إن الأخلاق والقيادة وجهان لعملة واحدة؛ فحين تضعف القيادة تفشل في ترسيخ القيم، وحين تتآكل القيم يصبح من الصعب إنتاج قيادات نزيهة. صناعة القدوة لا تكمن في البحث عن شخصيات خارقة، بل في إعادة الاعتبار للنماذج الواقعية التي تحقق نجاحها بجهد وأخلاق...

من الأشياء التي اختفت عن الوجود هو الشخص القدوة الذي عادة ما يكون شخصية مؤثرة في الطبقات الاجتماعية، ولم تعرف ما هي الأسباب المؤدية لغياب مثل هذه الشخصيات، سنتطرق في المقال الحالي الى بعض الظروف والعوامل المساعدة والمؤثرات الثقافية التي قادت لهذا الاختفاء.

الأجيال الصاعدة ربما هي الأكثر من غيرها تواجه مشكلة كبيرة الى حد ما، تتمثل هذه الإشكالية في هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار التطبيقات التي صدرّت شخصيات غير مؤهلة لان تكون قدوة اجتماعية، اذ يعد هذا الامر من التحولات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع العراقي وغيره من المجتمعات الإنسانية، ما يفتح الباب امام تساؤل عميق: هل نعاني من نقص في القيادات او نعيش ازمة أخلاقية؟

وينظر الى القدوة على شخصية ناجحة أو مشهورة، ونموذج يجسد القيم في السلوك اليومي، فهي تمنح الآخرين دليلا عمليا للاقتداء، ففي المجتمعات التقليدية كانت الأسرة والمدرسة ورجال الدين والنخب الثقافية تشكل منظومة متكاملة لإنتاج هذه النماذج، اما اليوم يبدو أن هذه المنظومة تعاني من تصدعات واضحة، انعكست على وعي الأفراد وسلوكهم.

ويرتبط جزء من المشكلة بتحول المعايير، فقد انفك الترابط بين النجاح واقترانه بالعلم أو الأخلاق أو الخدمة العامة، وأصبح غالبا ما يُقاس بالشهرة السريعة أو الثراء المفاجئ، هذا التحول أفرز نماذج جديدة تُقدم على أنها قدوة، رغم افتقارها إلى الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية أو الاجتماعية، وهنا تتعقد الصورة: هل الخلل في القيم ذاتها، أم في من يتصدر المشهد ويوجه هذه القيم؟

تتحمل الشخصيات العامة مسؤولية كبيرة في هذا السياق، من بينها السياسي والإعلامي والفنان، وحتى المؤثر على المنصات الرقمية، جميعهم يسهمون في تشكيل الوعي العام، وحين تغيب المعايير الأخلاقية عن سلوك هذه الشخصيات، أو حين تتناقض أقوالهم مع أفعالهم، فإنهم يفقدون مصداقيتهم ويرسخون حالة من الارتباك لدى الجمهور خاصة لدى الشباب، حينها يصبح من الصعب على الفرد التمييز بين ما هو صحيح وما هو زائف، بين النجاح الحقيقي والنجاح المصطنع.

في المقابل لا يمكن تجاهل دور الشبكات الاجتماعية في تعميق الأزمة، هذه المنصات التي يفترض أنها أدوات للتواصل وتبادل المعرفة، تحولت إلى فضاء مفتوح لصناعة النجومية السريعة، حيث يكفي أن يمتلك شخص ما مهارة في جذب الانتباه حتى يتحول إلى مؤثر، بغض النظر عن مضمون ما يقدمه، بدورها الخوارزميات تعزز هذا الاتجاه، حيث تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة للجدل أو جذبا للمشاهدات، حتى لو كان سطحيا أو مضللا.

هذا الواقع خلق نوعا من القدوة الافتراضية، التي قد تكون بعيدة تماما عن القيم المجتمعية، فالشاب الذي يقضي ساعات طويلة على هذه المنصات يتعرض بشكل مستمر لنماذج تقدم أنماط حياة غير واقعية، ما يؤدي إلى تشوه في تصوراته عن النجاح والسعادة، ومع غياب بدائل قوية، تصبح هذه النماذج هي المرجع الأساسي.

إذن، هل نحن أمام أزمة أخلاق أم أزمة قيادة؟ الحقيقة أن الفصل بين الاثنين ليس سهلا، الأخلاق والقيادة وجهان لعملة واحدة، حين تضعف القيادة، سواء في السياسة أو التعليم أو الإعلام، فإنها تفشل في ترسيخ القيم، ما يؤدي إلى تراجع أخلاقي، وفي المقابل، حين تتآكل القيم داخل المجتمع، يصبح من الصعب إنتاج قيادات نزيهة وقادرة على التأثير الإيجابي.

الأزمة في جوهرها هي أزمة منظومة، تبدأ من الأسرة التي لم تعد قادرة في كثير من الأحيان على أداء دورها التربوي الكامل، مرورا بالمؤسسات التعليمية التي تركز على الجانب المعرفي وتغفل بناء الشخصية، وصولا إلى الإعلام الذي ينشغل بالإثارة على حساب الرسالة. 

وسط هذا المشهد يبرز سؤال جوهري: كيف نصنع قدوة جديدة؟ 

الإجابة لا تكمن في البحث عن شخصيات خارقة، إنما في إعادة تعريف مفهوم القدوة ذاته، نحن بحاجة إلى نماذج قريبة من الواقع، أشخاص عاديون يحققون نجاحاتهم بجهد وأخلاق، ويجسدون القيم في تفاصيل حياتهم اليومية.

صناعة القدوة تبدأ من إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية داخل الأسرة، حيث يتعلم الطفل من خلال الممارسة لا التلقين، كما تتطلب تطوير المناهج التعليمية لتشمل مهارات التفكير النقدي وتعزيز القيم الإنسانية، بدلا من الاكتفاء بالحفظ والتلقين، كذلك الإعلام بدوره مطالب بإبراز النماذج الإيجابية، وتسليط الضوء على قصص النجاح الحقيقية، بدلا من التركيز على الظواهر السطحية.

أما على مستوى الشخصيات العامة، فإن المسؤولية تفرض عليهم إدراك حجم تأثيرهم، الظهور في المشهد العام لم يعد مجرد فرصة إنما أمانة، كل كلمة أو تصرف يمكن أن يسهم في بناء وعي أو تشويهه؛ لذلك فإن الالتزام بالقيم يمثل واجب اجتماعي.

الشبكات الاجتماعية رغم دورها السلبي في بعض الجوانب، يمكن أن تكون جزءا من الحل، اذ تتيح هذه المنصات الفرصة لظهور نماذج إيجابية، إذا ما تم توظيفها بشكل واع، في الوقت الذي يوجد فيه العديد من المبادرات التي تسعى لتقديم محتوى هادف، وتشجيع السلوكيات الإيجابية، غير أنها تحتاج إلى دعم أكبر وانتشار أوسع.

اضف تعليق