حين تعجز الدولة عن سداد رواتب موظفيها في موعدها وتضطر لسحب السيولة من المصارف الحكومية، فإن ذلك لا يمثل مجرد أزمة عابرة بل يكشف خللاً هيكلياً عميقاً في بنية المالية العامة، والحل لا يكمن في طباعة المزيد من الدنانير بل في إصلاحات مالية جادة تشمل ترشيد الإنفاق وتفعيل القطاعات الإنتاجية...

حين تعجز الدولة عن سداد رواتب موظفيها في موعدها، وتضطر إلى سحب معظم السيولة من المصارف الحكومية لتغطية التزاماتها الشهرية، فإن ذلك لا يمثل مجرد أزمة سيولة عابرة، بل يكشف عن خلل هيكلي عميق في بنية المالية العامة. وهو بالضبط ما شهده العراق في مطلع عام 2026، حين تأخرت رواتب شهر كامل في عدد من الدوائر الحكومية، وسط حديث متصاعد عن شح نقدي في مصرفَي الرافدين والرشيد. 

ولم يكن ذلك سوى الوجه الظاهر لسؤال أعمق يطرح نفسه بإلحاح: إلى أي حد يمكن للعراق أن يعتمد على توسيع الكتلة النقدية لسد فجوات الإنفاق الحكومي، قبل أن يتحول هذا الخيار من حل مؤقت إلى أزمة دائمة؟

 التوسع النقدي يعتبر أحد الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات والبنوك المركزية لمعالجة الأزمات المالية أو تحفيز النشاط الاقتصادي في فترات الركود، ويقصد به زيادة حجم السيولة المتداولة في الاقتصاد من خلال التوسع في الإصدار النقدي أو ضخ الأموال عبر أدوات السياسة النقدية المختلفة. وفي الظروف الطبيعية قد يُسهم في تنشيط الاستثمار والاستهلاك، غير أن نجاحه مشروط بقدرة الاقتصاد على زيادة إنتاجه بما يتناسب مع الزيادة في حجم النقد المتداول. أما حين ترتفع الكتلة النقدية بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج الحقيقي، فإن المحصلة غالباً ما تكون تضخماً متصاعداً وتراجعاً في القوة الشرائية للعملة.

والتاريخ الاقتصادي الحديث مليء بالشواهد على ما يمكن أن تبلغه هذه المعادلة من نتائج كارثية حين تفلت من ضابط الإنتاج. فزيمبابوي التي أغرقت اقتصادها بالطباعة النقدية خلال العقد الأول من هذا القرن، وصلت إلى مرحلة أصدرت فيها أوراقاً نقدية بفئة مئة تريليون دولار لا تكفي لشراء رغيف خبز، وهو مشهد يلخص بجلاء كيف يتحول التوسع النقدي من أداة إنقاذ إلى آلة تدمير. وفنزويلا من جهتها، سلكت ذات المسار حين موّلت الدولة عجزها بالطباعة بدلاً من الإصلاح، فبلغ التضخم أكثر من مليون بالمئة عام 2018 وفق بيانات صندوق النقد الدولي، ومُحيت مدخرات طبقة وسطى بأكملها في غضون سنوات. 

والأقرب إلى الواقع العراقي جغرافياً ونظاماً هو لبنان، الذي لجأ مصرفه المركزي إلى توسيع نقدي مقنّع عبر ما بات يُعرف بـ"الهندسة المالية"، فانهارت الليرة بأكثر من تسعين بالمئة خلال أعوام قليلة، ودفع المواطن العادي ثمن تلك الحسابات من مدخراته ودخله ومعيشته.

والعراق اليوم يقف أمام مشهد مالي بالغ الدقة يستدعي قراءة متأنية. فالكتلة النقدية المصدرة من البنك المركزي بلغت نحو مئة تريليون دينار في نهاية عام 20٢٥، في حين تتراجع الاحتياطيات الأجنبية من ذروتها البالغة مئة وعشرين مليار دولار في منتصف 2023 إلى نحو مئة مليار دولار بنهاية 202٥ وفق بيانات صندوق النقد الدولي، أي بانخفاض نسبته اثنان وعشرون بالمئة خلال عامين. 

ومن المفارقات اللافتة أن نحو ثمانين تريليون دينار من هذه الكتلة النقدية تجثم مكتنزة في المنازل او تستخدم في التداول المباشر خارج النظام المصرفي، أي ما يتجاوز ثمانين بالمئة من العملة المتداولة محجوبة عن رقابة الدولة وأدوات السياسة النقدية. وفي ظل نفقات تشغيلية تستحوذ على ما بين سبعة وستين وسبعين بالمئة من إجمالي الموازنة العامة بحسب التقديرات، ورواتب تبلغ ستة تريليونات دينار شهرياً وحدها من أصل إيرادات نفطية لا تتجاوز ثمانية تريليونات عند أسعار مريحة، فإن هامش المناورة يضيق بشكل لافت.

وما يزيد الأمر تعقيداً أن سعر التعادل لبرميل النفط، أي السعر الذي تحتاجه الموازنة لتصفير العجز، قفز من أربعة وخمسين دولاراً عام 2020 إلى نحو أربعة وثمانين دولاراً عام 2024 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، ما يعني أن هشاشة الموازنة ازدادت بشكل ملموس. وفي السياق ذاته، انخفض معدل التضخم إلى 2.7 بالمئة في نهاية 20٢٥، وهو رقم يوحي بالاستقرار، لكنه يعكس جزئياً امتصاص السيولة بفعل الاكتناز خارج الجهاز المصرفي لا بفعل سياسة نقدية متينة. وبعبارة أخرى، فإن جزءاً من الاستقرار النقدي الحالي مبني على بنية هشة قابلة للتغير بسرعة إن تغيرت توقعات المواطنين أو سلوكهم المالي.

وتحمل الذاكرة العراقية تجربة قاسية في هذا الباب تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين دفعت ظروف الحصار الاقتصادي الحكومة إلى التوسع في إصدار العملة لتمويل النفقات، فتدهورت قيمة الدينار بصورة مدمرة وفُقدت المدخرات وتآكلت الدخول. وإن كانت الظروف الراهنة تختلف من حيث امتلاك العراق احتياطيات أجنبية مهمة وانفتاحه على النظام المالي العالمي، فإن الدرس ذاته لا يزال ينطوي على قيمة تحذيرية راسخة بان التوسع النقدي غير المدروس يستهلك الثقة قبل أن يستهلك الاحتياطيات.

ثمة بُعد آخر لا تكشفه الأرقام وحدها، وهو البُعد النفسي والسلوكي في الأسواق. فحين يبدأ الأفراد بالشك في قيمة عملتهم الوطنية، يتجهون إلى تحويل مدخراتهم نحو الدولار أو الذهب أو العقارات، وهو ما يُغذّي ضغطاً إضافياً على الدينار ويعزز التوقعات التضخمية في حلقة متكررة يصعب كسرها. والعراق بالفعل يعيش هذه الازدواجية العملية، إذ يتعامل جزء كبير من الاقتصاد الفعلي بالدولار بالتوازي مع الدينار، مما يُقيّد فاعلية أدوات السياسة النقدية ويجعل استقرار العملة أكثر اعتماداً على الاحتياطيات منه على ثقة السوق الحقيقية.

في المحصلة، الخطر ليس في الكتلة النقدية القائمة بذاتها، بل في منطق الاعتماد عليها كمخرج دوري من الضائقة المالية. فطالما ظلّت الموازنة العراقية أسيرة سعر برميل نفط يحدده سوق عالمي خارج سيطرتها، وطالما استمر الإنفاق التشغيلي في التمدد دون إنتاج مقابل حقيقي، فإن الضغوط على السياسة النقدية ستبقى قائمة. 

والحل لا يكمن في طباعة المزيد من الدنانير، بل في إصلاحات مالية جادة تشمل ترشيد الإنفاق، وتوسيع الوعاء الضريبي غير النفطي الذي يبقى ضعيفاً بشكل لافت، وتفعيل القطاعات الإنتاجية التي تُحوّل السيولة المتداولة إلى سلع وخدمات حقيقية. وإلا فإن العراق سيظل يشتري الوقت بعملته، حتى تنفد قيمة الوقت والعملة معاً.

اضف تعليق