إن خطورة الفساد البنيوي تتجاوز سرقة المال العام إلى هدر المركب الحضاري بكامله؛ إذ يقدم الولاء على الكفاءة، ويُعطل الطاقة البشرية والمعرفة. والتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التخلص من الفاسدين، بل في إزالة الشروط المؤسسية المنتجة لهم، لبناء دولة لا يحتاج نظامها السياسي إلى الفساد ليستمر...
ليس أخطر ما في الفساد أن يكون في الدولة عدد كبير من الفاسدين، وإنما أن يتحول الفساد من سلوك منحرف عن النظام إلى جزء من طريقة عمل النظام نفسه. عند هذه النقطة نكون قد انتقلنا من فساد الأشخاص إلى الفساد البنيوي.
وهذا التمييز ضروري لفهم المشكلة العراقية. فقد توجد في أية دولة حالات كثيرة من الرشوة والاختلاس واستغلال المنصب، ومع ذلك يبقى النظام المؤسسي في جوهره قائمًا على القانون والكفاءة والمساءلة، ويكون الفاسد شخصًا خرج على قواعد النظام. أما الفساد البنيوي فيظهر عندما تتداخل شبكات المصالح والولاءات والحماية مع آليات توزيع السلطة والثروة والمناصب والعقود والموارد العامة، بحيث لا يعود الفساد مجرد مخالفة تقع داخل النظام، وإنما يصبح إحدى الآليات التي تعمل من خلالها أجزاء من النظام الفعلي.
وهذا الاحتمال في الحالة العراقية ليس مجرد افتراض نظري. فقد وصف البنك الدولي السياسة العراقية بأنها قائمة بدرجة كبيرة على الريع وتقاسم السلطة، وربط ذلك بالاستحواذ النخبوي والزبائنية والمحسوبية وتعطيل فاعلية الدولة. كما تناولت دراسات متخصصة في العراق ما سمته «الفساد المحمي سياسيًا»، مشيرة إلى ارتباط مواقع إدارية عليا وشبكات العقود والموارد بنفوذ القوى السياسية. في انتخابات 2025 بقيت شبكات الرعاية والوظائف والموارد العامة حاضرة في تحليل كيفية تعبئة الناخبين وتوزيع النفوذ السياسي. الفلسفة الحضارية تنظر إلى المسألة من زاوية أوسع. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال العام، لأن المال ليس إلا واحدًا من الموارد التي يمتلكها المجتمع. الفساد البنيوي يضرب المركب الحضاري كله.
إنه يهدر الإنسان عندما يقدم الولاء على الكفاءة، ويهدر الأرض والثروة عندما تتحول الموارد العامة إلى موضوع للاقتسام والاستحواذ، ويهدر الزمن عندما تتعطل المشاريع وتتكرر المشكلات نفسها جيلاً بعد جيل، ويهدر العلم عندما تنفصل القرارات عن المعرفة والخبرة، ويهدر العمل عندما تنفصل المكانة والمكافأة والترقية عن الإنتاج والإنجاز. وفوق ذلك كله فإنه يضرب منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري، لأن العدالة والمسؤولية والاستحقاق والنزاهة والمصلحة العامة تتراجع أمام الولاء والمنفعة الخاصة وشبكات المصالح.
ولهذا يمكن القول إن الفساد البنيوي آلية لإنتاج الهدر الحضاري.
بل إن خطورته تتجاوز هدر القدرات الموجودة إلى تعطيل عملية إنتاج قدرات جديدة. فعندما يكتشف الشاب أن العلاقة أقوى من المعرفة، ويجد الموظف أن الولاء أنفع من الإنجاز، ويشعر صاحب الكفاءة أن كفاءته لا تكفي للوصول إلى الموقع الذي يستحقه، ويتجه رأس المال نحو العلاقة بالدولة والعقد والصفقة بدل الاستثمار والإنتاج، فإن الفساد يكون قد تجاوز سرقة المال إلى إعادة تشكيل السلوك الاجتماعي نفسه.
وهنا تتكون دائرة مغلقة لإعادة إنتاج الفساد: شبكات المصالح تساعد على الوصول إلى موارد الدولة، والموارد تنتج المنافع، والمنافع تنتج الولاءات، والولاءات توفر الحماية السياسية، والحماية تضعف المساءلة، وضعف المساءلة يسمح باستمرار شبكات المصالح. وهكذا لا يعود الفساد حادثة منفردة، وإنما يصبح نظامًا قادرًا على إعادة إنتاج شروط بقائه.
ومن هنا يمكن فهم السؤال الصادم: ماذا يحدث لو اعتُقل جميع الفاسدين الذين تثبت إدانتهم في العراق؟
إذا كان الجواب أن العملية السياسية سوف تنهار، فإن هذا الجواب ــ إن صح ــ يكشف مشكلة أخطر من وجود الفاسدين أنفسهم. لأن النظام السياسي السليم لا يفترض أن يعتمد استمراره على بقاء أشخاص ثبت فسادهم. فإذا كان إخراجهم جميعًا من النظام يهدد النظام نفسه، فهذا يعني أن العلاقة بين الفساد وبنية السلطة قد أصبحت أعمق مما نتصور.
ومن هنا أصل إلى قاعدة أراها مهمة:
حين يصبح تطبيق القانون على جميع الفاسدين خطرًا على استقرار النظام السياسي، تكون المشكلة قد تجاوزت فساد الأشخاص إلى فساد البنية.
لكن هذا لا يعني أن الحل هو حملة اعتقالات شاملة وحسب. فاعتقال الفاسدين مع إبقاء البنية التي أنتجتهم قد يؤدي ببساطة إلى ظهور فاسدين جدد. قد تتغير الأسماء وتبقى الآليات؛ يخرج شخص ويدخل آخر، بينما تستمر البيئة نفسها في إنتاج السلوك نفسه.
ولهذا فإن مكافحة الفساد من منظور الفلسفة الحضارية ليست عملية تنظيف للأشخاص فقط، وإنما عملية إعادة بناء للمؤسسات ونسق التفاعل. أي إعادة الربط بين الموقع والكفاءة، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الأجر والعمل، وبين العقد العام والمصلحة العامة، وبين الثروة والإنتاج، وبين القرار والمعرفة، مع بناء مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على تطبيق القانون دون حماية سياسية أو استثناء.
: وهنا يظهر الفرق بين الدولة التي تحارب الفساد والدولة الحضارية الحديثة التي تعمل، بالإضافة إلى ذلك، على إزالة الشروط المنتجة له. فالمطلوب ليس فقط أن تعاقب الدولة من يسرق المال العام، وإنما أن تبني نظامًا يجعل الوصول إلى المال والسلطة والوظيفة والعقد خاضعًا لقواعد مؤسسية تقلل قدرة شبكات المصالح على الاستحواذ عليها.
وعندئذ يصبح الانتقال من الفساد البنيوي إلى النزاهة البنيوية جزءًا من الانتقال الأكبر الذي تدعو إليه الفلسفة الحضارية: الانتقال من دولة ومجتمع يهدران القدرة إلى دولة ومجتمع ينتجان القدرة ويُراكمانها.
فالقضية في العراق ليست فقط: كم فاسدًا نستطيع أن نعتقل؟
السؤال الحضاري الأعمق هو: كيف نبني دولة لا يحتاج نظامها السياسي إلى الفساد لكي يستمر، ولا تستطيع بنيتها أن تعيد إنتاج الفاسدين كلما غادرها فاسد؟



اضف تعليق