سعر الدولار ليس مجرد رقم يتغير على شاشات الصيرفات، بل هو مؤشر يراقب بقمة القلق لأنه يرتبط مباشرة بالقوت اليومي وأسعار السلع ومستوى المعيشة. ارتفاع الصرف قد يوفر دنانير أكثر للخزينة الحكومية مقابل إيرادات النفط، لكنه في المقابل يقتطع من القوة الشرائية للدينار ويضع محدودي الدخل أمام اختبار معيشي حرج...
من كل صباح في العراق يستيقظ المواطن على ازمة جديدة وتصريحات تزيد من الثقل على المواطن وفي هذا اليوم يستبشر على سعر الدولار الذي هو ليس مجرد رقم يتغير على شاشات الصيرفات، بل أصبح رقما يراقبه المواطن لأنه يرتبط مباشرة بقوته اليومي وأسعار السلع وحركة الأسواق ومستوى معيشته ومع ارتفاع سعر الدولار أمام الدينار، عاد السؤال الذي يتكرر كلما اضطرب سوق الصرف، إلى أين يتجه الاقتصاد العراقي؟ ومن يقف خلف هذا الارتفاع؟ وما الغاية الحقيقية منه؟
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى ماليا ومصرفيا، لكنه في الحقيقة يتجاوز حدود الاقتصاد، فالدولار عندما يرتفع لا يبقى داخل المصارف وشركات الصرافة، وإنما يمتد تأثيره إلى الأسواق والمستهلك والموظف والتاجر وحتى صاحب الدخل المحدود.
وهنا يفكر المواطن هل ارتفاع الدولار مفتعل لإنقاذ خزينة الدولة؟ او غاية خفية من بين التفسيرات المطروحة أن الحكومة تواجه ضغوطا مالية نتيجة اعتماد الموازنة العراقية بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية وعندما تحصل الدولة على عائداتها النفطية بالدولار، فإن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار يعني الحصول على عدد أكبر من الدنانير مقابل الإيرادات الدولارية نفسها. وهنا تظهر معادلة اقتصادية مهمة: ارتفاع الدولار قد يعني إيرادات دينارية أكبر للحكومة، لكنه في الوقت نفسه قد يعني تكاليف أعلى على المواطن. مما يجعل العجز كبير على محدودي الدخل.
ولهذا يبرز سؤال أكثر أهمية: هل الهدف من تعديل سعر الصرف هو دعم المالية العامة وتأمين الإنفاق الحكومي، ومنه الرواتب والنفقات الأساسية، أم أن هناك أهدافا اقتصادية أوسع تتعلق بإدارة سوق العملة والاحتياطيات والسياسة النقدية؟
وهذا الصعود جاء بعد مناقشه في الجلسات النيابية والاتفاق على سعر الصرف 152 الف الواحد مقابل 100 دولار امريكي لكن حاليا في الاسواق من 170 الى 180 مما يترك عجز كبير جدا. بين طبقات المجتمع وهنا لا يمكن الجزم بأن الغاية الوحيدة هي تأمين الرواتب، كما لا يمكن اعتبار ارتفاع الدولار دليلا بحد ذاته على وجود جهة تقف وراءه بصورة متعمدة من دون أدلة واضحة.
المواطن أمام اختبار جديد إذا كانت الحكومة تستطيع الحصول على دنانير أكثر مقابل الدولار، فإن المواطن ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماما. فالمواطن لا يحصل على راتبه بالدولار، بينما تعتمد حياته اليومية بصورة مباشرة أو غير مباشرة على سلع مستوردة أو مواد تتأثر بسعر الصرف.
وهنا تبدأ المخاوف من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والأجهزة، ومواد البناء، والملابس، وغيرها من السلع، خصوصا إذا استمر الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
وقد تكون المشكلة الأكبر بالنسبة إلى المواطن ليست ارتفاع الدولار وحده، وإنما انخفاض القوة الشرائية للدينار. فالموظف الذي بقي راتبه بالرقم نفسه قد يجد أن قدرته على شراء احتياجاته لم تعد كما كانت. ولكن هل الحكومة رابحة فعلا؟ قد يبدو أن الحكومة هي المستفيد من ارتفاع سعر الدولار لأنها تحصل على دنانير أكثر مقابل الإيرادات النفطية.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة فارتفاع الأسعار يفرض ضغوطا اجتماعية واقتصادية جديدة، وقد يؤدي إلى زيادة المطالبات بزيادة الرواتب أو الدعم، كما يمكن أن يرفع كلفة بعض المشاريع والمشتريات الحكومية. أي أن الحكومة قد تحقق مكسباً مالياً من جانب، لكنها قد تواجه تكاليف وضغوطاً من جانب آخر.
وهنا تتحول القضية من سؤال: من ربح من ارتفاع الدولار؟ إلى سؤال أكثر دقة: هل تستطيع الحكومة استخدام الزيادة في الإيرادات الدينارية لحماية المواطن من آثار ارتفاع الأسعار؟ من المتضرر الحقيقي؟ ربما لا توجد إجابة واحدة. المواطن يتضرر عندما ترتفع الأسعار وتنخفض القوة الشرائية للدينار، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة الذين لا يستطيعون زيادة دخلهم بسرعة لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
والحكومة قد تتضرر أيضاً إذا أدى ارتفاع الدولار إلى زيادة التضخم، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وارتفاع تكاليف الإنفاق الحكومي، وزيادة الضغوط الشعبية. لكن يبقى المواطن هو الطرف الأكثر حساسية تجاه أي تغير في سعر الصرف؛ لأن الحكومة تمتلك أدوات مالية ونقدية يمكنها استخدامها للتعامل مع الأزمة، بينما المواطن يواجه الأسعار المرتفعة من دخله اليومي.
السؤال الذي يجب ألا يغيب وسط كل هذه الحسابات، يبقى السؤال الأهم أمام صانع القرار والمواطن معاً: إذا كان رفع سعر الدولار يمكن أن يوفر للحكومة دنانير أكثر، فهل ستتحول هذه الزيادة إلى حماية للاقتصاد والرواتب والخدمات، أم أن المواطن سيدفع ثمنها من قوته الشرائية؟
والسؤال الأعمق والجوهري : من هو المتضرر الحقيقي من ارتفاع الدولار في العراق: المواطن الذي ترتفع أمامه الأسعار، أم الحكومة التي تواجه اقتصادا يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والدولار؟ ربما تكون الإجابة أن كليهما يتأثر، ولكن بدرجات مختلفة. فالحكومة تستطيع إدارة الأزمة بالأدوات المالية والنقدية، أما المواطن فيشعر بنتائجها مباشرة في السوق، عند شراء الغذاء والدواء والملابس ودفع تكاليف الحياة اليومية.



اضف تعليق