العبارة التي وردت في الأسباب الموجبة والتي كانت محلا للطعن، تكون خاضعة للرقابة الدستورية لإنها جزء من النص القانوني، استناداً للمعيار الاجرائي الذي تبناه الدستور العراقي تجاه تشريع النصوص القانونية، فضلاً عن مضمون النص محل الطعن متوفر على المعيار الموضوعي باعتباره يقرر حكم يقيد نطاق سريان قانون التعديل...

أولاً:

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها في الدعوى الدستورية 66 وموحداتها 73 و82 و87/اتحادية/2026 في 9/3/2026، وقضت فيه برد دعوى المدعي الذي طعن بعدم دستورية الشق الأخير من الأسباب الموجبة للقانون رقم (1) لسنة 2025 قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.

 وكان سبب رد الدعوى بان المحكمة الاتحادية العليا غير مختصة بالنظر في دعوى عدم دستورية الأسباب الموجبة للقانون وعلى وفق ما جاء في نص القرار الاتي (لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد أن المدعين في الدعوى الموحدة كل من (....) طلبوا الحكم بعدم دستورية الشق الأخير من الأسباب الموجبة للقانون رقم (1) لسنة ۲۰۲٥ قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية التي جاء فيها: (وعدم موافقة ممثلي المكون السني في مجلس النواب بعدم سريان هذا التعديل على العراقيين من اتباع المذهب السني)، للأسباب التي أوردوها في عرائض الدعوى الموحدة، وتجد المحكمة الاتحادية العليا أن دعوى المدعين واجبة الرد لعدم الاختصاص، ذلك أن اختصاصات هذه المحكمة وصلاحياتها محددة حصراً بموجب المادتين (٥٢) و ۹۳) من دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥، والمادة (٤) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (۳۰) لسنة ۲۰۰٥ (المعدل) ولم يكن من ضمنها ما يمنح المحكمة صلاحية النظر فيما طلبه المدعون، وحيث أن الاختصاص الوظيفي هو من النظام العام وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها وإن لم يرد دفع بشأنه من الخصوم، عليه قرر الحكم برد دعوى المدعين لعدم الاختصاص).

ان القرار أعلاه اثار نقطة مهمة تتعلق بالأسباب الموجبة، لأنه اعتبرها ليس من القوانين او الأنظمة النافذة التي تخضع لرقابتها بموجب احكام المادة (93/اولاً) من الدستور التي جاء فيها (تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي: اولاً: الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة) ، مع انها صدرت ضمن مفردات التشريع، وهذا يوجب البحث المتأني والبحث في ما هيةو القانون الذي يخضع لرقابة المحكمة الاتحادية العليا للنظر في مدى دستوريته؟ وللإجابة اعرض الاتي:

1. ان القرار الحكم محل النقاش وكما اسلفت اعتبر الأسباب الموجبة للتشريع ليست من مواد القانون وانها لا تمثل نصاً تشريعياً، وهذا ما يستدل عليه من الفقرة الحكمية التي جاء فيها (الحكم برد الدعوى لعدم الاختصاص).

2. لابد من تعريف القانون في ضوء ما عرضه الفقه حيث يرى جانب من الفقه بإن القانون هو النص الذي يتكون من مجموعة من القواعد القانونية الملزمة المقترنة بالجزاء، وهذه القواعد هي الخلايا التي يتكون منها جسم القانون، ويجمع فقه القانون على إن المصدر الرئيسي للقاعدة القانونية هو النص القانوني الصادر عن الهيئة التشريعية[1]، والقانون في اللغة يعني القاعدة، والقاعدة يُقصد بها النظام والاستقرار على نمط معين.

3. أما في الاصطلاح فقد ظهر أكثر من تعريف للقانون منها الآتي:

‌أ. القانون مجموعة قواعد عامة ملزمة ومجردة تنظم السلوك البشري الاجتماعي، ويتبعها جزاء إما على شكل مكافأة وإما عقوبة لمن ينفذها أو يخالفها، ويتم ذلك من قِبل السلطة العامة في الدولة.

‌ب. القانون مجموعة قواعد قانونية في منطقة وزمن معينين، ويطلق عليه أيضاً اسم القانون الوضعي، لأنّه يوضع بإرادة السلطة المسيطرة في البلاد.

‌ج. القانون مجموعة من القواعد والأحكام التي تصدر عن السلطة التشريعية في الدولة.[2]

‌د. إلا أن التعريف الشائع والمتبع في اغلب الكتب التي تتعلق بالصباغة التشريعية هو (مجموعة القواعد القانونية العامة المجردة التي تصدر عن السلطة التشريعية أو إحدى سلطات الدولة لتنظيم أمر من الأمور التي تتعلق بالدولة وله عدة مسميات)[3].

4. أما عن القانون الذي يخضع لرقابة المحكمة الاتحادية العليا فانه القانون الذي يصدر عن السلطة التشريعية المختصة لان دستور عام 2005 أعطى لمجلس النواب السلطة الحصرية لتشريع القوانين.

5. ومن خلال التعريف الفقهي وما ورد في الدستور النافذ الذي أشار الى ان القانون يصدر على وفق الاليات التي رسمتها المادة (60) من الدستور حول كيفية تقديم مشاريع ومقترحات القوانين والتي جاء فيها (المادة 60 : أولاً : مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء . : ثانياً : مقترحات القوانين تقدم من عشرة من أعضاء مجلس النواب، أو من إحدى لجانه المختصة) ثم يتم التصويت عليها من مجلس النواب وعلى وفق اختصاصه الحصري بتشريع القوانين الذي ورد في المادة (61/أولا) من الدستور ، وتشير المادة (17/ثالثاً ورابعاً) من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2018 المعدل الى وجوب دراسة مشاريع القوانين والمقترحات قبل التصويت عليها واكد النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022 في المادة (121) على ان مقترحات ومشاريع القوانين تقدم وتتضمن الأسباب الموجبة وعلى وفق النص الاتي (يحق لعشرة من أعضاء المجلس إقتراح مشروعات القوانين إلى رئيس مجلس النواب مصوغة في مواد تتضمن الأسباب اِلموجبة للقانون) ثم يتم العمل على تشريعه استنادا للألية التي رسمتها المواد (129-137) من النظام الداخلي.

6. وبعد اكتمال التصويت ينتقل التشريع الى مرحلة المصادقة والاصدار والنشر، حيث يتولى رئيس الجمهورية إصداره وعلى وفق احكام المادة (73/ثالثاً) من الدستور التي جاء فيها (يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب، وتعد مصادقا عليها بعد مضي خمسة عشر يوما من تاريخ تسلمها)، ثم يكون في مرحلته الأخيرة التي تتعلق بالنشر في الجريدة الرسمية وعند ذاك يصبح نافذاً وعلى وفق احكام المادة (129) من الدستور التي جاء فيها (تنشر القوانين في الجريدة الرسمية، ويعمل بها من تاريخ نشرها، مالم ينص على خلاف ذلك).

7. بموجب هذه الالية التي انتجت لنا التشريع نجد ان الأسباب الموجبة هي من مفردات مقترح القانون او المشروع مروراً بالمناقشة والتصويت عليه في مجلس النواب ولغاية المصادقة والاصدار من رئيس الجمهورية ثم نشره في الجريدة الرسمية، وتكون تلك الاسباب قد مرت بجميع مراحل التشريع لمجمل القانون، ومن ثم تصبح جزء منه.

لكن ما ورد في اجتهاد القضاء الدستوري كان على خلاف ذلك، حيث لم يعتبرها من مواد القانون ومن ثم لم ينظر فيها.

ثانياً: الرأي الراجح:

ان الرأي الراجح هو الذي يعتبر الأسباب الموجبة جزء لا يتجزأ من القانون ومركزها القانون هو ذات المركز لاي مادة من مواده، والقول بخلاف ذلك سيضعنا امام عدة اسئلة منها الاتي:

1. اذا لم تكن نصاً قانونياً، ماذا تكون هل تعتد تعليمات ام أنظمة ام قرارات إدارية ام ماذا؟ وهل يكون النظر في مشروعيتها من اختصاص القضاء الاعتيادي او القضاء الإداري؟

2. إذا لم تكن نصاً قانونياً، فهل هذا يعني ان إمكانية تعديلها والغائها، بقرار من هيئة رئاسة مجلس النواب دون المرور بالية تعديل القوانين؟ ام يكون لمجلس الوزراء والسلطة التنفيذية بما فيها رئيس الجمهورية صلاحية ذلك طالما لا تعتبر من نصوص القانون؟

3. إذا ما قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون معين فهل هذا يعني ان الحكم بعدم الدستورية لا يسري على الأسباب الموجبة، على اعتبار انها ليس من اختصاص القضاء الدستوري، مثلما توجهت اليه في قرارها محل النقاش؟

هذه الاسئلة جميعها تؤكد لنا ان الأسباب الموجبة طالما اتبع في تشريعها ذات الاليات لتشريع نصوص القانون فإنها تكون نصاً قانونياً.

لكن قد يجد البعض ان عدد من شراح القانون لم يعتبروا الأسباب الموجبة من نصوص القانون لإنها نصاً تفسيرياً وارشادياً لنصوص القانون وتبين غاية التشريع ومن ثم ليس فيها الزام مما ينفي عنها صفة القانون، وهذا القول يكون صحيحاً لو كانت تصدر بلائحة ملحقة على شكل مذكرة إيضاحية بعد صدور القانون، وهذا ما تجيزه بعض النظم الدستورية لبعض الدول، اما في العراق فان الدستور لا يسمح لاي جهة ان تصدر توضيحا يتضمن أسباب تشريع القانون بعد تمام إجراءات تشريعه، حتى لو كان صادر عن رئاسة مجلس النواب وليس بموجب تشريع ملحق.

ثالثاُ: الخلاصة:

1. ان التشريع الذي يسمى قانون بموجب النظام الدستوري في العراق يعتمد على توفره على إجراءات تشريعه، وليس على مضمونه، وهذا ما ايدته المحكمة الاتحادية العليا في اكثر من قرار عندما لم تعتبر التشريع قانوناً طالما لم ينشر في الجريدة الرسمية مع انه تضمن نصوص ملزمة واستنفذ اغلب اليات تشريعه بما فيها المصادقة والاصدار، الا انه لم ينشر في الجريدة الرسمية، مما دعا الى رد دعوى الطعن به لهذا السبب وهذا ما جاء في قرارها العدد 31/اتحادية/2018 في 11/3/2028 الذي جاء فيه (لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد أن المدعي رئيس مجلس محافظة ميسان اضافة لوظيفته طعن بعدم دستورية بعض المواد الواردة في قانون التعديل الثالث لقانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم بعد تشريعه من مجلس النواب وقبل نشره في الجريدة الرسمية طالباً الغاء تلك المواد . وحيث أن القانون المطعون ببعض مواده لم ينشر في الجريدة الرسمية عند اقامة الدعوى حتى يعد نافذاً كما تلزم بذلك المادة (۱۲۹) من الدستور. فأن النظر في الطعن بمواده يخرج عن اختصاص المحكمة الاتحادية العليا التي ينحصر اختصاصها في هذا المجال بالنظر في دستورية القوانين والأنظمة النافذة . وبناء عليه قرر رد الدعوى من جهة الاختصاص).

2. فيما يتعلق بموضوع الدعوى العدد 66 وموحداتها 73و 82و87/اتحادية/2026 فان الطعن ورد على الشق الأخير من الأسباب الموجبة للقانون رقم (1) لسنة 2025 قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية التي جاء فيها (وعدم موافقة ممثلي المكون السني في مجلس النواب بعدم سريان هذا التعديل على العراقيين المسلمين من أتباع المذهب السني)، وعند امعان النظر في هذا النص فانه ليس بنص تفسيري او ارشادي وانما نص له حكم ملزم قيد نطاق سريان قانون التعديل ومنع تطبيقه على أبناء المكون السني، وبذلك فانه نص ملزم للقضاء العراقي بعد تطبيق احكام قانون التعديل على هذه الفئة من العراقيين، وفعلا طبقه ومنها الدعوى التي أقامها المدعون امام محاكم الأحوال الشخصية والتي ردتها المحكمة لان الأسباب الموجبة تمنع سريانه على العراقيين من المكون السني.

مما يعني انه نص قانوني على فرض الاخذ بالمعيار الموضوعي لتعريف القانون الذي نادى به بعض الفقه بان يكون النص ملزم حتى يعد نصاً قانونياً وليس ارشاديا او تفسيرياً، فضلاً عن ما تقدم ذكره بان النظام الدستوري في العراق قد اخذ بالمعيار الإجرائي لتعريف النص القانوني.

ومن خلال ما تقدم فان العبارة التي وردت في الأسباب الموجبة والتي كانت محلا للطعن، تكون خاضعة للرقابة الدستورية لإنها جزء من النص القانوني، استناداً للمعيار الاجرائي الذي تبناه الدستور العراقي تجاه تشريع النصوص القانونية، فضلاً عن مضمون النص محل الطعن متوفر على المعيار الموضوعي باعتباره يقرر حكم يقيد نطاق سريان قانون التعديل على فئة من العراقيين.

* قاضٍ متقاعد

..........................................

[1] الدكتور مصطفى العوجي ـ القاعدة القانونية في القانون المدني ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ طبعة بيروت الثانية ـ عام 2010 ـ ص51

[2] للمزيد انظر الدكتور منير محمود الوتري ـ القانون ـ مطبعة الجاحظ في بغداد الطبعة الثانية عام 1989 ـ ص5 ، واوليفيه دوهاميل و ايف ميني ـ المعجم الدستوري ـ ترجمة منصور القاضي ـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ـ طبعة بيروت الاولى عام 1996 ـ ص844

[3] الدكتور محمود محمد علي صبرة ـ الاتجاهات الحديثة في اعداد وصياغة مشروعات القوانين ـ منشورات مكتب صبرة للتاليف والترجمة القاهرة ـ طبعة عام 2009 ـ ص12

اضف تعليق