السؤال الحضاري ليس: كم من الأموال نستطيع أن نجلب إلى العراق؟ وإنما: ماذا ستفعل هذه الأموال بالمركب الحضاري العراقي؟... فالاستثمار الجيد حضاريًا هو الاستثمار الذي يعظم القيمة المتولدة من الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، ويقلل هدر الموارد والوقت والطاقات البشرية، ليترك بعد عشر أو عشرين سنة قدرة عراقية أكبر من القدرة التي كانت موجودة عند وصوله...
أطلق رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، خلال وجوده في نيويورك، دعوة إلى الشركات والمستثمرين للاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في العراق، مشيرًا إلى ما يمتلكه البلد من موارد طبيعية وسوق وموقع جغرافي وفرص واسعة في عدد من القطاعات. كما دعا الشركات الأميركية إلى الاستثمار والمشاركة في مؤتمر بغداد للطاقة. وهذه الدعوة ليست منفصلة عن توجه اقتصادي ظهر في تحركات الحكومة الأخيرة نحو توسيع العلاقات الاستثمارية والاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وقد أعلنت رئيسة لجنة التنمية الاقتصادية والاستثمار في مجلس محافظة البصرة، أطياف التميمي، تأييدها لهذه الدعوة، معتبرة أن العراق، والبصرة بوجه خاص، يمتلكان من الموقع والموارد والسوق ما يؤهلهما لاستقطاب الاستثمارات الكبرى. وهذا الموقف ينسجم أيضًا مع تحركات سابقة للتميمي لمناقشة معوقات الاستثمار مع الهيئة الوطنية للاستثمار، والعمل مع هيئة استثمار البصرة على تبسيط الإجراءات ودعم المشاريع.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، يمكن النظر بإيجابية إلى أصل هذا الاتجاه، لكن تقييمه لا ينبغي أن يتوقف عند الدعوة إلى جلب رأس المال. فالسؤال الحضاري ليس: كم من الأموال نستطيع أن نجلب إلى العراق؟ وإنما: ماذا ستفعل هذه الأموال بالمركب الحضاري العراقي؟
العراق يمتلك بالفعل ثروات طبيعية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وسوقًا واسعة، وكتلة بشرية قادرة على العمل والإنتاج. ولكن هذه كلها تمثل إمكانات حضارية، والإمكان الحضاري لا يتحول تلقائيًا إلى قدرة حضارية. وبين الإمكان والقدرة توجد المؤسسة والعلم والعمل والإدارة والقانون والزمن والمراكمة.
وهنا ينبغي تطوير دعوة الزيدي خطوة أخرى. فالعراق لا يحتاج إلى الاستثمار من أجل الاستثمار، وإنما يحتاج إلى الاستثمار المنتج للقدرة. والمستثمر الأجنبي الذي يأتي برأس المال والتكنولوجيا والخبرة يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في إعادة بناء الاقتصاد العراقي، شريطة أن تتحول استثماراته إلى جزء من دورة إنتاج عراقية تتراكم نتائجها داخل المجتمع والدولة.
وبهذا المعنى لا تتساوى الاستثمارات حضاريًا. فهناك فارق كبير بين مشروع يستثمر موردًا عراقيًا ويحقق أرباحًا ثم يغادر، وبين مشروع ينشئ صناعة، وينقل معرفة، ويدرّب عمالًا ومهندسين عراقيين، ويستخدم شركات محلية، ويوسع سلسلة القيمة، ويفتح أسواقًا جديدة، ويترك بعد عشر أو عشرين سنة قدرة عراقية أكبر من القدرة التي كانت موجودة عند وصوله.
وهذا يعيدنا إلى القانون العام في الفلسفة الحضارية: تعظيم القيمة وتقليل الهدر. فالاستثمار الجيد حضاريًا هو الاستثمار الذي يعظم القيمة المتولدة من الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، ويقلل هدر الموارد والوقت والطاقات البشرية. أما مجرد الإعلان عن مليارات الدولارات أو عدد الإجازات الاستثمارية فلا يكفي مقياسًا للنجاح.
والبصرة بالذات تصلح لأن تكون نموذجًا لهذا التحول. فهي ليست مجرد محافظة نفطية؛ إنها تمتلك موقعًا بحريًا وموانئ وموارد وطاقة وسوقًا وامتدادًا جغرافيًا يتيح لها أن تصبح عقدة اقتصادية ولوجستية وصناعية كبرى. ولكن هذه المزايا لا تحقق قيمتها بنفسها. ولهذا فإن تأييد أطياف التميمي لدعوة رئيس الوزراء يكتسب معناه الحقيقي حين يقترن بالعمل المؤسسي لإزالة معوقات الاستثمار، وفي الوقت نفسه حماية حقوق الدولة والمواطن. ومن اللافت في هذا السياق أن التميمي نفسها شددت أخيرًا على أن حماية المال العام لا تتعارض مع دعم الاستثمار، وطالبت بالتحقق من التزام المشاريع السكنية بحقوق الجهات الحكومية المالكة للأراضي. وهذه نقطة مهمة لأن الاستثمار الحضاري لا يعني تقديم الامتيازات للمستثمر بلا ضوابط، وإنما بناء علاقة تحفظ حقوق الدولة والمجتمع والمستثمر معًا.
غير أن هناك جانبًا آخر ينبغي عدم إغفاله. فالمستثمر لا يأتي لأن المسؤول العراقي دعاه فقط، ولا لأن العراق يمتلك النفط والسوق والموقع. رأس المال يبحث أيضًا عن الدولة والمؤسسة: عن استقرار التشريعات، ووضوح الإجراءات، وسرعة إنجاز المعاملات، ونزاهة الإدارة، وإمكان تنفيذ العقود، وحماية الملكية، وكفاءة القضاء، واستقرار النظام المصرفي، وتوافر الكهرباء والبنية التحتية.
ومن هنا تصبح مكافحة الفساد وإصلاح الإدارة وبناء سيادة القانون جزءًا من السياسة الاستثمارية نفسها، وليست ملفات منفصلة عنها. وقد ربطت نقاشات عراقية حديثة حول خطاب الزيدي بين مكافحة الفساد وحماية المال العام من جهة، وتعزيز ثقة المستثمرين بالبيئة الاقتصادية العراقية من جهة أخرى.
ولهذا يمكن القول إن دعوة الزيدي تمثل اتجاهًا اقتصاديًا ينبغي اختباره بنتائجه وشروط تنفيذه، وإن موقف أطياف التميمي الداعم لها يمكن أن يتحول في البصرة من موقف سياسي مؤيد إلى برنامج مؤسسي عملي.
المطلوب ليس فقط أن نقول للعالم: تعالوا واستثمروا في العراق، وإنما أن نبني عراقًا يجعل المستثمر الجاد قادرًا على الاستثمار والإنتاج والاستمرار، ويحمي في الوقت نفسه المصلحة الوطنية.
وعندئذ تتغير طريقة قياس النجاح. فلا يكون السؤال بعد خمس سنوات: كم مليار دولار دخل العراق؟ وإنما: كم مصنعًا نشأ؟ كم وظيفة منتجة استحدثت؟ كم مهارة عراقية تكونت؟ كم معرفة وتكنولوجيا انتقلت؟ كم شركة عراقية دخلت سلاسل الإنتاج؟ وكم انخفض اعتماد الاقتصاد على النفط؟ وكم قدرة جديدة أضيفت إلى المجتمع العراقي؟
هذه هي النقلة التي تقترحها الفلسفة الحضارية: من استقطاب رأس المال إلى استثمار رأس المال في بناء القدرة الحضارية.
فالثروة تمنح العراق فرصة، والاستثمار يستطيع تحريك هذه الفرصة، لكن المؤسسة والمراكمة هما اللتان تحولانها إلى قدرة. والقدرة، في نهاية المطاف، ليست غاية بذاتها، وإنما وسيلة لبلوغ الغاية الكبرى: الحياة الطيبة للإنسان.



اضف تعليق