إذا كانت القرارات السياسية تشبه المنتجات التي تمر عبر خطوط الإنتاج، فإن جودة المنتج النهائي تعتمد على نزاهة المراحل التي يمر بها، وعلى مدى حضور المصلحة العامة في كل مرحلة من مراحل التصنيع السياسي، فكلما كانت المؤسسات أكثر استقلالاً وشفافية، وكلما كان المواطن أكثر وعياً ومتابعة، اقتربت القرارات من تحقيق أهدافها الحقيقية في خدمة المجتمع والدولة...
في الأنظمة السياسية المعاصرة تمر عملية اتخاذ القرارات الكبرى بسلسلة طويلة من الحسابات والتوازنات والمراجعات، تجعل عملية صنع القرار السياسي أشبه بمنتج يدخل خط سير داخل مصنع كبير، ففي هذا المصنع تتعدد الجهات التي تتدخل في تشكيل القرار، وتتباين المصالح التي تسعى إلى التأثير فيه، وتتداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة تجعل المنتج النهائي مختلفا أحيانا عما كان مخططا له في بدايته.
عندما يُطرح أي مشروع أو مبادرة أو قانون داخل العملية السياسية، فإن أول ما يخضع له هو حسابات المستوى الفردي، فالعضو السياسي سواء كان نائبا أو مسؤولا أو قياديا حزبيا، ينظر إلى القرار من زاويا متعددة أولها زاوية المصلحة العامة، كذلك زاوية التأثير على مستقبل المسؤول السياسي، فضلا عن تأثيره على شعبيته بين جمهوره، وعلى علاقاته داخل الكتلة التي ينتمي إليها.
لذلك قد يؤيد مشروعا معينا أو يعارضه ليس بسبب قناعته الكاملة بمضمونه، وإنما بسبب ما يحققه له من مكاسب سياسية أو ما يجنبه من خسائر محتملة.
بعد ذلك ينتقل القرار إلى مستوى الكتلة السياسية، حيث تصبح الحسابات أكثر تعقيداً، فالكتلة هنا تمثل مجموعة من المصالح والاتجاهات والالتزامات، وهنا يبدأ النقاش حول تأثير القرار على مكانة الكتلة بين منافسيها، وعلى جمهورها الانتخابي، وعلى قدرتها في الحفاظ على تماسك أعضائها، وقد تجد الكتلة نفسها مضطرة إلى رفض مشروع ترى فيه جوانب إيجابية، فقط لأنها تخشى أن يُحسب نجاحه لصالح خصومها السياسيين.
أما على مستوى الحزب السياسي، فإن القرار يدخل مرحلة أخرى من المراجعة، فالأحزاب تفكر في الحاضر وتضع في اعتبارها الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتحالفاتها المستقبلية، وعلاقاتها مع القوى المحلية والخارجية، فنجدها كثيرا ما تخضع القرارات لمعادلة دقيقة تحاول تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من الخسائر، وفي بعض الأحيان تُقدَّم الاعتبارات الحزبية على الاحتياجات الفعلية للمجتمع، خصوصا عندما يشعر الحزب أن أي خطوة قد تؤثر في رصيده الشعبي أو في نفوذه السياسي.
وعندما يصل القرار إلى مستوى الحكومة يصبح الأمر أكثر تعقيدا، فالحكومة مطالبة بالتوفيق بين مصالح متعارضة ومتطلبات متعددة، فهي مطالبة بالحفاظ على الاستقرار السياسي وإدارة الموارد الاقتصادية، والاستجابة لمطالب المواطنين، وفي الوقت نفسه مراعاة التوازنات الحزبية التي جاءت بها إلى السلطة.
ومن اجل ذلك تبدو بعض القرارات الحكومية بطيئة أو مترددة أو حتى متناقضة في بعض الأحيان، لأنها نتاج عملية تفاوض مستمرة بين أطراف مختلفة لكل منها أولوياتها الخاصة.
ومن أبرز العوامل التي تؤثر في عملية صنع القرار السياسي الخوف من خسارة التأييد الشعبي، فالكثير من القرارات الضرورية قد تكون غير شعبية على المدى القصير، حتى وإن كانت مفيدة على المدى البعيد، الامر الذي يؤدي الى تردد بعض السياسيين في اتخاذ خطوات إصلاحية جريئة خشية أن تُفسر بشكل سلبي من قبل الجمهور، أو أن تستغلها القوى المنافسة في الحملات الانتخابية.
وهنا يصبح الرأي العام جزءا أساسيا من معادلة صناعة القرار، وقد يتحول أحيانا إلى عامل ضغط يمنع اتخاذ قرارات مهمة تحتاجها الدولة.
كما تلعب المصالح الخاصة لبعض الشرائح الاجتماعية والاقتصادية دورا مؤثرا في هذه العملية، فالجماعات المهنية والنقابات ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني، جميعها تسعى إلى التأثير في القرار بما يحقق مصالحها أو يحمي مكتسباتها، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الحديثة، لكنه يصبح إشكاليا عندما تطغى المصالح الفئوية على المصلحة العامة، أو عندما تتمكن مجموعات محددة من فرض أجندتها على حساب بقية المجتمع.
فهم هذه الآلية يساعد المواطنين على إدراك طبيعة العمل السياسي بعيدا عن التبسيط المفرط، فالسياسة شبكة معقدة من المصالح والتوازنات والضغوط، غير أن هذا الواقع لا ينبغي أن يكون مبررا لتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، اذ يجب أن يدفع نحو بناء مؤسسات أكثر شفافية وقدرة على اتخاذ القرارات وفق معايير الكفاءة والاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
إذا كانت القرارات السياسية تشبه المنتجات التي تمر عبر خطوط الإنتاج، فإن جودة المنتج النهائي تعتمد على نزاهة المراحل التي يمر بها، وعلى مدى حضور المصلحة العامة في كل مرحلة من مراحل التصنيع السياسي، فكلما كانت المؤسسات أكثر استقلالا وشفافية، وكلما كان المواطن أكثر وعيا ومتابعة، اقتربت القرارات من تحقيق أهدافها الحقيقية في خدمة المجتمع والدولة.



اضف تعليق