يناقش المقال نظرية زبيغنيو بريجنسكي حول أوراسيا بوصفها رقعة الشطرنج الكبرى، ويقارن مفاهيمها بالتحولات الجيوسياسية الراهنة. ويركز على موقع أوكرانيا وإيران في التنافس بين روسيا والولايات المتحدة، وأهمية الطاقة والممرات والقواعد العسكرية، كما يعرض تصنيف اللاعبين الجيوستراتيجيين والمحاور الجيوسياسية، ويخلص إلى استمرار مركزية أوراسيا في صراع النفوذ وإعادة تشكيل...

لم تعد نظرية زبيغنيو بريجنسكي، المفكر السياسي ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر (1977-1981)، الواردة في كتابه الصادر عام 1997م بعنوان «رقعة الشطرنج الكبرى: السيادة الأمريكية وضروراتها الجيوستراتيجية»، مجرد رؤية استراتيجية فحسب، بل أصبحت الواقع ذاته في العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين.

إذ إنَّ اندفاع الروس باتجاه القلب الأوراسي، ولا سيما أوكرانيا، يعد ترجمة واقعية لتحقيق هدف روسيا في قيام الإمبراطورية الروسية الأوراسية، فبقاء أوكرانيا تحت سيطرة الروس هدف استراتيجي لا بديل عنه في إقامة وتمدد تلك الإمبراطورية واستعادة أمجادها، وهذا ما ترجمه الصراع الوجودي القائم على أرض الواقع لمدة خمسة أعوام متتالية، إذ يُعد بقاء أوكرانيا منفصلة عن روسيا وخارج سيطرتها تهديدًا وجوديًا لمكانتها ونفوذها العالمي، إضافة إلى أمنها القومي.

إذ أطلق بريجنسكي على المنطقة الممتدة من آسيا إلى أوروبا اسم «أوراسيا»، ورأى أن من يسيطر عليها يسيطر على قلب العالم، لذا تجد روسيا في هذه المنطقة إمكانات لتحقيق أهدافها، ولا سيما استعادة الإمبراطورية الروسية الأوراسية. إذ يؤكد بريجنسكي في نظريته أنَّ الإمبراطورية الروسية (الاتحاد السوفيتي سابقًا) قد انتهت بالفعل بعد عام 1991، إلا أنها ما زالت كإمبراطورية قائمة من حيث نفوذها، أي تأثيرها خارج مجالها الجغرافي، وقدرتها على المحافظة على توازن القوى وإدارته، إضافة إلى ترسانتها العسكرية ومواردها الاقتصادية؛ لذا، في هذا السياق، بيّن بريجنسكي أهمية هذه المنطقة (أوراسيا)، وقسم الفاعلين الدوليين إلى نوعين رئيسيين، على النحو الآتي:

أولًا/ أهمية المنطقة:

تشكل منطقة أوراسيا في المنظور الاستراتيجي للروس أهمية حاسمة؛ إذ تضم المنطقة نحو 75% من سكان العالم، و60% من الناتج المحلي العالمي، و75% من موارد الطاقة والنفط المكتشفة؛ لذا من يسيطر عليها يُحكم قبضته الحديدية على العالم.

ثانيًا/ الفاعلون الدوليون:

قسم بريجنسكي الفاعلين الدوليين في المنطقة إلى نوعين، وهما على النحو الآتي:

1- لاعبون جيوستراتيجيون: دول تمتلك القدرة والإرادة القومية على ممارسة نفوذها خارج مجالها الجغرافي، وتغيّر موازين القوى الجيوسياسية فيه، وهي: (فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين، الهند).

2- المحاور الجيوسياسية: دول لا تمتلك قوة هجومية كبرى، بمعنى محدودية تأثير نفوذها خارج مجالها الجغرافي، لكن موقعها الجغرافي الحساس يمنحها أهمية قصوى، كخط أو جدار دفاع أو بوابات تحكم (نفوذ)، مثل: (أوكرانيا، تركيا، إيران، أذربيجان، كوريا الجنوبية).

وتأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه القراءة لتفكيك النظرية وإسقاطها في العقد الحالي على رقعة الشطرنج الكبرى، في ظل تطور أدواتها وديناميكياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويتمثل ذلك في الآتي:

أ- أوكرانيا:

تجسد أوكرانيا في المنظور الاستراتيجي الروسي «القلب الأوراسي»، الذي يرى من خلاله الروس إمكانية قيام إمبراطوريتهم واستعادة أمجادها التاريخية، ولا سيما استعادة أوروبا الشرقية وإمكانية ضمها إلى الأحضان مرة أخرى، لذا يترجم هذا سبب اندفاع حلف الناتو إلى التوسع شرقًا، في محاولة لتحجيم وكبح قدرة روسيا على المناورة والتمدد شرقًا، وهذا ما ينسجم مع رؤية بريجنسكي، إذ يرى أن وجود فاعلين أو لاعبين جدد في أوراسيا يهدد التفوق الأمريكي في هذه المنطقة.

ولذلك تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إبقاء أوروبا الغربية منطقة للتفوق والنفوذ الأمريكي، ومعزولة عن زحف الروس. فأوكرانيا، حسب رؤية بريجنسكي، تقع ضمن المحاور الجيوسياسية، أي دول لا تمتلك قوة هجومية كبرى، ولكن موقعها الجغرافي المهم والحساس يمنحها أهمية كبيرة كجدار دفاع وبوابة نفوذ، ويمكن بيان ذلك على النحو الآتي:

1- تعد جسرًا ومنطقة عازلة: كونها تمثل الحد الفاصل ومنطقة عازلة كبرى بين الأراضي الروسية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في وسط وغرب أوروبا.

2- المنفذ البحري: تطل أوكرانيا على البحر الأسود وبحر آزوف عبر مضيق كيرتش، مما يمنحها أهمية كبيرة للتحركات البحرية والتجارة الإقليمية.

3- المساحة والحجم: تمثل ثاني أكبر دولة في أوروبا من حيث المساحة بعد روسيا، وتحدها عدة دول أوروبية رئيسة، مثل: رومانيا وبولندا والمجر وسلوفاكيا.

4- سلة العالم الغذائية: تحتوي أوكرانيا على نوع نادر من التربة الخصبة، تسمى بالتربة السوداء، إذ يجعلها ذلك واحدة من أكبر مصدري الحبوب والزيوت، مثل القمح والذرة وبذور دوار الشمس، وتلقب أرضها بالأرض الصفراء.

5- المعادن الحيوية: تحتوي أراضيها على 70% من المعادن الحيوية والنادرة، مثل الحديد والفحم الحجري.

6- الأهمية الصناعية: تعد أوكرانيا من الدول ذات الصناعات الثقيلة، والمخزون الاستراتيجي الحيوي في منظور الروس، إضافة إلى طرق النقل في مجال الطاقة والمواصلات.

7- المفاعلات النووية: تحتوي أوكرانيا على 15 مفاعلًا نوويًا موزعًا على أربع محطات رئيسة في مجال الطاقة النووية.

8- موقفها السياسي: تهديدها مرارًا وتكرارًا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومستقبلًا إلى حلف الناتو، مما أثار غضب واستياء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

9- إرث تاريخي وثقافي: يتكلم قسم كبير من سكان أوكرانيا اللغة الروسية واللغة الأم (الأوكرانية)، إضافة إلى ذلك يراها الروس بأنها تمثل مهد الحضارة والتاريخ بالنسبة لهم.

لهذه الأسباب عدّ بريجنسكي أوكرانيا بوابة تحكم جيوسياسية في منطقة أوراسيا نحو العالم، ومن أجل بقاء التفوق الأمريكي في تلك المنطقة، وعدم السماح بظهور أية قوى أخرى منفردة تهدد النفوذ الأمريكي العالمي، اقترح بريجنسكي الآتي:

أ- تمدد حلف الناتو شرقًا وخنق روسيا جغرافيًا (وهذا ما حدث اليوم).

ب- منع وتفتيت قيام تحالف روسي-صيني-إيراني في أوراسيا، والحيلولة دون إعادة تجميع قطعه وأدواته الجيوسياسية والاستراتيجية في تلك المنطقة (وهذا ما يحدث اليوم).

ت- استنزاف روسيا وشل قدرتها وقوتها في السيطرة على أوكرانيا (وهذا ما زال يحدث، دفاع حلف الناتو عن أوكرانيا، وتمدده على طول الحدود الشرقية للقارة بآليات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة).

ب- إيران:

تمثل إيران في نظرية بريجنسكي بوابة نفوذ أو تحكم بسبب موقعها الجغرافي المهم، إذ تندرج في نظريته ضمن المحاور الجيوسياسية. وكان توجه الروس نحوها هدفًا استراتيجيًا وخيارًا لا مثيل له، في كسر عقدة روسيا لأكثر من 300 عام، وهي عقدة المياه المتجمدة، إذ عوضت روسيا عن هذه العقدة بالتوجه نحو المياه الدافئة، والنفاذ باتجاه مياه الخليج العربي والمحيط الهندي، كون مياه روسيا متجمدة ومحاصرة؛ فبحر البلطيق يسده حلف الناتو، والبحر الأسود تغلقه تركيا بمضيق البوسفور، والمحيط الهادي تسيطر عليه اليابان بترسانتها العسكرية.

ولكن السؤال هنا: ماذا قدم هذا التوجه باتجاه إيران لروسيا؟

والجواب يكمن في تحقيق الآتي:

1- مضيق هرمز: يعد مضيق هرمز شريان الطاقة نحو العالم، وكما ذكرنا، تطل إيران، وفق نظرية بريجنسكي، على موقع جغرافي مهم، ويعطي الاثنان ميزة بالغة الأهمية، وهي السيطرة على 25% من نفط العالم. ففي بداية الحرب في 28 شباط 2026، شلت إيران شريان الطاقة هذا، وشهد العالم أزمة طاقة كبيرة واضطرابًا في الأسواق العالمية، وأزمات أخرى؛ كون هذا الشريان الحيوي يمر به ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال، وأكثر من 21 مليون برميل من النفط يوميًا، وتعتمد عليه اقتصادات دول كبرى، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان.

2- القواعد العسكرية: منح التمدد الروسي باتجاه المياه الدافئة، ولا سيما في سوريا وإيران، قواعد عسكرية ذات أهمية كبيرة، ففي إيران استخدمت روسيا في عام 2016 قاعدة همدان الجوية لقصف مناطق الفصائل المسلحة في سوريا في ظل حكم الرئيس السابق بشار الأسد، وفي سوريا منح بناء القواعد العسكرية الروسية على البحر الأبيض المتوسط روسيا متنفسًا جيوسياسيًا في المناورة والمنافسة مع الخصوم، ولا سيما تركيا والولايات المتحدة وفرنسا في سوريا.

3- تحجيم النفوذ الأمريكي وزيادة الفوضى: وجدت روسيا في التقارب الاستراتيجي مع إيران هدفًا لامعًا مثل الماس عند تسليط الضوء عليه، إذ تجسد ذلك في تأجيج الفوضى ضد الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان وآسيا الوسطى.

4- الالتفاف على العقوبات الدولية: ساهم النقل الخفي للطاقة بين الجانبين الروسي والإيراني في بحر قزوين، من خلال أسطولي الظل لهما (تمتلك روسيا 450 وإيران 500، حسب إحصائيات غربية)، وبعيدًا عن الرقابة الدولية، في كسر العقوبات المفروضة على روسيا من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والالتفاف عليها، وإيران بدرجة أقل خلال الحصار البحري الأمريكي الأول الذي فرض عليها، إذ يتم في عرض البحر تبادل الناقلات مع بعض الشحنات النفطية، وتُغيّر أعلام السفن باستمرار باسم دول أخرى، إضافة إلى إطفاء أجهزة التتبع.

وفي هذا الصدد، لم يخلُ حيز نظرية بريجنسكي من آسيا الوسطى والشرق الأوسط (البلقان الأوراسي)، إذ أطلق عليه تسمية «الثقب الأسود الجغرافي»، الذي يبتلع الإمبراطوريات على مر التاريخ؛ بسبب صراعاتها العرقية والسياسية المعقدة.

وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، ومن خلال تحليلنا وتقصينا لنظرية بريجنسكي وإسقاطها على الواقع الحالي، تبرز أمامنا ثلاثة سيناريوهات، على النحو الآتي:

1- تفتيت بناء تحالف روسي-صيني-إيراني في المنطقة (وهذا ما تعمل عليه الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تعمل على فصل أواصر هذا التحالف الثلاثي وتفتيته).

2- إيعاز قيادة المنطقة ولعب أدوار قيادية فيها إلى الحلفاء الرئيسيين، ولا سيما إسرائيل والسعودية (وهذا ما تمهد له الولايات المتحدة الأمريكية).

3- السيطرة على مصادر الطاقة والممرات المائية الرئيسة (وهذا يترجم ضمن أسباب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران).

في الختام، قدم بريجنسكي نظرية استراتيجية تحاكي الواقع الجيوسياسي والاقتصادي المعقد في ظل وجود لاعبين جيوستراتيجيين ذوي أدوات استراتيجية وديناميكيات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة، وحاولنا، في ظل تقصينا وتحليلنا العميق، إسقاطها على الجيوبوليتيك المتحرك ضمن منطقة أوراسيا، ورفدها بالسيناريوهات الآنية والمستقبلية في ظل المعطيات الموجودة وخيوطها الدالة عليها، لتشكل في نهاية المطاف صورة حية لرقعة الشطرنج الكبرى، في ظل وجود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تتربع على عرش النظام الدولي، ولاعب رئيس في تحريك قطع الرقعة وإعادة تشكيلها، من أجل ضمان تفوقها ونفوذها العالمي، بأدوات وآليات معقدة، تترجم من خلالها استخدامها للقوة العارية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001-2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق