إذا لم نتعلّم أنّ «نقد من ننتمي إليهم» هو أعظم أشكال الشجاعة، فسنظل عالقين في المستوى الثاني؛ حيث يحوّلنا التعصّب إلى جنود مستعدّين للتضحية بمستقبل الوطن كلّه، فقط كي لا يخسروا في معركة المباهاة والمناكفات. هل نحن قلقون حقّاً على الوطن والبلد والأرض، أم أنّنا قلقون من عدم وصول...
بقلم: علي حسين
هل سألنا أنفسنا يوماً لماذا يفضّل بعض الناس البقاء متعصّبين بدلاً من أن يكونوا واعين؟
هل فكّرت يوماً لماذا يُغمض بعض الأشخاص أعينهم أمام أوضح الحجج والبراهين؟
ولماذا أصبحت السياسة عند بعضهم ليست «تخطيطًا للمستقبل»، بل أشبه تماماً بـ«تشجيع فريق كرة قدم»؟
دعونا نفكّك هذه الظاهرة الخطيرة على ثلاثة مستويات نفسية:
المرحلة التمهيدية: اختيار عاطفي ودفاع أعمى
قبل كل شيء، علينا أن ندرك أنّ كثيراً من هذه الولاءات لا تقوم أصلاً على المعرفة أو الوعي. فكما هو حال مشجّع فريق مثلاً «مانشستر»، الذي ربّما أعجبه في طفولته لون القميص أو أداء أحد اللاعبين، فأصبح منذ ذلك اليوم مشجّعاً للفريق، كذلك الأمر في السياسة؛ إذ إنّ كثيرين ينجذبون إلى تيار أو جناح سياسي بسبب شعور عابر، أو خطاب حماسي، أو أجواء عائلية معيّنة.
هؤلاء لا يملكون أدلّة عقلية أو براهين حقيقية على اختيارهم؛ بل أصبحوا أولاً «مؤيّدين»، ثم بدأوا لاحقاً في تبرير هذا التأييد وتأويل كل شيء لخدمته. بالنسبة لهم، التيار السياسي أشبه بـ«حبيب» وليس «برنامج عمل».
المستوى الأول: عندما يتحوّل "أنا" إلى "الجناح السياسي"
في هذه المرحلة، لا يعود الشخص مجرّد مؤيِّد لفكرة معيّنة، بل يصبح مندمجاً معها تماماً. فالجناح السياسي بالنسبة له يشبه قميص فريقه المفضّل.
إنّ انتقاد ذلك الجناح لا يُنظر إليه بوصفه نقداً لسياسة أو أداء، بل يُعتبر إهانة لشرفه الفكري وهجوماً على شخصيّته. وفي هذا الجو، لا تعود الحقيقة مهمّة؛ بل يصبح المهم فقط هو «فوز فريقنا».
المستوى الثاني: جدار التكلفة الغارقة (المأزق الفكري)
في هذه المرحلة، لا يسمح الشخص حتى بمرور فكرة مختلفة إلى ذهنه. لماذا؟ لأنّه أمضى سنوات في المجادلات والصراعات مع الأصدقاء والخصوم، ومع الإخوة والزملاء، دفاعاً عن ذلك الفريق أو التيار، وقد أحرق الجسور خلفه.
إنّ الاعتراف بأدنى خطأ من جانب تياره السياسي يعني بالنسبة له «الهزيمة أمام جميع منافسيه في الحياة». لذلك يفضّل أن يبقى مخطئاً إلى الأبد على أن يطأطئ رأسه أمام شخص ناقشه لسنوات. وهنا لا وجود للبرهان أو العقلانية؛ فالكبرياء وحده يحتلّ مكان كلّ شيء.
المستوى الثالث: عندما يكون الردّ على الفشل هو العنف (تحطيم نوافذ الحافلات)
هنا تكمن أخطر مراحل التعصّب السياسي. فكما أنّ المشجّع المتعصّب عندما يخسر فريقه مباراة مصيرية لا يلجأ إلى التحليل الفنّي، بل يخرج إلى الشارع ويحطّم النوافذ ويشعل الحرائق، كذلك يفعل «المشجّع السياسي» عندما تفشل مشاريع تياره.
فهو، لعجزه عن مواجهة حقيقة الفشل، ولأنّه لا يملك مبرّرات منطقية للدفاع، يلجأ إلى العنف اللفظي أو البنيوي. يهاجم الجميع، ويشوّه سمعة الخصوم، وقد يكون مستعداً لتعريض الأمن النفسي والجسدي للمجتمع للخطر من أجل تفريغ غضبه الناتج عن انهيار الصنم الذهني الذي صنعه لنفسه. وبالنسبة له، فإنّ إحراق حاويات القمامة أو اغتيال شخصيات المنتقدين معنوياً ليس إلاّ وسيلة للهروب من ألم الحقيقة.
الخلاصة: من مشجّع إلى مواطن
في كرة القدم، قد يفوز الفريق أو يخسر، ولا يتغيّر شيء جوهري في حياتنا. أمّا في السياسة، فإنّ فكرة خاطئة قد تعني خسارة أمّة بأكملها.
إذا لم نتعلّم أنّ «نقد من ننتمي إليهم» هو أعظم أشكال الشجاعة، فسنظل عالقين في المستوى الثاني؛ حيث يحوّلنا التعصّب إلى جنود مستعدّين للتضحية بمستقبل الوطن كلّه، فقط كي لا يخسروا في معركة المباهاة والمناكفات.
فلنسأل أنفسنا:
هل نحن قلقون حقّاً على الوطن والبلد والأرض، أم أنّنا قلقون من عدم وصول بعض السياسيين الطامعين في السلطة إلى الحكم، أولئك الذين حوّلوا الآخرين إلى مجرّد حشود خلف مصالحهم الحزبية؟ وهل وقعنا في فخّ جعل كل همّنا ألاّ نظهر بمظهر الضعيف أمام خصومنا، مهما كان الثمن؟



اضف تعليق