براهما تشيلاني

 

نيو دلهي - تنكر الصين مزج عالم الأعمال مع السياسة، لكنها استخدمت التجارة سابقا لمعاقبة البلدان التي ترفض أن تحذو حدوها. وكانت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الصين مؤخرا على كوريا الجنوبية ردا على قرار هذا البلد بنشر نظام الدفاع الصاروخي العالي الارتفاع (ثاد) آخر مثال لاستخدام السلطات الصينية للتجارة كسلاح سياسي.

وقد شجعت ثم استغلت الحكومة الصينية اعتماد الدول على اقتصادها لإجبارها على دعمها لأهداف سياستها الخارجية. وتتراوح عقوباتها الاقتصادية بين تقييد الواردات أو مقاطعة السلع بصورة غير رسمية من بلد مستهدف لوقف الصادرات الإستراتيجية (مثل المعادن الأرضية النادرة) وتشجيع الاحتجاجات المحلية ضد شركات أجنبية معينة. وتشمل الأدوات الأخرى وقف السفر السياحي ومنع الصيد. وكلها تستخدم بعناية لتجنب الاضطراب الذي قد يضر بمصالح الصين التجارية.

وأصبحت منغوليا حالة مثلا كلاسيكيا لهذا القسر الجغرافي الاقتصادي، بعد أن استضافت الدالاي لاما في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. ومع أن الصين تمثل 90٪ من الصادرات المنغولية، فقد قررت السلطات الصينية تلقين منغوليا درسا. وبعد أن فرضت رسوم عقابية على صادرات السلع، أعرب وزير الخارجية الصيني وانغ يى عن "أمله باستفادة منغوليا من هذا الدرس" وأنها "ستلتزم بوعدها بدقة" وذلك بعدم استضافة الزعيم الروحي التيبتي مرة أخرى.

وتتمثل القضية الأكثر شهرة في الأعمال التجارية الانتقامية للصين ضد النرويج، بعد منح هذا الأخير جائزة نوبل للسلام لعام 2010 للمعارض الصيني المسجون ليو شياوبو. ونتيجة لذلك، انهارت صادرات سمك السلمون النرويجي إلى الصين.

وفي عام 2010، استغلت الصين احتكارها للإنتاج العالمي من المعادن الحيوية النادرة لتوجه ضربة تجارية لليابان والغرب من خلال حظر تصدير غير معلن. وفي عام 2012، بعد اندلاع نزاع الصين مع اليابان حول السيادة على جزر سينكاكو (التي سيطرت عليها اليابان لأول مرة في عام 1895)، واستعملت الصين مرة أخرى التجارة كسلاح استراتيجي بمليارات الدولارات.

وبالمثل، في أبريل/نيسان 2012، في أعقاب حادث بالقرب من شاربورو المتنازع عليه في بحر الصين الجنوبي، أرهبت الصين الفلبين ليس فقط عن طريق إيفاد سفن المراقبة، ولكن أيضا من خلال إصدار تقرير حظر السفر لهذه البلاد وفرض قيود مفاجئة على واردات الموز (التي تسببت في إفلاس العديد من مزارعي الفلبين). ومع تركيز الاهتمام الدولي على إجراءاتها التجارية، فقد استولت الصين على هذه المياه المملوءة بأسراب من السمك.

وعلى هذه الخلفية، ينبغي النظر إلى الأعمال الانتقامية التجارية التي قامت بها الصين مؤخرا ضد كوريا الجنوبية من أجل نشر نظام "ثاد". ولم تقم الصين بشن هجوم ضد الولايات المتحدة التي نشرت هذا النظام للتصدي لتهديد كوريا الشمالية الصاروخي الصاعد والتي تمتلك القدرة على الرد. ولم تكن هذه هي المرة الأولى: ففي عام 2000، عندما رفعت كوريا الجنوبية التعريفات الجمركية على الثوم لحماية المزارعين من كثرة الواردات، ردت الصين بحظر استيراد الهواتف المحمولة والبولي إيثيلين من كوريا الجنوبية. وكان القصد من الانتقام الشامل من المنتجات ليس فقط تعزيز الصناعات المحلية، ولكن أيضا ضمان أن تفوق خسارة كوريا الجنوبية خسارة الصين.

ولا تستخدم الصين السلاح التجاري إذا كانت ستخسر الكثير، كما يتضح من مواجهات القوات الصينية الهندية الحالية على الحدود حيث يجتمع التيبت وبوتان وولاية سيكيم الهندية. ويقدر قادة الصين العلاقات التجارية غير المتوازنة مع الهند -حيث أن الصادرات أكثر بخمسة أضعاف من الواردات- كسلاح استراتيجي لتقويض قاعدة تصنيع منافسيها في حين تجني الصين أرباحا ضخمة. لذلك، وبدلا من وقف التجارة الحدودية، والتي يمكن أن تجلب الأعمال الانتقامية الاقتصادية الهندية، منعت الصين ذهاب الحجاج الهنود إلى الأماكن المقدسة في التيبت.

وحيث أن لها نفوذا تجاريا، فإن الصين لا تخجل من استغلاله لهذا الغرض. وقد كشفت دراسة عام 2010 أن البلدان التي استضافت الدالاي لاما عانت من انخفاض سريع بين 8،1 و16،9٪ في صادراتها إلى الصين، وكنتيجة لذلك، تقريبا جميع البلدان، مع استثناء واضح للهند والولايات المتحدة، اجتنبت الاتصال الرسمي مع زعيم التيبت.

والحقيقة القاسية هي أن الصين قد تتحول إلى طاغية تجارية تجتاز القواعد الدولية. وتشمل انتهاكاتها الحفاظ على الحواجز غير الجمركية لمنع المنافسة الأجنبية؛ دعم الصادرات؛ إمالة السوق المحلية لصالح الشركات الصينية؛ انتحال الملكية الفكرية؛ استخدام قوانين مكافحة الاحتكار لابتزاز الامتيازات؛ والاستحواذ على الشركات الأجنبية لجلب تكنولوجياتها للبلاد.

وتعتبر الصين الاتفاقيات الثنائية أكثر من مجرد أدوات تمكنها من تحقيق أهدافها. فمن وجهة نظر الصين، لا توجد معاهدة ملزمة بالقوة بعد أن يتم تحقيق هدفها، كما أظهر مؤخرا المسؤولون من خلال تحطيم الإعلان الصيني البريطاني المشترك لعام 1984 الذي مهد الطريق لتسليم هونج كونج في عام 1997.

ومن المفارقات أن الصين قد طورت مهاراتها التجارية بمساعدة من الولايات المتحدة، التي لعبت دورا رئيسيا في الازدهار الاقتصادي للصين من خلال تفادي العقوبات ودمجها في المؤسسات العالمية. وكان من المفترض أن يؤدي انتخاب الرئيس دونالد ترامب إلى إنهاء رحلة الصين نحو التجارة الحرة. ومع ذلك، وبعيدا عن اتخاذ أي إجراء ضد بلد اتهمه منذ فترة طويلة بالغش التجاري، يساعد ترامب الصين مرة أخرى، وذلك عن طريق سحب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادئ وتقليص النفوذ الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقد تساعد الشراكة عبر المحيط الهادئ التي يسعى رئيس الوزراء اليابانى شينزو ابي اٍلى اٍحيائها، ولكن بدون مشاركة أمريكية في كبح جماح السلوك التجاري المتواصل للصين من خلال خلق مجتمع اقتصادي يسوده قانون السوق وقائم على القواعد. ولكن إذا كان من الضروري أن تصبح الشراكة التجارية فعالة حقا لتعويض القوة التجارية التي يمارسها نظام استبدادي قوي ومركزي للغاية، فينبغي توسيعها لتشمل الهند وكوريا الجنوبية.

وقد أضحى استخدام الصين للتجارة كسلاح من دون منازع حتى الآن. وتُعد الإستراتيجية الدولية الحازمة، والتي تمثل عنصرا أساسيا من عناصر الشراكة، وسيلة لإرغام القادة الصينيين على احترام القواعد.

* براهما تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية لأبحاث السياسات في نيودلهي، ومؤلف الطاغوت الآسيوي، المياه: ساحة المعركة الجديدة في آسيا
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق