بعد أن أصدرت الخارجية الأميركية تقريراً حول الحريات الدينية، وأقرت فيه بحملات إبادة منظمة تُمارس ضد الشيعة والمسيحيين والأيزيديين في العراق، صار الحديث عن إمكانية تدويل مظلومية الشيعة أمراً ليس بتلك الصعوبة التي يمكن أن يتصورها البعض كما كانت النظرة السائدة حول هذا الموضوع سابقاً.

لابد من تحركات جادة وسعي دؤوب وضغط قوي من المنظمات المجتمعية والمؤسسات التي تعنى بقضايا حقوق الإنسان والحريات الدينية وحرية المعتقد وغيرها، من أجل تدويل هذه المظلومية التي لم تعد قضية إخفائها عن العالم أمراً ذا فائدة مع التطور الهائل على مستوى نقل المعلومة، فضلاً عن الوعي بالجرائم التي ترتكب بغطاء تكفيري متطرف.

وحتماً ستكون هناك فوائد من مسألة تدويل القضية الشيعية، أهمها أن التزاماً قانونياً وأخلاقياً يفرض إدانة كل الممارسات التي تضرر الشيعة منها، وعندما تحصل الإدانات الدولية فإن هذا يعني أن كل من يتعرض للشيعة بفتوى تكفير، أو من يجوز قتلهم سيكون عرضة للملاحقة القانونية، ويمكن رفع دعوى قضائية ضده حتى لو كان إماماً وخطيباً للحرم المكي الذي يدعو لحرب شاملة تبيد (الشيعة الروافض) من الوجود.

ولعل السعي الحثيث والجهود المبذولة والمتظافرة من أجل تدويل مظلومية الشيعة يجعل من معاداة تكفيرهم وإبادتهم يساوي معاداة (السامية) وغيرها من الممارسات التي جرت على البشرية الويلات والكوارث المتلاحقة.

شيعة البحرين والسعودية والكويت

ومثلما أن لشيعة العراق معاناتهم المستمرة طوال الحقب الزمنية، فإن للشيعة في منطقة الخليج ذات المعاناة؛ لذلك فالمطالبة بتدويل المظلومية الشيعية يمكن لها أن تمتد لتشمل معاناة الشيعة في البحرين والسعودية خصوصاً بعد تقارير تؤكد أن تعامل الحكام في هذين البلدين يميل للمزاج المذهبي الخالص، وقد لعبت العقلية السنية/ السلفية دوراً في تدعيم هذا المزاج بعد المفاجأة غير المحمودة وغير المتوقعة لهم بعد انهيار نظام صدام حسين (السنّي) وصعود الشيعة لسدة الحكم في العراق الذي شهد أكثر أحداث إبادة الشيعة وأئمتهم.

والتشيع في البحرين والسعودية سبق إقامة هذه الدول بعد أن استوطن الشيعة هذه البلدان فراراً من ممارسات القمع والبطش التي مورست بحقهم من قبل الدولتين الأموية والعباسية.

في السعودية، عانى الشيعة من نمط الإقصاء والتهميش منذ أن استولى آل سعود على الحكم عام 1913، فكان الإضطهاد الوهابي قد وصل لأعلى مستوياته ما أدى إلى انتفاضات شيعية تحدثنا بها المراحل الزمنية المتعاقبة، حيث تم تأسيس (حركة الإصلاح الشيعية) والتي أُعيدت تسميتها فصارت (منظمة الثورة الإسلامية) من قبل الشيخ حسن الصفار، وكانت للتحولات التي أحدثتها الثورة الإيرانية دور دور في هذه التوجهات، ثم خفت بعد ذلك وتيرة الاحتجاجات الشيعية في السعودية.

غير أن أحداث ما بعد 2003 في العراق، فرضت واقعاً جديداً انتبهت له الأنظمة الحاكمة في بلدان الخليج التي يتواجد الشيعة على أرضها، وقد قسّم (شحاتة محمد ناصر) في كتابة الموسوم (سياسات النظم الحاكمة في البحرين والكويت والعربية السعودية في التعامل مع المطالب الشيعية) والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت عام 2011، سياسة أنظمة الحكم الخليجية مع مطالب الشيعة بعد تحولات ما بعد عام 2003 إلى أنماط اختلفت عن تلك التي سادت قبل هذا التأريخ، فكانت على ثلاثة أنماط:

1- نمط المشاركة المقيدة: يعتقد أن هذا النمط تمثله البحرين وأنه ينطوي على جانبين، أحدهما أسماه بـ (التجاوب النسبي) الذي رافقته بعض الإجراءات التي عدها المؤلف انفتاحية، أما الجانب الثاني تمثل في تدابير تمنع الأكثرية الشيعية من السيطرة على المشهد السياسي وأسماه بـ (جانب الإحتواء والتكبيل).

2- نمط المشاركة في ظل توترات طائفية: وهو نمط تمثله الكويت بحسب المؤلف الذي يرى ثمة إجراءات إيجابية أقدمت عليها الحكومة بعد عام 2003 لكن تصاعد وتيرة المطالب الشيعية - كما يرى - وانفتاح السلطة عليهم أدى تحفظ سلفي/ سُنّي أدى الى احتقان طائفي بسبب هذه المطالب.

3- نمط الانفتاح الحذر: مثلت السعودية هذا النمط، فقد قامت بخطوات يصفها المؤلف بالانفتاحية الحذرة قياساً بموقف التيار الوهابي المتشدد، كما ويعتقد المؤلف أن التوترات السياسية مع إيران عرّضت مسار الانفتاح على الشيعة للإنتكاس.

كما أنه يطرح حلولاً تتعلق بالتعايش السلمي وتضمنه في هذه البلدان، وهي عبارة عن خطوات تتخذ من قبل السلطة من جهة ومن قبل الشيعة من جهة أخرى.

فعلى مستوى السلطة، يطالب بتعزيز مبدأ المواطنة وعدم استغلال التعددية المذهبية لتحقيق مكاسب خاصة، والكف عن التشكيك المستمر في وطنية الشيعة والتفريق بين الولاء للوطن والولاء للنظام الحاكم، وأن يكون للسلطة فصل بين الصراع السياسي مع إيران والتعامل مع الشيعة في الداخل.

أما على المستوى الشيعي، يرى أن يكون التحرك الخاص بالمطالب ضمن إطار وطني يلتزم بنهج سلمي، وعدم استدعاء طرف خارجي بهدف ممارسة الضغط على السلطة.

لو ناقشنا هذه الحلول المقترحة؛ نجد أن بعضها كانت منطقية، كما في تعزيز مبدأ المواطنة والكف عن التشكيك بمواطنة الشيعة واتهامهم بعدم الولاء لأوطانهم، لكننا نتوقف عند مطالبته الشيعة التزام التحرك ضمن الإطار الوطني، فمثلاً هل طالبوا في البحرين أو في المنطقة الشرقية للسعودية أن يكون الحكم غير وطني؟، وهل كانت احتجاجاتهم عنيفة حتى يشترط سلميتها؟، وإذا كانت الديمقراطية بسياقاتها الحالية تعني حكم الأغلبية، ما لذي يجعل الأقلية في البحرين هي الحاكمة؟.

في السنوات الأخيرة كان المزاج المذهبي السلفي مشتعلاً، وزاد في صب الزيت المذهبي عليه بعد هزيمة (داعش) في العراق، ذلك التنظيم الذي كان يمثل للجماعات السلفية والأنظمة التي خرجت من عباءتها حلم استعادة المجد (السنّي) في العراق، وما أن أحست بأن حلمها أصبح مجرد سراب، قامت بإجراءات انتقامية كرد فعل على خيبة أملها وحلمها المهدور على الأرض التي راهنت على اشتعالها مذهبياً، فمثلاً أقدمت السلطات السعودية على تصفية المعارض السعودي الشيخ نمر النمر دون أن تلتفت الى كثير المطالبات من المنظمات الحقوقية والإنسانية بضرورة إطلاق سراحه ؛ للحفاظ على مبدأ حرية التعبير والرأي السلمي، كما أقدمت السلطات البحرينية ولأكثر من مرة على اعتقال معارضين شيعة، بل وسحبت الجنسية البحرينية منهم كما حدث مع الشيخ عيسى قاسم.

شيعة مصر وأفريقيا

وبعيداً عن شيعة الخليج، ثمة معاناة أخرى لا تقل أهمية من ناحية رصدها والتوقف عندها، والمكان هذه المرة القارة السمراء، وهو ما يمكن أن ندعم به مطالبات تدويل القضية الشيعية ومظلوميتها الممنهجة. فقد نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية تقريراً عن أوضاع شيعة مصر، قالت فيه إن وضع الشيعة في مصر على عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، كان أفضل بكثير قياساً بمعاناتهم المريرة خلال السنة التي حكم فيها الإخوان المسلمون مصر.

إذ أعلنوا أن لامكان للشيعة في مصر، كما أن الرئيس الإخواني محمد مرسي كان قد وصف الشيعة بـ (القذارة) وأنهم يجب قتلهم، وبعد هذا الخطاب بأسبوع، أقدمت مجموعة متطرفة من السلفيين المتشددين على قتل رجل الدين الشيعي المصري حسن شحاتة وأربعة من رفاقه بطريقة وحشية بشعة أمام أنظار رجال الشرطة الذين اكتفوا بالتفرج على الحادثة.

يضاف لهذه الممارسات بعض الإجراءات الخاصة بالتضييق على الشيعة المصريين ومنعهم من أداء طقوسهم وشعائرهم الدينية.

وإلى الغرب من القارة الأفريقية، ارتكبت السلطات النيجيرية مجزرة بشعة بحق الشيعة النيجيريين نهاية العام 2015، حيث بلغ عدد ضحايا المجزرة بحسب وكالة الصحافة الفرنسية 600 ضحية، وأكثر من 700 هم في عداد المفقودين.

كما قامت السلطات باعتقال زعيم الشيعة في نيجيريا الشيخ ابراهيم الزكزكي ودمرت منزله.

إن كل هذه الشواهد والأحداث تدل على عمل ممنهج لإبادة الشيعة في كل أرجاء العالم من الوجود البشري، يُنفذ بأجندة سلفية وهابية متطرفة ينبغي التصدي لها و استغلال تقرير الخارجية الأمريكية الخاص بالحريات الدينية ؛ من أجل تدويل القضية الشيعية، وهو الأمر الذي صار ملحاً وضرورياً لايجب غض الطرف عنه.

اضف تعليق


التعليقات

محمد الناصري
العراق
اتفق معك أخي الكريم ويجب أن يكون التحرك جديا من أجل إظهار هذه المظلومية2016-08-16