أحاول الإجابة هنا عن التساؤل الذي طالما سمعته من آباء كثر: لماذا هذا الجيل أقل احتراماً وأكثر جدلاً من جيلنا؟ لماذا هم لا يطيعوننا، وأن فعلوا فبعد أن تكون أرواحنا بلغت التراقِ؟! تتمتع العائلة بتأثير ونفوذ كبير على أبنائها ونشأتهم الاجتماعية. فالعائلة هي القناة الناقلة للثقافة الاجتماعية...

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، قلت أن كل مؤسسات الضبط الاجتماعي التقليدية تتعرض لعاصفة تكنولوجية نزعت عنها أهم مصدرين من مصادر سلطتها وهما سلطة المعلومة، وسلطة القدوة، فكيف حصل ذلك؟ أكتب اليوم عما يحصل خلف جدران كثير من بيوتنا ولا ننتبه لتأثيراته الاجتماعية. أحاول الإجابة هنا عن التساؤل الذي طالما سمعته من آباء كثر: لماذا هذا الجيل أقل احتراماً وأكثر جدلاً من جيلنا؟ لماذا هم لا يطيعوننا، وأن فعلوا فبعد أن تكون أرواحنا بلغت التراقِ؟!

تتمتع العائلة بتأثير ونفوذ كبير على أبنائها ونشأتهم الاجتماعية. فالعائلة هي القناة الناقلة للثقافة الاجتماعية، بل هي المصدر الموثوق للمعلومة بالنسبة للأبناء. يتمتع الوالدين بحكم عوامل اجتماعية ونفسية وعضوية بسلطتي المعلومة والقدوة. أن الارتباط القوي للأطفال في سني عمرهم المبكرة بالوالدين لا ينبع فقط من كونهما مصدر الامن النفسي والعضوي لهم، بل من كونهما المصدر الموثوق للمعلومة التي يحتاجها الطفل وهو يستكشف عالمه الغريب والمذهل والمليء بالأسئلة التي تدور في ذهنه عنها.

ان الأبوين هما من علمانا مثلا أن الكهرباء قاتلة دون أن نجرب الصعقة الكهربائية. وهما من أخبرانا أذا كانت الرؤى والخيالات التي نتوهم أننا نراها أو نسمعها في بيوتنا وبخاصة عند النوم حين كنا صغاراً لا وجود لها واقعياً. هما من أجابانا عن صحة وجود “السعلوة”، وهما من جعلانا نخاف من الطبيب او الشرطي.

لقد تعلمنا جميعاً من آباءنا ثقافة” أنا وأخي ضد أبن عمي وأنا وأبن عمي على الغريب”. وهما من علمانا أن واجب الرجل أن يعمل وواجب البنت ان تساعد أمها في الأعمال المنزلية. وحينما كان أحد الوالدين أو كليهما يخبراننا بقصص أدركنا فيما بعد أنها من الخيال ولا تمت للواقع بصلة، كنا نصدقها دون أي نقاش، بل ونتشاجر مع كل من يقول لنا أن ما سمعتموه غير صحيح. كان الأب والأم هما المصدر الموثوق الأول للمعلومة وبالتالي للتعلم.

لقد كانوا يؤثرون فينا بواسطة المعلومات التي نجهلها ونحتاجها للتعامل مع الحياة عموماً. أما اليوم فقد تغير هذا الحال كثيرا، وسيتغير أكثر في السنين القادمة. الكثير من الآباء باتوا يشكون اليوم من فقدان سلطتهم على أبناءهم الذين صاروا كثيري النقاش والجدل ويصعب أقناعهم. هل تساءلنا عن السبب وراء هذه الظاهرة؟

سلطة الابوين

أنها التكنولوجيا التي أثرت في سلطة الأبوين وسلبت جزء كبير منها. أشارت إحدى الدراسات التي أجريت في امريكا قبل عشر سنين تقريباً، أن ثلاثة أرباع الاطفال تحت عمر 8 سنوات لديهم أمكانية الولوج الى شبكة المعلومات عن طريق الهواتف النقالة او (التابلتات) الذكية. لقد بات الاطفال اليوم قادرين على تحدي موثوقية معلومات آبائهم بنقرة زر على الموبايل. ومهما حاول الآباء ممارسة سلطة السيطرة على المعلومة فلن يستطيعوا.

أنك لن تستطيع مثلاً أن تقول لطفلك أن مدينة الالعاب الفلانية بعيدة جدا لذا لا نستطيع الذهاب لها غدا! سيقول لك انها لا تبعد أكثر من ربع ساعة حسب رأي المعلم الأكبر (كوكل) أو العمه (أليكسا).

أنك لن تستطيع ان تكذب عليه حينما يسألك السؤال الأزلي: كيف جئت الى الدنيا فتخترع له أجابة سخيفة جميعنا سمعناها وصدقناها حينما كنا أطفال. حينما كانت لعبة لنا أو دراجتنا الهوائية تعطل كنا نبكي ونذهب لآبائنا كي يصلحوها لنا.

أنهم هم من علمونا كيف نصنع الطائرة الورقية ونحلق بها مع أحلامنا، وهم من كانوا يساعدوننا في حل واجباتنا المنزلية. أبانا كان يضبط لنا هوائي التلفزيون حين ينقطع البث، وهو من كان يعرف كيفية استخدام الموجة القصيرة على راديو الترانزستور.

حينما كانوا يفعلون ذلك كنا ننظر لهم على أنهم سحرة يفعلون المعجزات، ونستعجل اليوم الذي نصير مثلهم. أما اليوم فبتنا نحن نلجأ لأبنائنا كي يصلحوا لنا هواتفنا حينما تتوقف عن العمل بسبب سوء استخدامنا، وعندما يفعلون ذلك نلمح عليهم بوضوح نظرة الاستهزاء بنا وبعقولنا، وكأنهم يقولون لنا: أي أبٍ أو أي أمٍ هذه التي لا تعرف كيف تعيد ضبط هاتفها؟! وباتت البنت قادرة أن تتحدى أمها بطبخ أكلات ربما لم تسمع بها الام لكن السيد(يوتيوب) يعرفها! لاحظوا كم مرة في اليوم بتّم تطلبون المساعدة من أبناءكم لحل مشاكل تتعلق باستخدام التكنولوجيا التي غزت حياتنا في كل مفاصلها وليس الاتصالات فحسب. أني أكاد أسمع التساؤل المكتوم لتلك البنت أو ذلك الولد وهما يرددان في نفسيهما: يريدون منا ان نطيعهم أو نصدقهم وهم خارج نطاق العصر!!

من جانب آخر فلطالما حاولنا تقليد آبائنا أو أمهاتنا في لبسهم وشكلهم وتصرفاتهم لأنهم كانوا القدوة السلوكية لنا. أما اليوم فقد باتت الممثلة أو المغنية الفلانية أو الممثل والمغني الفلاني، أو اللاعب الفلاني، أو أحد “البلوكر” blogger المؤثرين على “تك توك” او ”الانستغرام” أو سواهما هم القدوة لابناءنا حتى باتوا يعرفون عنهم أكثر بكثير مما يعرفون عنا. أن سلطة القدوة قد تلاشت أيضاً في عصر التكنولوجيا هذا، فما الذي تبقى لدى الأبوين كي يؤثروا فيه في أبناءهم. وهل ستستطيع نقل ال”كودات” الاجتماعية التي نقلها لنا آبائنا، أم يتولون هم فك شفرتها بطريقته الخاصة؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق