ترشيح اليابان للانضمام إلى شبكة المخابرات العالمية خيارٌ استراتيجي ياباني ينبع من مركزية حماية أمنها القومي أولًا، واحتواء التهديدات الإقليمية من قبل الصين وكوريا الشمالية، إضافة إلى تعزيز نفوذها الدبلوماسي والعالمي ثانيًا. إذ تهدف اليابان من خلال هذا الانضمام إلى تحقيق الردع الأمني الاستباقي للخصوم، من خلال تبادل المعلومات...

في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التهديدات والأزمات الجيوسياسية والأمنية، تتسابق الدول، ولا سيما الكبرى منها، في تعزيز منظوماتها الاستخباراتية، وسد ثغراتها من أجل تحقيق الردع الأمني الاستباقي، وكبح أهداف الخصوم المهددين لأمنها القومي، وتقليل منشأ تلك التهديدات من الدولة الأصل.

وفي هذا السياق تبرز شبكة المخابرات العالمية (The Five Eyes)، أو ما يُعرف بـ"العيون الخمس"، التي تأسست خلال الحرب العالمية الثانية، وفق الاتفاقية الأميركية-البريطانية (UKUSA) المتعددة الأطراف، والتي تضم خمس دول هي: الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، كندا، نيوزيلندا، وأستراليا. وتُعرف بـ"الأنجلو سفير"، وتعني مجموعة من الدول الناطقة باللغة الإنكليزية، ويربطها إرث ثقافي ونظم وقوانين متشابهة.

أمام اليابان خيارٌ أمنيٌّ استراتيجي، في ظل التهديدات الأمنية الإقليمية التي تشهدها اليابان، ولا سيما من قبل الصين في بحر الصين الجنوبي والشرقي، ومن قبل كوريا الشمالية من خلال التجارب الصاروخية والمناورات العسكرية التي تجريها، إضافة إلى التهديدات الروسية في الشرق. ونتيجة لذلك بدأت اليابان في هيكلة منظومتها الأمنية والاستخباراتية وتعزيز أجهزة تحليل وجمع البيانات، ورغبتها الضرورية في التقارب مع الغرب في هذا المجال عن طريق بلورة أجهزتها الأمنية تمهيدًا لترشيحها للانضمام إلى "شبكة المخابرات العالمية".

إذ قدمت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي مشروع قانون في 13 آذار 2026، بعد موافقة الحكومة اليابانية، يتضمن إنشاء مجلس الاستخبارات الوطني إلى البرلمان الياباني. وفي 27 أيار 2026 نجحت في تمرير القانون ونيل الموافقة النهائية من البرلمان، مجلس المستشارين، ليصبح نافذًا. ويستهدف مجلس الاستخبارات الياباني إنشاء قيادة مركزية موحدة عن طريق توحيد جميع أجهزة الاستخبارات المجزأة، إذ يعتمد في جمع المعلومات على الأجهزة المحلية، ولا سيما وزارة الدفاع وباقي الأجهزة الأخرى، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بمجلس الأمن القومي الذي تترأسه وتشرف عليه رئيسة اليابان ساناي تاكايتشي. ويكمن خلف هذا التحول الأمني في اليابان عدد من الدوافع الرئيسة، تستهدف تحقيق الآتي:

أولًا/ مواجهة التحديات الجيوسياسية والأمنية:

تشهد البيئة الإقليمية لليابان عددًا من التوترات والتهديدات الأمنية والسياسية الحساسة، وتتجسد في الآتي:

1- التهديد الصيني: يشكل الخطر الأمني للصين في بحر الصين الجنوبي والشرقي، الذي يشمل التمدد والمناورات العسكرية، تحديًا كبيرًا لليابان، ولا سيما في مجال حماية معلوماتها الحساسة وأمنها القومي، إضافة إلى تهديدات اليابان المستمرة للصين بالتدخل العسكري في حال ضمت الصين جزيرة تايوان لها. لذا ترى اليابان في الاندماج مع الغرب عبر العيون الخمس عاملًا استراتيجيًا مهمًا في مجال جمع المعلومات وتبادلها وتقييم المخاطر.

2- التهديد الكوري الشمالي: تخشى اليابان من مناورات وتجارب كوريا الشمالية الصاروخية المتكررة، إذ تعمل الأخيرة على تطوير نماذج جديدة من أنظمة الإطلاق متوسطة وبعيدة المدى، تتجاوز النطاق الجغرافي الإقليمي لليابان، وهذا ما تعدّه اليابان تهديدًا وخطرًا وشيكًا لأمنها الوطني، إضافة إلى خطر التمدد الروسي في الشرق. إذ يأتي انضمامها إلى العيون الخمس ماسًّا في تعزيز قدراتها على الإنذار المبكر والتصدي للتهديدات الإقليمية المتزايدة.

ثانيًا/ مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية

تتجسد مواجهة التحديات والتهديدات الاقتصادية لليابان في تحقيق الآتي:

1- حماية سلاسل التوريد: تعمل اليابان على تنويع مصادر التوريد وتوطين الصناعات الحساسة، وبناء تحالفات دولية موثوقة، لحماية سلاسل التوريد الخاصة بها من الصدمات الجيوسياسية والأزمات العالمية.

2- حماية البنية التكنولوجية: تهدف اليابان إلى حماية التقنيات الحساسة ذات الاستخدام المزدوج ومنع تسريبها، إضافة إلى تعزيز أجهزة الأمن السيبراني من أجل حماية البنية التحتية لأمنها القومي.

ثالثًا/ تحقيق عقيدة الأمن الاستباقي

تهدف اليابان، من خلال إنشاء مجلس الاستخبارات الوطني، إلى هيكلة أجهزتها الأمنية تحت قيادة مركزية واحدة، تُناط بمهمة جمع وتحليل البيانات، وتقييم التهديدات الإقليمية من خلال تعزيز الاتصال الاستخباراتي مع الشبكة العالمية "العيون الخمس"، ولا سيما التي تتعلق بحماية تايوان واحتواء التهديدات الصينية والكورية الشمالية، تمهيدًا لتحقيق الردع الأمني الاستباقي.

رابعًا/ تعزيز النفوذ الدبلوماسي والعالمي

تسعى اليابان، من خلال انضمامها إلى العيون الخمس، إلى تحويل كتلتها وقوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى وزن جيوسياسي فاعل ومؤثر في القرارات الدولية والإقليمية، إذ تهدف إلى التحول إلى قوة عالمية في مجال قدراتها التكنولوجية والاقتصادية، والتأثير دبلوماسيًا في عدد من القضايا الدولية.

في الختام يتضح أن ترشيح اليابان للانضمام إلى شبكة المخابرات العالمية خيارٌ استراتيجي ياباني ينبع من مركزية حماية أمنها القومي أولًا، واحتواء التهديدات الإقليمية من قبل الصين وكوريا الشمالية، إضافة إلى تعزيز نفوذها الدبلوماسي والعالمي ثانيًا. إذ تهدف اليابان من خلال هذا الانضمام إلى تحقيق الردع الأمني الاستباقي للخصوم، من خلال تبادل المعلومات، وتعزيز قدراتها على الإنذار المبكر، وحماية تقنياتها الحساسة ذات الاستخدام المزدوج، فضلًا عن حماية سلاسل التوريد وتقليل اعتمادها على الصين في استيرادها. ويعد هذا، في حال انضمامها، تطورًا وتحولًا كبيرًا من قبل الغرب في مجال الاحتواء الاستراتيجي لتهديدات الخصوم وقدراتهم العسكرية، ومن الممكن أن نشهد تسمية (5+1) بدلًا من العيون الخمس.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 - 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق