الاقتصاد العالمي يواجه اختبارا صعبا يجمع بين ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، واضطراب النقل، وتزايد الضبابية بشأن قدرة الشركات على الحفاظ على هوامش أرباحها. ومع أن بعض الاقتصادات أظهرت قدرا من الصمود، فإن هذا الصمود يبدو هشا ومشروطا بمدة الحرب، ومدى قدرة الأسواق على إيجاد بدائل للإمدادات المعطلة...
تدخل الحرب الدائرة مع إيران مرحلة يتجاوز أثرها الحسابات العسكرية والسياسية المباشرة، لتصبح عاملا ضاغطا على الاقتصاد العالمي بأكمله. فمع استمرار الاضطرابات في منطقة الخليج، وتضرر حركة الشحن عبر مضيق هرمز، بدأت الأسواق العالمية تلتقط إشارات أكثر وضوحا إلى أن الصدمة ليست عابرة أو محصورة في أسعار النفط والغاز فحسب، بل تمتد إلى تكاليف الإنتاج، وسلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء، وثقة المستهلكين، وتوقعات النمو.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية الأخيرة، ولا سيما استطلاعات مديري المشتريات، أن الاقتصاد العالمي يواجه اختبارا صعبا يجمع بين ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، واضطراب النقل، وتزايد الضبابية بشأن قدرة الشركات على الحفاظ على هوامش أرباحها. ومع أن بعض الاقتصادات أظهرت قدرا من الصمود، فإن هذا الصمود يبدو هشا ومشروطا بمدة الحرب، ومدى قدرة الأسواق على إيجاد بدائل للإمدادات المعطلة.
ولا تقف التداعيات عند حدود الدول المستوردة للطاقة، بل تشمل أيضا دولا مصدرة ومنتجة تأثرت بنيتها الإنتاجية أو طرق تصديرها. وتظهر قطر مثالا بارزا على ذلك، إذ إن تعرض منشآت الغاز الطبيعي المسال وطرق الشحن في المنطقة للاضطراب جعل الاقتصاد القطري، رغم قوته المالية واحتياطاته، في مواجهة ضغوط استثنائية. كما أن أزمة الأسمدة، خصوصا اليوريا، تكشف أن الحرب قد تنتقل من سوق الطاقة إلى الأمن الغذائي العالمي، عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي واحتمال تعطل مواسم زراعية في عدد من البلدان.
أولا: صدمة الطاقة بوصفها مركز الأزمة
تتمثل نقطة الانطلاق الأساسية في هذه الأزمة في تعطل إمدادات الطاقة، سواء من النفط الخام أو الغاز الطبيعي المسال أو الوقود المكرر. وقد أدى إغلاق أو اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز إلى خلق واحدة من أكبر صدمات الإمداد في التاريخ الحديث. ولا يعود ذلك فقط إلى حجم النفط المتعطل، بل إلى طبيعة الاقتصاد العالمي الراهن، الذي يعتمد على شبكات إنتاج وشحن أكثر تعقيدا وترابطا من السابق.
فعلى خلاف أزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، لا تقتصر الأزمة الحالية على النفط الخام. فالمنطقة المتأثرة بالحرب تعد مركزا رئيسيا لتصدير الغاز الطبيعي المسال، والوقود المكرر، والأسمدة، والبتروكيماويات. ولذلك فإن أثر الحرب لا يظهر فقط في محطات الوقود أو فواتير الطاقة، بل في تكاليف الشحن، وأسعار الغذاء، ومدخلات الصناعة، وحركة التجارة العالمية.
وتشير البيانات الواردة إلى أن الخسائر اليومية في إمدادات النفط قد تكون أكبر من صدمات تاريخية مثل حظر النفط العربي عام 1973، والثورة الإيرانية، وحرب الخليج. ومع ذلك، فإن الحكم النهائي على حجم الصدمة لا يتوقف على الخسارة اليومية فقط، بل على المدة الزمنية التي يستمر فيها التعطل. فكلما طال أمد الأزمة، تراكمت الخسائر، وارتفعت احتمالات انتقالها إلى قطاعات أوسع.
ومن المهم أيضا أن الأزمة الحالية تأتي بعد سنوات من الاضطرابات المتتالية في الاقتصاد العالمي، بدءا من جائحة كورونا، مرورا بأزمة سلاسل الإمداد، ثم الحرب في أوكرانيا وما نتج عنها من إعادة تشكيل أسواق الطاقة. وهذا يعني أن الشركات والحكومات تدخل الأزمة وهي أقل قدرة على امتصاص صدمات جديدة مقارنة بفترات الاستقرار.
ثانيا: مؤشرات مديري المشتريات تكشف اتساع الضغوط
تقدم استطلاعات مديري المشتريات صورة مبكرة ومهمة عن صحة النشاط الاقتصادي. وفي الحالة الراهنة، تكشف هذه المؤشرات عن تزايد واضح في الضغوط، خصوصا في منطقة اليورو. فقد تراجع المؤشر الرئيسي للمنطقة إلى ما دون مستوى الخمسين نقطة، وهو الحد الفاصل بين النمو والانكماش. ويعني ذلك أن النشاط الاقتصادي لم يعد يتباطأ فقط، بل بدأ ينكمش بالفعل في عدد من القطاعات.
الأكثر إثارة للقلق أن التراجع لا يقتصر على الصناعة، وهي عادة أكثر حساسية لتكاليف الطاقة والمواد الخام، بل وصل إلى قطاع الخدمات، الذي يشكل الجزء الأكبر من اقتصادات الدول المتقدمة. وعندما يبدأ قطاع الخدمات بالتراجع، فإن ذلك يشير عادة إلى أن الصدمة انتقلت من المصانع وسلاسل الإمداد إلى الطلب المحلي وثقة المستهلكين والشركات.
وفي المقابل، أظهرت الولايات المتحدة تحسنا في بعض مؤشرات النشاط، خصوصا في التصنيع. غير أن هذا التحسن لا يعكس بالضرورة قوة اقتصادية حقيقية، بل قد يكون نتيجة لما يمكن وصفه بالإنتاج الوقائي أو الشراء بدافع الخوف. فالشركات قد تسارع إلى زيادة الإنتاج أو الطلب على المواد قبل حدوث اضطرابات أوسع في الإمدادات. وهذا السلوك قد يرفع المؤشرات مؤقتا، لكنه يحمل في داخله خطر تراجع لاحق عندما تتراكم المخزونات أو تتراجع الطلبات الجديدة.
وتظهر هذه الظاهرة أيضا في اليابان والهند وبريطانيا وفرنسا، حيث سجلت بعض القطاعات ارتفاعا في الإنتاج، لكن ذلك ارتبط بمخاوف من اضطرابات مستقبلية. ومن ثم فإن قراءة الأرقام تحتاج إلى حذر؛ فالارتفاع في الإنتاج لا يعني بالضرورة توسعا صحيا، بل قد يكون انعكاسا لتوتر الشركات ومحاولتها التحوط من انقطاعات قادمة.
ثالثا: التضخم يعود من بوابة الطاقة وسلاسل الإمداد
بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات التضخم العالمية، أعادت الحرب في إيران الضغوط السعرية إلى الواجهة. فالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة يؤدي مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل والتدفئة والكهرباء، لكنه يؤثر أيضا بشكل غير مباشر في أسعار السلع والخدمات عبر رفع كلفة الإنتاج.
وتظهر مؤشرات أسعار مستلزمات الإنتاج في منطقة اليورو ارتفاعا قويا، ما يعني أن المصانع تواجه ضغوطا متزايدة. ومع مرور الوقت، ستجد الشركات نفسها أمام خيارين: إما امتصاص الزيادة في التكاليف على حساب الأرباح، أو تمريرها إلى المستهلكين في صورة أسعار أعلى. وفي الحالتين ستكون هناك آثار اقتصادية واضحة. فإذا امتصت الشركات الزيادة، تراجعت الأرباح والاستثمارات. وإذا مررتها إلى المستهلك، ارتفع التضخم وتراجع الدخل الحقيقي للأسر.
وتختلف قدرة الشركات على تمرير الأسعار بحسب القطاع. فالشركات التي تمتلك علامات تجارية قوية أو منتجات يصعب الاستغناء عنها تستطيع رفع الأسعار بدرجة أكبر، بينما تواجه الشركات ذات المنافسة الشديدة أو الطلب الضعيف صعوبة في ذلك. وهذا يفسر تحذيرات عدد من المحللين من أن الشركات التي لا تمتلك قوة تسعيرية قد تضطر إلى خفض توقعاتها المالية.
أما التضخم الأساسي، الذي يستبعد عادة الطاقة والغذاء، فلم يرتفع بالحدة نفسها حتى الآن. لكن الخطر يكمن في انتقال صدمة الطاقة إلى بقية الأسعار. فإذا استمر ارتفاع تكاليف النقل والمواد الخام، فقد تتحول الصدمة المؤقتة إلى تضخم أوسع وأكثر ثباتا، وهو ما سيضع البنوك المركزية أمام معضلة صعبة بين دعم النمو ومحاربة التضخم.
رابعا: الشركات بين خفض التوقعات ورفع الأسعار
تظهر نتائج الشركات وتعليقات إداراتها أن أثر الحرب بدأ يتغلغل في القرارات المالية والتشغيلية. فقد أشارت مراجعات عدة إلى أن عددا متزايدا من الشركات سحب توقعاته المالية أو خفضها، فيما أعلنت شركات أخرى عن زيادات في الأسعار أو حذرت من أثر مالي مباشر للصراع.
وتتنوع القطاعات المتضررة بشكل لافت. فشركات الدهانات، مثل أكزونوبل، تواجه ارتفاعا في تكاليف المواد الخام بسبب اضطراب الشحن وارتفاع أسعار المشتقات النفطية. وشركات الأغذية، مثل دانون، تأثرت بتعطل شحنات حليب الأطفال. وشركات الطيران والسفر تواجه ارتفاع أسعار وقود الطائرات وتراجع الطلب نتيجة المخاوف الجيوسياسية. وحتى الشركات الصناعية الكبرى، مثل جي.إي إيروسبيس و3إم، أصبحت أكثر تحفظا في توقعاتها بسبب الضبابية.
وتكشف هذه الأمثلة أن الأزمة ليست قطاعية أو محدودة. فالطاقة تدخل في كل شيء تقريبا: النقل، التغليف، التصنيع، التبريد، الزراعة، والمواد الكيميائية. ولذلك فإن ارتفاع أسعارها واضطراب توفرها يخلقان سلسلة متتابعة من الضغوط.
كما أن الشركات لا تواجه فقط زيادة في الأسعار، بل تواجه مشكلة توفر الإمدادات ذاتها. وقد أشار وزير المالية القطري إلى أن المشكلة المقبلة قد لا تكون في السعر فقط، بل في القدرة على الحصول على الطاقة حتى لمن يستطيع دفع ثمنها. وهذا التحول من أزمة سعر إلى أزمة توفر أكثر خطورة، لأنه يهدد استمرار الإنتاج لا مجرد ربحية الشركات.
خامسا: قطر بين قوة الاحتياطيات وضغط الحرب
تمثل قطر حالة مهمة في تحليل التداعيات الاقتصادية للحرب. فهي من جهة تمتلك قاعدة مالية قوية واحتياطيات كبيرة وصندوقا سياديا قادرا على توفير هامش أمان. ومن جهة أخرى، فإن اعتمادها الكبير على صادرات الغاز الطبيعي المسال يجعلها عرضة مباشرة لأي اضطراب في البنية التحتية أو طرق الشحن.
وقد حذر وزير المالية القطري من أن الأثر الكامل للحرب لم يظهر بعد، وأن العالم قد يواجه خلال شهر أو شهرين صدمة اقتصادية أوسع. ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة لأنه صادر عن دولة تقع في قلب سوق الغاز العالمية. فالغاز القطري ليس مجرد مورد مالي للدوحة، بل عنصر رئيسي في أمن الطاقة لعدد من الاقتصادات، خصوصا في آسيا وأوروبا.
ورغم توقعات بعض المؤسسات بانكماش كبير محتمل في الاقتصاد القطري إذا استمرت الأضرار في منشآت الغاز أو تعطل الإنتاج، يؤكد الجانب القطري أن الوضع المالي لا يزال تحت السيطرة. ويعود ذلك إلى سياسة مالية محافظة قبل الحرب، ووجود احتياطيات وسيولة يمكن استخدامها عند الحاجة، إضافة إلى إمكانية تأجيل بعض المشاريع أو الاقتراض.
لكن قدرة قطر على الصمود لا تلغي أثر الأزمة على الاقتصاد العالمي. فإذا تضررت صادرات الغاز القطري أو تعطلت لفترة طويلة، فإن ذلك سيزيد الضغط على سوق الغاز العالمية، ويرفع الأسعار، ويدفع الدول المستوردة إلى منافسة أشد على الشحنات المتاحة. وهذا قد ينعكس بدوره على الكهرباء والصناعة والتدفئة والأسمدة.
سادسا: أزمة الأسمدة وخطر الأمن الغذائي
من أخطر جوانب الأزمة انتقالها من الطاقة إلى الغذاء. فالأسمدة، خصوصا اليوريا، تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي والطاقة في إنتاجها. ومع اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار، بدأت الدول المستوردة تتحرك لتأمين احتياجاتها بأسعار مرتفعة للغاية.
وتبرز الهند هنا مثالا واضحا. فهي أكبر مستورد لليوريا في العالم، وقد اضطرت إلى شراء كمية ضخمة في مناقصة واحدة بأسعار تقارب ضعف ما دفعته قبل شهرين فقط. ويعني ذلك أن الحرب أدت إلى قفزة كبيرة في تكلفة أحد أهم مدخلات الإنتاج الزراعي.
هذه الزيادة لا تخص الهند وحدها. فعندما تشتري دولة كبيرة مثل الهند كميات ضخمة من السوق العالمية، فإن ذلك يقلص المعروض المتاح للدول الأخرى، خصوصا الدول الفقيرة أو محدودة القدرة المالية. ونتيجة لذلك قد ترتفع أسعار الأسمدة أكثر، أو تعجز بعض الدول عن الحصول على احتياجاتها في الوقت المناسب.
والخطر الأكبر يتمثل في أن نقص الأسمدة لا يظهر أثره فوريا فقط، بل يمتد إلى مواسم الزراعة والحصاد. فإذا لم يحصل المزارعون على الأسمدة في الوقت المناسب أو اضطروا إلى استخدامها بكميات أقل، فقد ينخفض الإنتاج الزراعي، ما يؤدي لاحقا إلى ارتفاع أسعار الغذاء. وهكذا تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة غذاء، وربما إلى أزمة اجتماعية في الدول الأكثر هشاشة.
سابعا: صندوق النقد وخفض توقعات النمو العالمي
تعكس توقعات صندوق النقد الدولي إدراكا متزايدا بأن الحرب ستترك أثرا على النمو العالمي. فقد خفض الصندوق توقعاته للنمو، ورفع توقعاته للتضخم، محذرا من أن عددا قليلا من الدول سينجو تماما من التداعيات.
وتستند التوقعات الأساسية للصندوق إلى افتراض أن الصراع سيكون قصير نسبيا، وأن اضطراب سوق الطاقة سيكون مؤقتا. لكن هذا الافتراض نفسه يحمل قدرا من الهشاشة. فإذا طال أمد الحرب أو استمرت اضطرابات الشحن والطاقة، فقد يتحقق سيناريو أكثر سوءا، يتضمن نموا عالميا منخفضا وربما ركودا في بعض المناطق.
وتظهر التقديرات أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى ستكون من أكثر المناطق تضررا، بحكم قربها الجغرافي واعتماد بعض اقتصاداتها على الطاقة أو تأثرها المباشر بالحرب. كما تبدو أوروبا أكثر عرضة من الولايات المتحدة، بسبب اعتمادها النسبي على واردات الطاقة وحساسيتها لتكاليف الصناعة.
في المقابل، تبدو بعض الاقتصادات الناشئة الكبرى مثل الصين والهند والبرازيل أكثر قدرة على مقاومة الصدمة في التوقعات الحالية، رغم أنها ليست محصنة بالكامل. فالهند، مثلا، قد تستفيد من نمو داخلي قوي، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطا هائلة في سوق الأسمدة والطاقة.
ثامنا: هل يواجه العالم ركودا تضخميا؟
أعادت الأزمة الحالية إلى الأذهان تجربة السبعينيات، عندما اجتمع ارتفاع أسعار النفط مع تباطؤ النمو وارتفاع البطالة فيما عُرف بالركود التضخمي. غير أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تستبعد، ضمن السيناريو الأساسي، تكرار تلك التجربة بالحدة نفسها.
ويستند هذا الرأي إلى أن الاقتصاد العالمي اليوم أقل اعتمادا على النفط مقارنة بما كان عليه قبل نصف قرن. كما أن مصادر الطاقة أصبحت أكثر تنوعا، وكفاءة استخدام الطاقة في إنتاج الثروة تحسنت بشكل كبير. ومع ذلك، فإن استبعاد الركود التضخمي في السيناريو الأساسي لا يعني أن الخطر غير موجود تماما.
فالركود التضخمي يصبح احتمالا أكثر واقعية إذا اجتمعت ثلاثة عوامل: استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، تراجع الطلب والنشاط الاقتصادي، وصعوبة استجابة البنوك المركزية بسبب التضخم. وإذا حدث ذلك، فقد تجد الحكومات نفسها أمام سياسات مؤلمة: إما رفع الفائدة لكبح التضخم مع تعميق التباطؤ، أو دعم الاقتصاد مع خطر تغذية الأسعار.
حتى الآن، يبدو أن الاقتصاد العالمي لم يدخل هذا المسار بالكامل، لكنه يقترب من منطقة حساسة. فالمؤشرات الأوروبية ضعيفة، والتضخم يرتفع، والشركات تخفض توقعاتها، وثقة المستهلكين تتراجع. وهذه كلها عناصر تحتاج إلى متابعة دقيقة خلال الأشهر المقبلة.
تاسعا: الاستثناءات النادرة ودور التكنولوجيا والتمويل
رغم الصورة القاتمة، لا تخلو الأزمة من قطاعات قادرة على تحقيق مكاسب أو الحفاظ على زخمها. فالاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي لا يزال يدعم قطاع التكنولوجيا، خصوصا شركات الرقائق والبنية التحتية الرقمية. وقد استفادت كوريا الجنوبية من قفزة في صادرات الرقائق، ما ساعدها على تحقيق نمو قوي.
كما تستفيد بعض المؤسسات المالية وشركات التداول من ارتفاع التقلبات في الأسواق. فكلما زادت حركة الأسعار وتغيرت التوقعات، ارتفع نشاط التداول، وهو ما ينعكس إيجابا على إيرادات البورصات وشركات الخدمات المالية المرتبطة بالأسواق.
لكن هذه الاستثناءات لا تكفي لتغيير الصورة العامة. فهي قطاعات محددة، وقد لا تستوعب الأثر السلبي الواسع على الصناعة والنقل والغذاء والاستهلاك. كما أن استمرار الحرب قد يضر حتى بهذه القطاعات إذا تحول التباطؤ إلى ركود عالمي أوسع أو تراجعت شهية الاستثمار.
عاشرا: مقارنة تاريخية مع أزمات الطاقة السابقة
تساعد المقارنة التاريخية على فهم حجم الأزمة الحالية. فقد شهد العالم صدمات طاقة كبرى، أبرزها حظر النفط العربي عام 1973، والثورة الإيرانية، وحرب الخليج، والغزو الروسي لأوكرانيا. لكن الأزمة الحالية تختلف لأنها تضرب في وقت واحد أسواق النفط والغاز والوقود والأسمدة.
من حيث الخسارة اليومية في الإمدادات، تبدو الأزمة الحالية من بين الأكبر، وربما الأكبر في بعض التقديرات. غير أن الأثر التراكمي سيتوقف على المدة. فالثورة الإيرانية، مثلا، أحدثت خسائر تراكمية ضخمة بسبب طول فترة الاضطراب. أما الأزمة الحالية، فإذا استمرت لأشهر إضافية، فقد تتجاوز في آثارها التراكمية عددا من الصدمات السابقة.
كما أن دور مضيق هرمز يجعل الأزمة شديدة الحساسية. فهو ليس مجرد ممر نفطي، بل شريان حيوي للغاز الطبيعي المسال والتجارة المرتبطة بالطاقة. وأي تعطل طويل فيه يخلق مشكلة يصعب تعويضها بسرعة، حتى من الدول التي تملك طاقة إنتاجية فائضة، لأن المشكلة تصبح في النقل لا الإنتاج فقط.
خاتمة
تكشف تداعيات الحرب مع إيران أن الاقتصاد العالمي لا يزال شديد الحساسية لصدمات الطاقة، رغم التحسن في كفاءة الاستخدام وتنوع المصادر مقارنة بسبعينيات القرن الماضي. فالعولمة، التي جعلت الإنتاج أكثر ترابطا وكفاءة، جعلته أيضا أكثر عرضة للاضطرابات في نقاط الاختناق الحيوية مثل مضيق هرمز.
وتتسع الأزمة تدريجيا من النفط والغاز إلى الصناعة والخدمات والغذاء والتضخم والنمو. فالشركات تواجه تكاليف أعلى وضبابية أكبر، والمستهلكون يواجهون أسعارا مرتفعة وثقة متراجعة، والحكومات تواجه خيارات مالية ونقدية صعبة. وفي الوقت نفسه، تبرز مخاطر أكثر عمقا إذا تحولت أزمة الأسمدة والطاقة إلى أزمة غذائية عالمية.
لا يعني ذلك أن الاقتصاد العالمي محكوم بالانزلاق إلى ركود شامل، فهناك مصادر قوة حقيقية في بعض الاقتصادات والقطاعات، كما أن الاحتياطيات والسياسات الحكومية قد تخفف جزءا من الصدمة. لكن المسار المقبل سيعتمد بدرجة حاسمة على مدة الحرب، وسرعة استعادة الملاحة والإمدادات، وقدرة الشركات والدول على التكيف.
وبذلك، فإن حرب إيران لم تعد حدثا إقليميا محدود الأثر، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة الاقتصاد الدولي على امتصاص صدمة طاقة مركبة، في وقت لم يتعاف فيه بالكامل من أزمات السنوات الماضية.



اضف تعليق