لقد كانت محاولة الانقلاب الفاشلة التي اعلن عنها منتصف الشهر الماضي في تركيا تعبيرا واضحا عن رغبة الولايات المتحدة لتذكير حلفائها بأنها لا تتوانى عن اتخاذ الموقف الذي يبقيها قائدا للتحالف العسكري والغربي الذي يحافظ على مصالحها في المنطقة والعالم الى أمد غير معلوم. فوفقا للصحيفة التركية Yeni Safak ان الانقلاب الفاشل قد أعد من قبل القصر الأبيض بعد تردي العلاقات بين الرئيس أدوغان وادارة الرئيس أوباما.

ففي الفترة الأخيرة تصاعدت الانتقادات في الصحافة الغربية والأمريكية خاصة ضد اردوغان بنفس الوقت الذي شكلت واشنطن ضغوطا على المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل وبعض قادة الاتحاد الاوربي لمنع تركيا من الانضمام اليه برغم الوعود التي قطعت من قبلهم خلال العقود الثلاثة الماضية لقبولها عضوا فيه. وكان السفير الأمريكي السابق في أنقرة قد طلب من أردوغان شخصيا التنحي عن السلطة حالا وفقا لما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست الامريكية مما دفع بالعلاقات بين واشنطن وأنقرة الى مزيد من الاحتقان. وقد بلغ التردي أسوء درجاته في شهر أبريلنيسان الماضي عندما هددت أنقرا بنتيجته بمنع العسكريين الأمريكيين من استخدام قاعدة أنجيرليك العسكرية التركية.

ويعزى فشل محاولة الانقلاب العسكري الى الارباك الذي نتج عن السرعة في الاعداد له فواشنطن أصيبت بالصدمة من محاولة تركيا لتحسين العلاقات بينها وبين روسيا على حسابها هي فأرادت التخلص من أردوغان باجباره على التنحي قبل أن يباشر بتنفيذ خطة التعاون مع روسيا. التعاون المقترح بين أنقرة وموسكو قد جاء بمبادرة من أردوغان بعد الضرر الذي تعرضت له علاقات البلدين بعد حادثة اسقاط الطائرة العسكرية الروسية من قبل القوات الجوية التركية وقتل أحد طياريها فوق الأراضي السورية تحت ذريعة دخولها المجال الجوي التركي والذي على أثره جمدت روسيا العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين.

فالأنباء المسربة عن التوجه التركي لبناء علاقات ايجابية مع روسيا اعتبر في واشنطن خطرا جديا يهدد الهيمنة الامريكية في الشرق الأوسط وهو أمر لا يمكن أن تسمح به واشنطن بصرف النظر عمن يتربع على رئاسة القصر الأبيض. وسيشمل التعاون استئناف العمل ببناء انبوب نقل الغاز من روسيا عبر تركيا الى سوق أوربا وانهاء المقاطعة الاقتصادية والسياحية التي باشرتها روسيا ضد انقرا بعد حادث اسقاط الطائرة العسكرية الروسية.

لقد خصصت الولايات المتحدة مبلغا مقداره (2) بليوني دولار للإعداد للانقلاب الذي جرى تخطيطه بإشراف الجنرال الأمريكي John F Campal القائد السابق لهيئة الاستخبارات الأمنية العالمية (ISAF) التي مقرها بأفغانستان. وكان هذا قد أوعز لقادة عسكريين في الجيش التركي يعمل بعضهم في قاعدة أنجيرليك التركية من الموالين لرجل الدين التركي اللاجئ في ولاية بنسلفانيا الأمريكية فتح الله جولين وان مبلغ المليوني دولار المخصص لتنظيم الانقلاب قد استخدم لمكافئة ضباط الجيش التركي الذين سيساهمون في الانقلاب.

ويذكر ان هنري بركي وكيل السي آي أيه الذي أشرف على تنفيذ عملية الانقلاب من داخل تركيا ويحتل حاليا منصب مدير البرنامج الأمريكي Woodrow Wilson International قد أقام في فندق lle de Paris في استنبول ومنه كان يمارس نشاطاته التحضيرية للانقلاب. ولكونه كان واثقا من نجاح الانقلاب فقد طلب من ادارة الفندق ان تستعد لعقد مؤتمر صحفي في بهو الفندق ليلة 1516 تموزيوليو الماضي بحضور وسائل الاعلام الأمريكية الثلاثة سي أن أن، ان بي سي واذاعة صوت أمريكا.

محاولة الانقلاب ضد الرئيس التركي أردوغان لم تكن المحاولة الأمريكية الأولى ولا الأخيرة التي تتخلى فيها الادارة الأمريكية عن حلفائها برغم ما قدموه ويقدمونه لها من خدمات لتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية. فهذا المبدأ في السياسة الخارجية للدول الامبريالية واضح تمام الوضوح لقادة الدول من الرواد الحقيقيين لحرية واستقلال دولهم ولا يجهله أيضا الساسة الآخرون الموالون والسائرون في ركاب سياساتها انما هؤلاء يجهلون قيمة الحرية واستقلال الوطن لذا فهم لا يتحرجون من المساومة على سيادة بلدانهم.

الرئيس التركي ربما لم يكن أسوء السيئين من قادة الدول الذين سلموا مقادير أوطانهم للدول الامبريالية لتكون قواعد وجسورا للعدوان على الدول الوطنية المستقلة وتهديد الأمن والاستقرار الاقليمي والعالمي. فتركيا عضو مهم في حلف الناتو منذ عام 1952 وقد شاركت بكل نشاط في الحرب الأمريكية العدوانية ضد كوريا الشمالية 1950 – 1953. وتعتبر قاعدة أنجيرليك في تركيا أهم قاعدة لحلف الناتو في منطقة الشرق الأوسط علما ان تركيا واحدة من خمسة دول هي (هولندا، بلجيكا، ايطاليا والمانيا) الذين يحتفظون لحلف الناتو على أراضيهم بقنابل نووية تاكتيكية (61 ب). فتركيا وحدها تحتفظ بين 70 – 90 قنبلة تاكتيكية في قاعدة أنجيرليك العسكرية.

الولايات المتحدة يمكن أن تتخلى عن أردوغان أو غيره لكنها لن تتخلى عن تركيا بسبب موقعها الجيوستراتيجي المهم ودورها في التحالف الغربي (الناتو) والمحاولة الفاشلة الأخيرة هي دليل على الرغبة الأمريكية للمجيء بشخصية أخرى أكثر استعدادا لخدمة مصالحها في المنطقة والعالم. ولا علم لنا بالخطوة أو الخطوات الأخرى التالية التي ستتخذها الاجهزة الاستخباراتية الأمريكية بعد فشل محاولتها الانقلابية ضد أردوغان فهي بالتأكيد تعيد حساباتها جيدا قبل الاقدام على محاولتها التالية للإطاحة به أو اغتياله. الولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح لتركيا بالذهاب بعيدا في خطتها للتعاون مع روسيا فمثل هذا الاحتمال غير مسموح به حتى لو تطلب الأمر احتلال العاصمة التركية. فالإدارة الأمريكية الحالية باشرت بالفعل حربا باردة ثانية ويبدو أنها مقتنعة بأن تركيا بزعيمها الحالي غير مستعدة للعب الدور الذي تريده لها لتنفيذ سياساتها العالمية الجديدة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق