استثمار العمر هو فنٌّ يتطلَّب يقظةً وحذرًا ومبادرة مستمرة، فهو رأس المال الحقيقي الذي يُبنى به مصير الإنسان في الدُّنيا والآخرة. وعن طريق فهم خصائص العمر، وإدراك سرعة انقضائه، وتطبيق القواعد العمليَّة كتنظيم الوقت، ومحاسبة النَّفس، واستذكار الموت، والارتباط بالأعمال الصَّالحة، يمكن للإنسان أن يحقِّق غاية وجوده ويترك أثرًا...
الحياةُ قصيرة، والأعمارُ تمضي مسرعةً كتعاقبِ الليلِ والنَّهار، حتَّى ليجد الإنسانُ نفسَه وقد قطعَ مراحلَ طويلةً من عمره دون أن يشعر. ومع وضوح هذه الحقيقة، يبقى كثيرٌ من النَّاس غافلين عن قيمة الزَّمن وعظمة ما يملكونه من عمر. فالعمرُ هو أثمنُ ما يمتلكه الإنسان؛ به يُصاغ المستقبل، وفيه تُزرع الأعمال الصَّالحة، وعلى أرضه تُختبر القيم والمبادئ. فمن أحسن استثماره حصد سعادةً باقيةً وطمأنينةً لا تزول، ومن فرَّط فيه أورثه النَّدم، وأوقعه في الحسرة والضّياع.
لقد جاءت النُّصوص الشَّريفة لتغرس في الإنسان حقيقةً عميقة، وهي أنَّ العمر أمانةٌ عظيمة، وأنَّ كلَّ لحظة تمضي تحمل في طيَّاتها فرصةً ثمينة للبناء والإصلاح والتَّقرُّب إلى الله (تعالى) بالأعمال الصَّالحة. ومن هذا الباب، فإنَّ اغتنام العمر وحُسن استثماره فيما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته هو مسؤوليَّة كبرى وواجبٌ على كلِّ من امتلك هذه النِّعمة.
ونظرًا لأهميَّة هذا الموضوع وأثره الكبير في صناعة الإنسان، سنتوقف عند قيمة العمر وخصائصه الجوهريَّة التي تمنحه هذه المنزلة العظيمة، ثمَّ ننتقل إلى مجموعةٍ من القواعد العمليَّة التي تُساعد الإنسان على استثمار وقته وإدارته بحكمة.
المحور الأوَّل: القيمة الخصائص
الفرع الأوَّل: العُمُر بين الأمانة والخسارة
"العَمْرُ والعُمُرُ: اسم لمدَّة عمارة البدن بالحياة"(1). أي: هو المساحة التي يتحرَّك فيها الإنسان بين الميلاد والرَّحيل، ويترك خلالها أثره وفكره وعمله. وهو رأس مال الإنسان، والمجال الذي تتجلَّى فيه اختيارات الإنسان ومواقفه وإنجازاته. وفي كلِّ مرحلةٍ من مراحله تتكوَّن شخصيَّة الإنسان، وتتحدَّد ملامح رسالته في الحياة، إمَّا نحو الارتقاء والكمال، أو نحو التَّراجع والخسارة. ولذلك كانت قيمة العمر مرتبطة بانتباه الإنسان بما يحمله من فرص، وبقدرته على تحويل الأيَّام العابرة إلى أثرٍ باقٍ وعطاءٍ ممتد.
وقد أكَّد النبيُّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) هذا المعنى بأسلوب بليغ، حين قال: "كُنْ عَلَى عُمُرِكَ أَشَحُّ مِنْكَ عَلَى دَرْهَمِكَ وَدِينَارِكَ"(2). في إشارة واضحة إلى أنَّ الوقت أولى بالحفظ والصِّيانة من المال؛ لأنَّ المال يمكن تعويضه، أمَّا العمر فإذا مضى لا يمكن استرجاعه. ويكشف هذا التَّوجيه عن رؤية دقيقة لقيمة الزَّمن، بوصفه رأس المال الحقيقي للإنسان، الذي تتوقّف عليه فرص الإصلاح، والتَّزكية، وتحقيق الغاية من الوجود.
وقد وردت عن المعصومين (عليهم السلام) نصوصٌ كثيرة تؤكِّد مركزيَّة العمر في المنظومة الإسلاميَّة، وتتعامل معه بوصفه رأس المال الحقيقي لمن يطمح إلى "التِّجارة مع الله" وبلوغ رضاه (سبحانه). ومن هذا المنطلق، يصبح التَّفريط به نوعًا من الخسارة التي لا يمكن تعويضها، بخلاف المال الذي يمكن اكتسابه من جديد.
ويُلاحظ في هذا المجال أنَّ البخل يُعدُّ خُلُقًا مذمومًا حين يتعلَّق بالأموال والممتلكات، غير أنَّه يتحوَّل إلى خُلُق محمود عندما يرتبط بالعمر والوقت؛ إذ إنَّ الحرص على الزَّمن، وعدم إنفاقه إلَّا فيما يعود بالنَّفع الحقيقي، يُعدُّ مظهرًا من مظاهر الوعي والمسؤوليَّة. ولهذا، فإنَّ توجيه الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) يرمي إلى إدارة العمر إدارة واعية، بحيث لا تُصرف لحظاته إلَّا فيما يحمل قيمة في الدُّنيا والآخرة معًا.
وعلى هذا الأساس، يغدو الحفاظ على الوقت واستثماره في الأعمال الصَّالحة أحد أهمِّ المسارات التي تقود إلى النَّجاح الأبدي؛ لأنَّ كلَّ لحظة تمرُّ من حياة الإنسان تمثِّل فرصة فريدة لا يمكن استرجاعها إذا انقضت. وقد لخَّص النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) هذه الرُّؤية في وصيته الجامعة لأبي ذر (رضوان الله عليه) بقوله: "بَادِرْ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ أَرْبَعٍ: بِشَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَمَاتِكَ"(3)؛ حيث يدعو الإنسان إلى اغتنام مراحل القوَّة والقدرة قبل أن تتحوَّل إلى عجز أو فقدان، ويؤسِّس لمنهج عملي في التَّعامل مع العمر بوصفه أمانة، لا مجرَّد امتداد زمني يمرُّ دون حساب.
إنَّ المبادرة إلى توظيف الحياة توظيفًا واعيًا قائمًا على تحصيل العلم وممارسة العمل الصَّالح، تُعدُّ من الرَّكائز الجوهريَّة في بناء السَّعادة الدَّائمة للإنسان. فالعلم يمنحه أفقًا أوسع للفهم والإدراك، ويرفع مستواه الفكري، ويُسهم في ترقية حضوره في الدُّنيا وتمهيد طريقه في الآخرة، في حين يمثِّل العمل الصَّالح الإطار التَّطبيقي الذي تتجسَّد عن طريق القيم والمبادئ، وتتحوَّل إلى سلوك عملي يوفِّر للإنسان حالة من السَّكينة والطَّمأنينة والاستقرار النَّفسي.
ويكشف التَّأمل في سِيَر المؤمنين الموفَّقين وعظماء التَّاريخ أنَّ من أبرز سماتهم قدرتهم على إدارة الوقت واستثماره، إدراكًا منهم لكونه موردًا لا يُعوَّض. فهم يحرصون على توجيه كلِّ لحظة منه نحو ما يعود عليهم بالنَّفع في الحياتينِ الدُّنيا والآخرة. ومن هنا، فإنَّ معرفتهم بقيمة الزَّمن، وحرصهم على استثماره في العلم النَّافع والعمل الصَّالح، كان العامل الحاسم في تحقيق التميُّز والرِّفعة، وصناعة نماذج خالدة تجاوز أثرها حدود الزَّمان والمكان.
الفرع الثَّاني: من خصائص العمر
ولتوضيح مكانة العمر في بناء الإنسان، يحسن الوقوف عند جملة من خصائصه التي تكشف عن قيمته وأثره الكبير في صياغة المصير؛ إذ إنَّ فهم هذه الخصائص يمثِّل مدخلًا أساسيًّا للإدراك الواعي لأهمية الزَّمن، وطبيعة التَّعامل المسؤول معه.
أوَّلاً: أثمن ما يمتلكه الإنسان
يُمثِّل العمر أثمن ما يمتلكه الإنسان على الإطلاق، ويفوق في قيمته كلَّ جوهرٍ نفيس، ويتقدَّم في أهميَّته على أغلى الممتلكات الماديَّة، مهما بلغت ندرتها أو ثمنها. فالأموال والجواهر يمكن تعويضها أو استبدالها، أمَّا العمر، وبخاصَّة ما تبقَّى منه، فهو رأس مال فريد لا يقبل التَّعويض ولا التكرار. وقد عبَّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة ببيان بليغ، حيث قال: "بَقِيَّةُ عُمرِ المُؤمِنِ لا قيمَةَ لَها، يُدرِكُ بِها ما قَد فاتَ، ويُحيي ما ماتَ" (4). ويكشف هذا النَّصُّ أنَّ قيمة العمر، ولا سيَّما في مراحله المتأخرة، تُقاس بما يتيحه من فرصة لاستدراك التَّقصير، وتجديد المسار، وإحياء ما خمد من معاني الإيمان والعمل الصَّالح.
ثانيًا: ما فات لا يعوض
من الخصائص الجوهريَّة للعمر أنَّ ما ينقضي منه لا يمكن تعويضه أو استرجاعه. فالزَّمن يسير في اتِّجاه واحد، وكلُّ لحظة تمرُّ تخرج نهائيًّا من دائرة الإمكان، ولا تعود مهما اشتدَّ النَّدم أو تعاظمت الرَّغبة في الاستدراك. وتبعًا لذلك تتبيَّن خطورة التَّفريط بالعمر؛ لأنَّ الخسارة فيه نهائيَّة وغير قابلة للجبران. وقد نبَّه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بقوله: "احْذَرُوا ضِيَاعَ الْأَعْمَارِ فِيمَا لَا يَبْقَى لَكُمْ فَفَائِتُهَا لَا يَعُودُ" (5). ويؤكِّد هذا التَّوجيه أنَّ صرف العمر فيما لا يحمل قيمة حقيقيَّة يُفضي إلى خسارة مضاعفة؛ إذ يضيع الوقت، وتضيع معه الفرص التي كان يمكن أن تُستثمر في البناء والإصلاح. وبذلك تصبح البصيرة بحقيقة عدم عودة الزَّمن دافعًا إلى التَّعامل مع العمر بوصفه أمانة ينبغي صيانتها، وحسن توجيهها قبل أن تتحوَّل إلى حسرة لا تنفع معها المعالجة.
ثالثاً: سريع الانقضاء
يتَّسم العمر بسرعة انقضائه، وهي من أخطر خصائصه وأكثرها لفتًا للانتباه؛ إذ يشعر الإنسان غالبًا بتسارع الزَّمن كلَّما مضت به مراحل الحياة، حتَّى تتبدَّد الأيَّام والسنون وكأنَّها لحظات عابرة. وهذه السُّرعة تُلمَس بوضوح في التَّجربة اليوميَّة، حيث يتلاشى الإحساس بطول الزَّمن أمام توالي الأحداث وتراكم المسؤوليات. وقد عبَّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة قائلًا: "مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وأَسْرَعَ الأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ"(6). ويجسِّد هذا القول رؤية عميقة لحركة الزَّمن؛ حيث يُبيِّن أنَّ العمر في مجموعه ليس سوى سلسلة متسارعة من الوحدات الزَّمنيَّة، كلَّما انتقل الإنسان من مستوى إلى آخر ازداد إحساسه بسرعة الانقضاء. ولهذا السَّبب، فإنَّ استحضار هذه الحقيقة يولِّد وعيًا يدفع الإنسان إلى عدم الاغترار بطول الأمل، وإلى المبادرة في استثمار الزَّمن قبل أن ينقضي من دون أن يترك أثرًا نافعًا في مسيرته الدُّنيويَّة والأخرويَّة.
المحور الثَّاني: قواعد استثمار العمر
ولتحقيق استثمار العمر على الوجه الأمثل، لا بدَّ من الإشارة إلى بعض القواعد:
القاعدة الأولى: وضع خطَّة لتنظيم الأمور
القدرة على تنظيم الأمور وإدارة الوقت من أهمِّ الأُسس لضبط الحياة واستثمار العمر بما يعود بالنَّفع على الإنسان في دنياه وآخرته. فالخطط العمليَّة تمنح الفرد رؤية واضحة لأولوياته، وتُمكِّنه من توجيه جهوده وطاقاته نحو ما يخدم أهدافه وطموحاته، بدلًا من التَّشتت والتَّضييع العشوائي للوقت. وقد جاء عن أمير المؤمنين عليٍّ(عليه السلام) في وصيَّته للإمامينِ الحسن والحسين (عليهما السلام): "أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ"(7). إذ يشير إلى أنَّ تنظيم الأمور، المرتبط بالتَّقوى، هو وسيلة للحفاظ على التَّوازن بين الواجبات الدِّينيَّة والدُّنيويَّة. ويُفسّر لفظ "الأمر": "الشَّأن وجمعه أمور... وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلِّها"(8). وعليه، فإنَّ وضع برنامج يومي واضح أداة فعَّالة لتحقيق السَّيطرة على الوقت ومنع إضاعته، خاصَّة إذا تحوَّل هذا البرنامج من مجرَّد خطَّة إلى واقع عملي يُطبَّق باستمرار، بما يضمن استثمار كلِّ لحظة فيما يعود بالفائدة في الدُّنيا والآخرة.
عن عبدِ اللّهِ بنِ مغفَّلٍ، قالَ: "قالَ رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله): إنَّ عيسى بنَ مريمَ قالَ: يا معشرَ الحواريين، الصَّلاةُ جامعةٌ. فخرجَ الحواريون في هيئةِ العبادةِ، قد تضمَّرتِ البطونُ، وغارتِ العيونُ، واصفرَّتِ الألوانُ، فسارَ بهم عيسى (عليه السلام) إلى فلاةٍ من الأرضِ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمَّ أنشأَ يتلو عليهم من آياتِ اللهِ وحكمتِه، فقالَ:
يا معشرَ الحواريينَ، اسمعوا ما أقولُ لكم: إنِّي لأجدُ في كتابِ اللهِ المنزلِ الذي أنزلهُ اللهُ في الإنجيلِ أشياءَ معلومةً فاعملوا بها، قالوا: يا روحَ اللهِ، وما هي؟
قالَ: خلقُ الليلِ لثلاثِ خصالٍ، وخلقُ النَّهارِ لسبعِ خصالٍ، فمن مضى عليهِ الليلُ والنَّهارُ وهو في غيرِ هذهِ الخصالِ خاصمَهُ الليلُ والنهارُ يومَ القيامةِ... خلقُ الليلِ لتسكنَ فيهِ العروقُ الفاترةُ التي أتعبتْها في نهارِك، وتستغفرَ لذنبِك الذي كسبتَهُ بالنَّهارِ ثمَّ لا تعودُ فيهِ، وتقنتَ فيهِ قنوتَ الصَّابرينَ، فثلثٌ تنامُ، وثلثٌ تقومُ، وثلثٌ تضرَّعُ إلى ربِّك، فهذا ما خلقَ لهُ الليلُ. وخلقُ النهارِ لتؤدِّي فيهِ الصلاةَ المفروضةَ التي عنها تسألُ وبها تخاطبُ. وتبرَّ والديك، وأن تضربَ في الأرضِ تبتغي المعيشةَ، معيشةَ يومِك، وأن تعودوا فيهِ وليًّا للهِ كي ما يتغمدَّكمُ الله برحمتِه، وأن تشيِّعوا فيهِ جنازةً كي ما تنقلبوا مغفورًا لكم، وأن تأمروا بمعروفٍ، وأن تنهوا عن منكرٍ، فهو ذروةُ الإيمانِ وقوامُ الدِّينِ، وأن تجاهدوا في سبيلِ الله تزاحموا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ في قبّتهِ، ومن مضى عليهِ الليلُ والنهارُ وهو في غيرِ هذهِ الخصالِ خاصمَهُ الليلُ والنهارُ يومَ القيامةِ فخصماهُ عندَ مليكٍ مقتدرٍ"(9). ومن هذه الرِّواية الشَّريفة نستنتج أنَّ المؤمنُ الواعي لا يتركُ الليلَ والنَّهارَ يمرَّانِ عليه عبثًا؛ لأنَّه يعلمُ أنَّهما شاهدان يكتبان تفاصيلَ عمره، لذلك يجعلُ ليلهُ سكونًا يوقظُ الرُّوح بالمحاسبةِ وقيامِ الليل، ليُرمِّمَ ما أفسدتْه ضوضاءُ الدُّنيا في قلبه، ويجعلُ نهارَهُ سعيًا في طلبِ الرِّزقِ الحلال، وبرِّ الوالدين، وخدمةِ النَّاس، والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر، وحملِ همِّ الإصلاح في المجتمع. فهو لا يعيشُ لنفسه فقط؛ بل يعيشُ ليتركَ أثرًا من رحمةٍ وخيرٍ وهداية، ويحوِّلَ كلَّ صباحٍ إلى فرصةٍ جديدةٍ للتقرُّبِ إلى الله (تعالى)؛ لأنَّ أخطرَ ما يواجهُ الإنسانَ أن تمضيَ عليه الأيَّامُ وهو بعيدٌ عن ربِّه (سبحانه)، وأعظمَ الرِّبحِ أن يمتلئَ العمرُ بالطَّاعةِ والعطاءِ والأثرِ الصَّالح، فالعمرُ لا يُقاسُ بعددِ السِّنينَ؛ وإنَّما بما امتلأتْ به الأيّامُ من نورٍ وخير، ومن أحسنَ استثمارَ يومهِ، فقد ربحَ عمرَهُ كلَّه، وخفَّ حسابُهُ يومَ القيامة.
القاعدة الثَّانية: استغلال الوقت فيما ينفع
من أهمِّ المبادئ العمليَّة للحفاظ على العمر واستثماره بالشكل الأمثل استثمار الوقت فيما يعود بالنَّفع الحقيقي للإنسان. فالوقت جزء من العمر، وكلُّ لحظة تمرُّ هي فرصة لإحراز مكاسب ماديَّة ومعنويَّة لا تُعوَّض، وإذا ضاعت ضاعت معها الإمكانات التي يمكن أن تحقِّق التَّقدُّم في الحياة والارتقاء في المعارف؛ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "إِنَّ أَوْقَاتَكَ أَجْزَاءُ عُمُرِكَ فَلَا تُنْفِدْ لَكَ وَقْتاً إِلَّا فِيمَا يُنْجِيكَ"(10). مشيرًا إلى ضرورة توجيه كلِّ دقيقة من العمر نحو ما ينجي من الهلاك، ويضمن له الفلاح. كما جاء عنه (عليه السلام) أيضًا: "احْفَظْ عُمُرَكَ مِنَ التَّضْيِيعِ لَهُ فِي غَيْرِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَاتِ"(11).
في تأكيد صريح على أنَّ التَّفريط في الوقت، سواء في اللهو أو الانشغال بما لا فائدة فيه، يهدِّد استثمار العمر ويُبعد الإنسان عن أهدافه الحقيقيَّة.
عشر دقائق
قال المرجع الدِّيني سماحة السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (طيَّب الله تعالى نفسه الزكيَّة): لا أنسى أيَّام كنت بصحبة والدي (رحمه الله)، وكان معنا السيِّد حسين القمي (رحمه الله)؛ الرَّجل العالم، والمجاهد المشهور، وكان أيضًا آية الله العظمى السيِّد الميلاني (رحمه الله) وغيره، وكنَّا قد ركبنا سيَّارة من كربلاء إلى سامراء، وفي أثناء الطَّريق عطبت السيارة فسأل المرحوم القمِّي السَّائق عن المدَّة التي يستغرقها إصلاح السَّيارة؟
قال السَّائق: عشر دقائق.
فتوجَّه القمِّي (رحمه الله) إلى خادمه، وقال افرش في الصَّحراء، وأنزل الكتب فنزل، ونزل أصحابه والدي والسيِّد الميلاني، وغيرهما فقال: نتباحث لئلا يذهب وقتنا اعتباطًا، فأخذوا بالمباحثة حتَّى تهيأت السَّيارة، فركبنا جميعًا، وتوجهنا إلى سامراء..."(12).
القاعدة الثَّالثة: الابتعاد عن التَّسويف
التَّسويف من أخطر الممارسات التي تفضي إلى هدر الأعمار وتضييع الوقت؛ إذ يدفع الإنسان إلى تأجيل الأعمال الصَّالحة والواجبات الضَّروريَّة تحت وطأة طول الأمل والاعتماد على المستقبل غير المضمون. فالاعتماد على غدٍ مجهول يجعل الإنسان يغفل عن قيمة اللحظة الرَّاهنة، ويترك الفرص الثَّمينة تفلت من بين يديه، ممَّا يؤدِّي في النِّهاية إلى النَّدم والخسارة. ومن القضايا المؤسفة، أصبحت كلمة (سوف) شعارًا لكثير من النَّاس وطابعًا لهم؛ لذلك فالواجب الحذر من التَّسويف؛ فإنَّك لا تضمن أن تعيش إلى الغد، وإن ضمنت الحياة، فلا تأمن من المعوِّقات مثل المرض المفاجئ أو الشُّغل العارض أو البلاء النَّازل، واعلم أنَّ لكلِّ يوم عملًا، ولكلِّ لحظة واجبًا، واعلم أنَّ التَّسويف في الطَّاعات يُعوِّد النَّفس على الإعراض عنها، وممَّا ينسب لأمير المؤمنين (عليه السلام):
تُؤَمِّلُ فِي الدُّنْيَا طَوِيلًا وَلَا تَدْرِي* إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى فَجْرٍ
فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ* وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ عَاشَ دَهْراً إِلَى دَهْرٍ
وَكَمْ مِنْ فَتًى يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِناً* وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي (13).
وقد جاء الحديث الشَّريف واضحًا في التَّحذير من التَّسويف حين قال المصطفى محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ بِأَمَلِكَ فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِمَا بَعْدَهُ؛ فَإِنْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ فَكُنْ فِي الْغَدِ كَمَا كُنْتَ فِي الْيَوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ لَمْ تَنْدَمْ عَلَى مَا فَرَّطْتَ فِي الْيَوْمِ" (14). ويؤكِّد هذا الحديث أهميَّة استثمار الوقت الحاضر، وعدم تأجيل الأعمال الصَّالحة، فالمستقبل غير مضمون، وكلُّ يومٍ هو فرصة فريدة للعمل بما يرضي الله (تعالى).
القاعدة الرَّابعة: معالجة طول الأمل
من الصِّفات التي حذَّر منها الدِّين طول الأمل، لما له من أثر مباشر في إضاعة الوقت وتسويف الأعمال الصَّالحة. فالمبالغة في التَّعلُّق بالمستقبل تجعل الإنسان يراهن على غدٍ غير مضمون، ويؤجّل واجباته، متناسيًا أنَّ حياته في الحاضر هي الفرصة الوحيدة المتاحة له. فالعيش في وهم الطَّمأنينة بالمستقبل يفتك بالوقت، ويُضعف الحافز على استثمار اللحظة الرَّاهنة فيما ينفع الإنسان في الدُّنيا والآخرة. وقد بيَّن الرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) هذه الحقيقة بقوله لأبي ذر (رضي الله عنه)، حين قال: "يا أَبا ذَرٍّ: إِذا أَصبَحتَ فَلا تُحَدِّث نَفسَكَ بِالمَساءِ، وَإِذا أَمسَيتَ فَلا تُحَدِّث نَفسَكَ بِالصَّباحِ، وَخُذ مِن صِحَّتِكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَمِن حَياتِكَ قَبلَ مَوتِكَ؛ فإِنَّكَ لا تَدري ما اسمُكَ غَدا"(15). ومفاد هذا الحديث أنَّ الإنسان لا يملك ضمانًا ليومٍ آخر، وأنَّ الاستباق بالمستقبل على حساب الحاضر إهدارٌ للفرص الثَّمينة التي يوفِّرها العمر.
كما يؤكِّد الإمام عليٌّ (عليه السلام) على نفس المعنى، بقوله: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وطُولُ الأَمَلِ؛ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ"(16). فالمقارنة بين هاتينِ الصِّفتينِ توضِّح أنَّ طول الأمل ينتهي إلى الغفلة عن الآخرة، ويُبعد الإنسان عن الالتزام بالواجبات التي تُحقِّق له النَّجاح الأبدي، بينما اتِّباع الهوى يزيغ به عن الحقِّ.
لذلك ينبغي للإنسان أن يغتنم كلَّ فرصةٍ متاحة قبل يوم الحساب، وأن يحرص ألَّا تضيع لحظةٌ واحدة من عمره النَّفيس والثَّمين، قبل أن يندم حيث لا ينفع النَّدم: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ)(17). فلو أنَّ شابًّا ورث عن أبيه ثروةً عظيمة، ثمَّ اندفع بسفهه يبعثرها بلا حساب، غير مبالٍ بمستقبله أو بمصلحة أهله، لأشفق عليه العقلاء، وتعجَّبوا من سوء تدبيره، وهم يدركون ما سيؤول إليه مصيره بسبب تصرُّفاته الطَّائشة.
وقد شهدنا جميعًا نماذج كهذه، وتحسَّرنا على أصحابها كثيرًا؛ غير أنَّ العجيب أنَّنا كثيرًا ما لا نستشعر الحسرة نفسها حين نهدر ثروةً أعظم من المال وأثمن، ألا وهي ثروة الوقت والعمر، التي إذا مضت فلن تعود، وإذا ضاعت فلن يُعوِّضها شيءٌ.
القاعدة الخامسة: محاسبة النَّفس
محاسبة النَّفس منهج عمليٌّ يتبعه الصَّالحون والمتَّقون لرقابة النَّفس وتصحيح المسار باستمرار. فالمحاسبة اليوميَّة تمنح الإنسان فرصة لتقييم أفعاله وأقواله، ومعرفة مكامن القوَّة والضعف، وتحديد ما ينبغي تداركه أو إصلاحه.
وفي ضوء هذا ينبغي لكلِّ مسلم أن يسائل نفسه بصدق، متسائلًا: ماذا قدَّمت في يومك الذي مضى؟
أين أنفقت وقتك؟
وفيما قضيت ساعات يومك؟
هل أضفت إلى ميزان حسناتك، أم زدت من أعباء السَّيئات؟
هذه الأسئلة أداة فعَّالة لتوجيه العمر واستثمار كلِّ لحظة في العمل الصَّالح، ومعالجة الهفوات قبل أن تتراكم، ممَّا يضمن للنَّفس استقامة في مسار الطَّاعة.
القاعدة السَّادسة: تربية النَّفس على علو الهمِّة
فالمؤمن الذي يعلو همُّه بالارتباط بالمعالي والبعد عن سفاسف الأمور، يصبح أكثر حرصًا على توجيه وقته وجهده نحو ما ينفعه في الدُّنيا والآخرة، ولا يرضى بالدُّون أو المظاهر الزَّائلة التي لا تضيف قيمة لحياته. قال الشَّاعر:
إذا ما عَلا المرءُ رام العلا --- ويقنعُ بالدُّونِ من كان دُونَا(18).
القاعدة السَّابعة: مصاحبة الأصدقاء الإيجابيينَ
مرافقة الصَّالحين ومخالطتهم، والحرص على الاقتداء بهم تهيئ للإنسان البيئة المناسبة لاستثمار العمر واستغلال الوقت فيما يعود بالنَّفع. فالمحيط الصَّالح يُلهم الإنسان القيم السَّامية، ويحفِّزه على الانشغال بما يفيده ويقرِّبه من الله (تعالى)، بينما الصُّحبة السيئة قد تكون سببًا في تضييع الوقت والانحراف عن الطَّريق المستقيم. قال الشَّاعر:
إذا كنتَ في قومٍ فصاحِب خِيارَهم --- ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدِي
عن المرءِ لاتَسَألْ وسَلْ عن قرينهِ --- فكلُّ قـريــنٍ بالمقارَن يقتدِي (19).
القاعدة الثَّامنة: استذكار الموت
الموت يذكِّر الإنسان بزوال فرص الحياة، ويجعله يدرك أنَّ كلَّ لحظة من الزَّمن هي أمانة يجب استثمارها قبل أن تنقضي بلا رجعة. وعندما يستذكر الإنسان الموت، تتَّضح له حقيقة الدُّنيا وزوالها، ويصبح متوجّهًا نحو الآخرة بوعي كامل، متمنّيًا لو كان لديه وقت إضافي ليصلح ما أفسده ويتدارك ما فات؛ لكنَّه يدرك أنَّ الزَّمن الممنوح للعمل قد انتهى، وأنَّه حان وقت الحساب والجزاء. وهذه الحقيقة تولّد شعورًا باليقظة والحرص على اغتنام كلِّ فرصة للقيام بالعبادات والطَّاعات.
حفر لنفسه قبرًا
كان المرجع الدِّيني الورع المرحوم آية الله العظمى السيِّد ميرزا مهدي الشيرازي (أعلى الله مقامه)... قد حفر لنفسه قبرًا في ساحة منزله بكربلاء، وكفنه على سجَّادة صلاته دائمًا...فعندما كان يقوم بعد منتصف الليل؛ ليؤدِّي صلاة الليل، يلبس الكفن أوَّلًا، فينزل داخل القبر ويحدِّث نفسه قائلًا: يا ميرزا مهدي، إعتبر نفسك الآن ميِّتًا، وهذه حفرتك التي يدفنونك فيها شئت أم أبيت... قل لي: من يفيدك هنا غير عملك الصَّالح؟!... فلِمَ لا تستزيد منه، ولماذا تغفل عن مصيرك هذا، ولِمَ لا تمهِّد لرقدتك هذه... يردِّد هكذا ويكرِّر ويبكي، ثمَّ يتلو الآية الشَّريفة: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(20).
ثمَّ يوبِّخ نفسه قائلًا: اسكت، إنَّك لا تستحق العودة إلى الحياة؛ فقد ضيَّعت الفرص التي منحها الله إيَّاك؛ ولكنَّه يعود ويلتمس ويتعهد أن يعمل صالحًا فيقول لنفسه: قم واخرج، لقد سمحنا لك هذه المرَّة بالعودة!...وإيَّاك أن تعود إلى حفرتك، وأنت خالي اليدينِ من الباقيات الصَّالحات. وهكذا يقوم خارجًا من القبر مؤتزرًا كفنه، وهو يشكر الله على منحه فرصة الحياة، ونعمة العودة لاكتساب الحسنات. أجل مثل هذا الرَّجل هل يعصي الله (تعالى)؟!.. هيهات!.. هيهات!" (21).
القاعدة التَّاسعة: الاهتمام بالأعمال ذات الأجر الكبير
"فِي خَبَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) قَالَ يَوْماً لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَيُحْيِي اللَّيْلَ، وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ؟
فَقَالَ سَلْمَانُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ.
فَغَضِبَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إِنَّ سَلْمَانَ رَجُلٌ مِنَ الْفُرْسِ، يُرِيدُ أَنْ يَفْتَخِرَ عَلَيْنَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَهُوَ يَكْذِبُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله): مَهْ يَا فُلَانُ، أَنَّى لَكَ بِمِثْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ، سَلْهُ فَإِنَّهُ يُنَبِّئُكَ.
فَقَالَ: رَأَيْتُكَ فِي أَكْثَرِ أَيَّامِكَ تَأْكُلُ، وَأَكْثَرِ لَيَالِيكَ نَائِماً، وَأَكْثَرِ أَيَّامِكَ صَامِتاً.
فَقَالَ: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِنِّي أَصُومُ الثَّلَاثَةَ فِي الشَّهْرِ؛ وَقَالَ الله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (22)، وَأُوصِلُ رَجَبَ وَشَعْبَانَ بِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ بَاتَ عَلَى طُهْرٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَنَا أَبِيتُ عَلَى طُهْرٍ.
وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لعَلِيٍّ: يَا أَبَا الْحَسَنِ مَثَلُكَ فِي أُمَّتِي مَثَلُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّةً فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ خَتَمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، فَمَنْ أَحَبَّكَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ كَمَلَ لَهُ ثُلُثُ الْإِيمَانِ، وَمَنْ أَحَبَّكَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَقَدْ كَمَلَ لَهُ ثُلُثَا الْإِيمَانِ، وَمَنْ أَحَبَّكَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَنَصَرَكَ بِيَدِهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ. وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً يَاعَلِيُّ: لَوْ أَحَبَّكَ أَهْلُ الْأَرْضِ كَمَحَبَّةِ أَهْلِ السَّمَاءِ لَمَا عُذِّبَ أَحَدٌ بِالنَّارِ.
وَأَنَا أَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَامَ كَأَنَّهُ أُلْقِمَ حَجَراً"(23).
إنَّ استثمار العمر هو فنٌّ يتطلَّب يقظةً وحذرًا ومبادرة مستمرة، فهو رأس المال الحقيقي الذي يُبنى به مصير الإنسان في الدُّنيا والآخرة. وعن طريق فهم خصائص العمر، وإدراك سرعة انقضائه، وتطبيق القواعد العمليَّة كتنظيم الوقت، ومحاسبة النَّفس، واستذكار الموت، والارتباط بالأعمال الصَّالحة، يمكن للإنسان أن يحقِّق غاية وجوده ويترك أثرًا باقيًا في الدُّنيا والآخرة.
الحياة فرصة، والزَّمن أمانة، وكلُّ لحظة مضت لا تعود، لذلك فإنَّ السَّعادة الحقيقيَّة والنَّجاح الأبدي لا يتحقَّقان إلَّا بالاستثمار الواعي لكلِّ دقيقة من العمر. فلنجعل حياتنا رحلة هادفة، نغتنم فيها كلَّ فرصة، ونزرع فيها العلم والعمل الصَّالح، لنخرج من هذه الدُّنيا وقد تركنا بصمة طيِّبة وأثرًا خالدًا يرضي الله (تعالى) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).



اضف تعليق