عندما ولدت عاريا سرعان ما دثرت جسدي الصغير بقطعة ثياب بيضاء وعصبت رأسي ولفَفْت ساقيّ على بعضهما وخرجت باكيا وكان الحاضرون من حولي يستبشرون، نبراتُ أصواتهم وهم يباركون لوالدتي تدغدغ أذني، عالم لا يشبهني، كنت رافضا أن اسمع أصواتا غير صوت امي، فمنذ تكويني وأنا أناغيها، لم أكن اعلم انها ستقذف بي الى هذا العالم، الضوء يثير غضبي فلا املك غير الصراخ لعل امي تعيدني الى حجرتي، ويتصل الحبل بينا، كل شيء هنا مخيف، تحملني بهدوء، تضع رأسي على كتفها فيكون وسادة نوم هانئ، كسماء تحتضن نجمة صغيره، لم أكن اعلم انها هذه هي الدنيا.

لا اعرف ما الذي كُتب لي وكيف سيكون مصيري، في هذه الدنيا الكبيرة، هل سأكون من السعداء أم من الأشقياء؟ ماذا كتب لي القدر؟ ما اعرفه هو وجود امي بقربي وهذا سيجعلني سعيدا، تمسكُ يدي الصغيرة وتقبلها وتقبل ثغري، وتُسمعني تغاريد صوتها، فتلحن الأم وتعزف الوجع لتمنحني سمفونية الحنان الآمن، ما زالت نغمتها تلطف مسامعي كلما اقتربت من العشب الاخضر، كيف تجعلني أغفو على يديها، لا اعرف سر صوتها، ونعومة جسدها.

ماذا لو بقيت طفلا صغيرا، لا يحزن، لا يتألم، لا أعرف سوى السعادة، كلما كبرت نقصت سعادتي، وكبرت معي الدنيا، أصبحت لا اكتفي بصوت امي ولا بغذائها، ولم يعد همي غير راحتي وكيف أكون سعيدا حتى لو كان ذلك على حساب امي، ها أنا قد كبرت كما كنتِ ترغبين يا أمي، لم تعد لعبتي تقنعني، وقطعة قماش لا تكفي جسدي، اصبحت ارتدي ملابس الامير، وانام على السرير.

كنت سريعا في رحلتي يا امي وتجاهلت أنه لابد من الرجوع وان طالت الرحلة، مزقت رقم رحلتي حتى لا اشعر بالخوف او الحزن، ورغبت لو انني مزقت الماضي ايضا، للأسف باستطاعتي ان امزق كل شيء ما عدا رقم رحلتي لأنها ختمت من يوم وصولي، شارفت على الرحيل، فلست انا الوحيد من يترك هذا العالم، كان قد رحل من قبلي من هم أفضل مني، ابي، واخي.

بين الدخول والمغادرة ثمة امور معلقة في ذاكرتي منها، صوتي وانا لا اريد هذا العالم، وعند الرحيل يرتفع صوتي وانا لا أود المغادرة خوفا من اعمالي، يضحكون في ولادتي ويبكون عند موتي، الابيض معي هو الوحيد لم يفارقني عند اول يوم واخر يوم، حتى تلك (العصابة) هي أيضا تربط رأسي وقدمي، والى ربك يومئذ المساق، ما اغرب هذا العالم، يغسلون جسدي بالماء والطيب وحتى في رحيلي يغسلونني أيضا، ولكن بالسدر والكافور، أرحل بصندوق من خشب، لا يد تمسكني، ولا احد يبقى معي، امي هي الاخرى ترحل معهم، يصلون عليَّ صلاة الميت، ينقلونني على أكتفاهم مسرعين نحو البيت الجديد، لحظات بيني وبينهم، لو أذن لي وصرخت لكانت صرختي تدوّي في الارض كدوي الانفجار، جسدي متعب من سفر الروح، أصبح جثة هامدة، لا تستطيع ان تدافع عن نفسها، اوصيت عائلتي ان ادفن في وادي السلام، في ضيافة الامام علي (ع) كي يحضرني ويخفف عني وحشة القبر وضيق اللحد، لأنني سمعت حديثا في الدنيا يقول: وقف الإمام علي (ع) ذات يوم في ظهر الكوفة، وقد خاطب حبة العرني (لو كشفت لك لرأيتهم حلقا حلقا مختبئين يتحادثون). فقال حبة العرني: أجسام أم أرواح. فأجابه الإمام: (أرواح وما مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه ألحقي بوادي السلام، وأنها بقعة من جنة عدن). فقيل له: وأين وداي السلام؟. قال: ظهر الكوفة .

مقبرة وادي السلام وسفر الأرواح

تقع مقبرة وادي السلام في مدينة النجف الاشرف في العراق، وتعد أكبر مقابر العالم، حيث تحتوي حسب تقديرات على ما يقارب ستة ملايين قبر، وادرجت ضمن قائمة التراث العالمي، وسبب ذلك لمجاورتها مرقد الامام علي بن أبي طالب (ع)، وتؤكد الروايات الدينية ان المقبرة تعود إلى عصر ما قبل الاسلام، كما يظهر من الروايات أنها كانت ومنذ القديم مكانًا لدفن الموتى، بل أكّدت بعض الروايات التاريخية والدينية أنّها محل سجود الملائكة لآدم، فعن امير المؤمنين (ع) أنه قال: لمّا أمر اللّه الملائكة أن يسجدوا لآدم، سجدوا على ظهر الكوفة، وجاء في بعض الروايات أنّها مدفن عددٍ من الأنبياء، وفي رواية المجلسي أنّها: مَسجِدُ آدم ومُصلَّى الأَنبِياءِ.

وقد أشارت المصادر إلى مدفن اليماني في النجف في عهد خلافة أمير المؤمنين في الكوفة (36-40هـ) ومدفن الصحابي الجليل خباب بن الارت رحمه الله، وقد صلى على جنازته أمير المؤمنين (ع) ووقف على قبره وقال: (رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا).

وبعد استشهاد الإمام علي (ع) أخذ الناس يزورون قبره الشريف خفية ويدفنون موتاهم حوله، ومن ثم أخذت مقبرة وادي السلام في البروز، وأخذت مقبرة الثوية أو الجبانة بالاختفاء، وبعد سقوط الدولة الأموية عام 132هـ، أخذت العمارة تتوالى على القبر الشريف، كما ان مقبرة وادي السلام تحوي قبور أربعة من الأنبياء هم (آدم ونوح وهود وصالح) ويوجد مقام الإمام الصادق (ع) فقد صلى فيها ومقام الإمام المهدي (عج) أيضًا صلى في هذا الموضع، "كما يوجد في مقبرة وادي السلام مدفن (صافي صفا) وهو غثيب اليماني الذي دفن قبل الإمام علي(ع)، وقد أوصى في اليمن أبناءه، بأن يدفن في أرض الغري (النجف) إذا مات، فسئِل لماذا؟ قال: إن هذه الأرض سوف يدفن فيها رجل يشفع لربيعة ومضر!. وفعلًا جيء به من تلك المسافة البعيدة التي تستمر لأشهر، ودفن في النجف، وقد ساعد الإمام في دفنه وصلى عليه، وكذلك مدفن خباب بن الأرد، وهو صحابي مات فدفنه الإمام علي (ع) في الثوية (أرض في النجف)، وكان الإمام علي (ع) يأتي مع الصحابي كميل بن زياد النخعي أيام خلافة الإمام إلى هذه المنطقة ليحدث كميل بأحاديث الوعظ".

لماذا سمّيَتْ بوادي السلام؟

جاء في بعض المصادر أن وجه التسمية يعود إلى تسمية النبي بل جبرائيل لهذه البقعة، بمعنى أنّ المدفون فيها يسْلَم من عذاب عالم البرزخ وحسابه.

وأما وادي فهو: كلّ مفرج بين جبال وآكام وتلال يكون مسلكاً للسيل أو منفذاً، وأمّا "السلام" فهو عند المسلمين اسم من أسماء الله تعالى، وتعني في اللغة العربية: التّعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة. ومنذ أكثر من ألف سنة والشيعة تنقل جثث ورفات موتاهم من شتى بلدان العالم إلى وادي السلام

ودفنت فيها العوائل المعروفة في بيوتها القريبة من الضريح كمقبرة آل الحكيم، وآل بحر العلوم، ومقبرة آل الكرباسي في الضريح، ومقبرة آل الجواهري، والعلامة المجتهد صاحب الجواهر، ومرقد الصحفي المعروف فرات الجواهري نجل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.

وقد اعتاد الزائرون من الشيعة المرور بوادي السلام وقراءة الفاتحة على ارواح امواتهم، وتحتوي المقبرة على نوعين من المدافن فهنالك القبور التي يصل ارتفاعها إلى 80 سم وهنالك السراديب التي يكون عمقها حوالي من 5 إلى 8 امتار تحت الأرض، وليست الشيعة فقط هي من تدفن امواتها، تجد ان السنة والنصارى ايضا دفنوا امواتهم في هذه البقعة المباركة، لكن الشيعة جعلوها منارا لأرواح شهدائهم وامواتهم حتى انهم ينقلون الجثث ويتحملون أعباء السفر من الهند واروبا ويدفنون اجسادهم تحت هذا الثرى، رحمهم الله جميعا.

وها هي جثتي ترقد بأمان وسلام في وادي السلام.

ــــــــــــــــــــــ
المصادر:
الكليني، ج3، ص243
المجلسي، ج22، ص37
الثوية ومقبرة وادي السلام أو(مقبرة النجف الكبرى)/ ويكيبيديا

اضف تعليق