإسرائيل والفلسطينيين فقط، بل جعلها تسوية شرق أوسطية تمنع الحروب في المنطقة وتسمح لسكانها باستثمار فرص السلام. وهذا يقتضي بالضرورة وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وايران، ووقف حملات التحريض، بانتظار الوقت المناسب لإعلان الاعتراف المتبادَل بين الدولتين.

وتعتقد الحكومة الإسرائيلية أن الرئيس أوباما على استعداد لطرح صيغة دولة فلسطينية مجرَّدة من السلاح، على أن تقوم القوات الإسرائيلية بضبط الحدود ونشر الأمن في الداخل. وبعد إقرار هذا الواقع، تبدأ المفاوضات بين الطرفين على مستقبل المستوطنات، بما في ذلك إخلاء المستوطنات المنعزلة، والقبول بدولة فلسطينية تحترم القوانين وتمنع التدخل الخارجي.

إسرائيل في الوقت ذاته تعرض على مصر خطة طويلة الأمد، لجعل شبه جزيرة سيناء منطقة تجارة حرة وسياحة. وهذا بالتأكيد يعيد الى قبائل البدو مصادر دخلها من السياحة، كما يشجعها على محاربة «داعش».

ويرى المراقبون أن الصعوبة الحقيقية في تطبيق هذا المشروع ستظهر أثناء بحث المخارج للأزمة السورية. ومع أن أوباما ونتانياهو يتفقان على تنحية بشّار الأسد وعلى إقامة «جيب علوي» لوراثة الأسد، بعد تفكيك الدولة، إلا أنهما يختلفان على مستقبل مرتفعات الجولان. ذلك أن إسرائيل لن تقبل بسيطرة سورية مرة أخرى على هذه البقعة الاستراتيجية التي ستتحول الى «كشمير» ثانية بسبب النزاع على امتلاكها.

مقابل هذه المبادرة التي هي قيد الإعداد، أرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف الى المنطقة، بهدف إقناع نتانياهو بالاشتراك في قمة مع الرئيس الفلسطيني في موسكو الشهر المقبل.

ومع أن الصحف الفرنسية كتبت تنتقد فكرة قمة موسكو، مدّعية أنها طـُرِحَت من أجل تقويض مبادرة الرئيس فرانسوا هولاند، إلا أن بوتين ينظر الى قضية الشرق الأوسط من زاوية مختلفة تماماً. ذلك أنه يتطلع الى دور روسيا الجديد كدور مماثل لما كان يقوم به بريجنيف أو خروتشيف، كونه يملك أوراق القوة المسلحة التي فرضت وجوده في سورية. كما فرضت تعاونه مع ايران وتركيا، إضافة الى توق دول المنطقة الى الاحتكام الى سياسته.

الرئيس بوتين، كما يقول معاونوه، يتطلع الى أفول نجم الولايات المتحدة بعد مغادرة أوباما البيت الأبيض، ومجيء دونالد ترامب أو هيلاري كلينتون. وهو لا يصدق الادعاء الذي يطرحه أوباما حول انشغال بلاده بصعود الصين أو الهند في المرحلة المقبلة. ولكنه مقتنع بأن الولايات المتحدة ستفقد بريقها العالمي، وتتراجع الى ما وراء الأطلسي كقوة معزولة، والدليل على ذلك أن دول الشرق الأوسط التي تعاونت مع واشنطن مدة تزيد على القرن تقريباً، باشرت في عملية انكفاء نحو موسكو بفضل تأثيرها على مجريات الأحداث.

ومن وسط هذا التغيير الاستراتيجي المقلق، يطل السؤال المركزي: هل هناك أمل في إحياء مبادرات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

التقرير الذي نشرته «الرباعية لشؤون الشرق الأوسط» يشير الى الصعوبات التي تحول دون تحقيق اتفاق سلام فلسطيني - إسرائيلي. ومع أن التقرير ينفي وجود حل خارج المفاوضات المباشرة، إلا أنه يركز على إظهار المعوقات التي تمنع هذا الحل في غياب الوفاق الاقليمي والدولي. علماً أن «الرباعية حظيت بتأييد مجلس الأمن، وحاولت إعطاء زخم جديد للمحادثات من طريق ضم ثلاثة لاعبين مهمين: الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا.

وذكر التقرير أن الوضع الحالي في المنطقة يشجع على التطرف والعنف، الأمر الذي يؤدي الى عدم الاستقرار، والى اتساع دائرة الخوف والقلق. ومثل هذا الجو القاتم يمكن استغلاله من جانب «داعش» و «القاعدة» بهدف تشكيل معارضة مسلحة لا تسمح لعناصر التهدئة والسلام بأن تقوى وتنتشر.

العامل الآخر الذي تعتبره «الرباعية» معرقلاً للحلول المجدية هو ميل إسرائيل الى توسيع المستوطنات على حساب قضم الأراضي الفلسطينية. ومثل هذا الاستفزاز المتواصل يمنع على الفلسطينيين فرص التنمية والتطوير، خصوصاً أن الإدارات المحلية تمنع عنهم حيازة رخص البناء. هذا في حين يحصل الإسرائيلي على رخصة البناء حول المستوطنات بحجة توسيعها وتطويرها. وهذا بدوره يعزز أجواء العنف، ويعطي لـ «حماس» كل المبررات لإعداد انتفاضة ثالثة.

بعد نشر تفاصيل التقرير، أعلنت السلطة الفلسطينية استياءها من النتيجة المخيبة للآمال. كذلك أعلنت الحكومة الإسرائيلية رفضها أن يشكل بناء المستوطنات العائق الأكبر أمام مفاوضات السلام، مدّعية أن «حماس» هي التي تشجع التحريض.

منافس نتانياهو على منصب رئاسة الحكومة، وزير الدفاع افيغدور ليبرمان، أدلى بدلوه، وتحدث عن سياسة الثواب والعقاب. ومن هذه السياسة قام بتصنيف الفلسطينيين الى فئتين: فئة المخربين الذين تحرمهم الدولة من كل التسهيلات التجارية... وفئة المتعاونين، الذين يحظون بامتيازات واسعة. وكان بهذا العمل الانتقائي يشجع ضعاف النفوس على الابتعاد عن السلطة الفلسطينية، والتقرب من سلطة الاحتلال كونها تؤمن لهم حاجاتهم اليومية.

من هنا رأت «حماس» أن نسف محاولات التفرقة داخل إطار الحركة الوطنية لا يتم من دون نشاط حيوي يعبّر عن استمرار الجهاد. لذلك انتقدت تدخل محمود عباس لمنع قيام انتفاضة ثالثة، خوفاً من تعطيل محادثات سلام رفض نتانياهو التقيّد بشروطها. هذا مع العلم أن كل ما حققته السلطة الفلسطينية في الخليل ورام الله والقدس كان بسبب الانتفاضتَيْن السابقتين. وأن حرمان الفلسطينيين من حق الانتفاضة يعطي نتانياهو أفضل الأسلحة لتدمير كل ما حققه محمود عباس في مؤتمر اوسلو.

اضف تعليق