تفاقمت في المجتمع العراقي ظاهرة تضخم صورة المسؤول وتفخيمه عبر المواكب المسلحة والحشود المصفقة، مما يعكس خللاً سياسياً ونفسياً متراكماً. إن هذا التجمهر لا يعني التأييد الحقيقي دائماً، بل يكشف ازدواجية سلوكية؛ حيث يهتف الجمهور للمسؤول في الشارع وينتقده بقسوة في المجالس الخاصة، مما يستدعي بناء وعي يرفض تمجيد السلطة...

في المجتمعات المتحضرة يتحرك المسؤولون بسيارات بسيطة ويتجولون في كل مكان دون مواكب وحمايات مسلحة، ويمارسون حياتهم الاجتماعية دون ضجيج او مجاملات او تصفيق او هتافات او مهاويل! في المجتمع العراقي تفاقمت ظاهرة تضخم صورة المسؤول او تفخيم نفسه عبر مظاهر المواكب المسلحة والحشود المصفقة، وهي ظاهرة ليست جديدة لكن استمرارها يعني وجود خلل سياسي واجتماعي ونفسي!

يمكن تفسير ظاهرة التصفيق والهتافات والتجمهر عند ظهور المسؤول السياسي في الشارع العراقي من خلال تداخل عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وسياسية تراكمت عبر عقود طويلة. وهذه الظاهرة لا تعني دائماً التأييد الحقيقي، بل قد تحمل دلالات متعددة ومتباينة.

أولاً: التفسير السيكولوجي النفسي

1. الحاجة إلى الرمز القوي: في المجتمعات التي مرت بأزمات وحروب وعدم استقرار، يميل الناس نفسياً إلى البحث عن شخصية تمثل القوة أو الحماية أو القدرة على التغيير. لذلك قد يتحول المسؤول إلى “رمز نفسي” أكثر من كونه موظفاً عاماً.

2. العدوى العاطفية الجماعية

حين يبدأ عدد من الأشخاص بالتصفيق أو الهتاف تنتقل المشاعر بسرعة إلى الآخرين. علم النفس الاجتماعي يصف هذا بما يسمى “سلوك الحشد”، حيث تقل الفردية ويزداد الانفعال الجماعي.

3. الرغبة في الانتماء

الفرد داخل الجمهور يشعر بحاجة إلى عدم الاختلاف عن الجماعة، فيشارك بالتصفيق حتى لو لم يكن مقتنعاً بالكامل، خوفاً من العزلة الاجتماعية أو رغبةً في الاندماج.

4. الأمل المؤقت

كثير من المواطنين يحمّلون المسؤول الجديد أو الزائر آمالاً كبيرة تتعلق بالخدمات أو الوظائف أو الحماية، فيتحول الاستقبال الحماسي إلى تعبير عن التطلع للخلاص أو التغيير.

ثانياً: التفسير الاجتماعي

1. الثقافة الأبوية والزعامة

المجتمع العراقي، ككثير من المجتمعات الشرقية، ما زالت تؤثر فيه ثقافة “الزعيم” أو “الشيخ” أو “الأب الراعي”، لذلك يظهر احترام مبالغ فيه أحياناً تجاه صاحب السلطة.

2. الإرث السياسي التاريخي

العراق عاش فترات طويلة من الأنظمة الشمولية التي كرّست ثقافة تمجيد القائد والاحتفاء العلني بالسلطة، فترسخت بعض الأنماط السلوكية حتى بعد تغير الأنظمة.

3. البعد العشائري والمناطقي

في بعض الأحيان يتحول حضور المسؤول إلى مناسبة لإظهار الولاء المناطقي أو العشائري أو الحزبي، وليس بالضرورة دعماً سياسياً واعياً.

4. الاقتصاد الرمزي للمصلحة

بعض الناس يشاركون في التجمهر أملاً بالحصول على منفعة مباشرة أو غير مباشرة: وظيفة، واسطة، دعم، أو حتى مجرد لفت الانتباه.

ثالثاً: دور الإعلام والاتصال السياسي

وسائل الإعلام التقليدية والرقمية تسهم في صناعة “المشهد الجماهيري”. أحياناً يتم التركيز على اللقطات الحماسية والهتافات لإنتاج صورة توحي بالشعبية والشرعية السياسية.

وفي عصر الإعلام الرقمي أصبحت الكاميرا والهاتف جزءاً من الحدث؛ فالجمهور لا يتفاعل فقط مع المسؤول، بل مع “الصورة” التي ستُنشر لاحقاً على الفضائيات ومنصات التواصل.

رابعاً: هل التصفيق يعني التأييد الحقيقي؟

ليس دائماً. فالتصفيق قد يكون:

* مجاملة اجتماعية،

* استجابة جماعية لحظية،

* خوفاً أو حذراً،

* تعبيراً عن الأمل،

* أو دعماً حقيقياً بالفعل.

ولهذا فإن قراءة هذه الظاهرة تحتاج إلى الحذر، لأن السلوك الجماهيري الانفعالي لا يعكس بالضرورة موقفاً سياسياً مستقراً أو عميقاً.

خامساً: قراءة أعمق للحالة العراقية

في العراق تتداخل:

* الذاكرة السياسية،

* البنية العشائرية،

* الانقسام الحزبي،

* الثقافة الدينية والرمزية،

* وتأثير الإعلام الجماهيري،

لتنتج شكلاً خاصاً من “الاستقبال السياسي”، يكون فيه المسؤول أحياناً أقرب إلى رمز اجتماعي أو طائفي أو أبوي منه إلى موظف دولة عادي.

ومن هنا يمكن فهم التناقض الظاهر:

فقد يهتف الجمهور للمسؤول في الشارع، ثم ينتقده بقسوة في المجالس الخاصة أو على وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه الازدواجية تعكس الفرق بين “السلوك الجماعي اللحظي” و”القناعة الفردية العميقة”.

اضع هذه الظاهرة امام رئيس الوزراء الشاب الجديد لعله يقدم صورة مختلفه عن سابقيه، وهي نصيحة لوجه الله تعالى ولمصلحة هذا الشعب المكلوم المظلوم!

اضف تعليق