الدول لا تنهار حين تفشل مرة، بل حين تعتاد الفشل وتعيد إنتاجه كسياسة. إن العراق يقف اليوم أمام النافذة الحرجة للإصلاح، حيث الرهان لم يعد على تغيير الحكومات بل على تغيير طريقة التفكير التي تدير الدولة. فالإصلاح بكل كلفته الاجتماعية والسياسية العالية، يبقى دائما أقل خطورة من استمرار الوهم بالاستقرار الريعي المؤقت...
بعد كل أزمة عنيفة ـ سواء كانت حربًا، أو انهيارًا اقتصاديًا، أو انسدادًا سياسيًاـ تظهر لحظة نادرة في تاريخ الدول يمكن وصفها بـ”النافذة الحرجة للإصلاح”. هذه الفكرة ليست جديدة؛ فقد أشار إليها منظّرو التحول السياسي مثل (دوغلاس نورث) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1993، والذي عرضها في كتابه “المؤسسات والتغير المؤسسي والأداء الاقتصادي” (1990)، حيث أكد أن الصدمات الكبرى تفتح المجال لإعادة بناء المؤسسات، لكنها في الوقت ذاته قد تعمّق الفشل إذا غابت الإرادة.
في العراق، وبعد ما يمكن تسميته بـ”حرب الأربعين يومًا”، بين ايران واعدائها، تبدّت الحقيقة الأكثر قسوة: الدولة ليست فقط ضعيفة، بل هشة بنيويا بشكل خطير.
لم تكن الأزمة الأخيرة حدثًا عابرًا، بل اختبارًا مركّبًا لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين الداخل والخارج. وقد أظهرت :ضعف البنى التوليدية للاقتصاد، حيث لا يزال النفط يشكل أكثر من 85 بالمئة من الإيرادات العامة (تقديرات وزارة المالية).مع استمرار ارتهان النفط والغاز للموقع الحبيس للعراق.غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، مقابل سيطرة إدارة يومية للأزمات. تراجع القدرة على ضبط التفاعلات بين الضغوط الإقليمية والدولية.
هذا النمط يتقاطع مع ما وصفه (صموئيل هنتنغتون) في كتابه “النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة” (1968) بـ”الفجوة بين التعبئة السياسية والمؤسسية”، حيث تتوسع المطالب المجتمعية دون أن تقابلها مؤسسات قادرة على الاستجابة.
التجربة العراقية منذ 2003 تقدّم دليلًا شبه حاسم على ان الإصلاح لا ينطلق من داخل المنظومة حين تكون هذه المنظومة نفسها قائمة على شبكات الزبائنية والريع، فبين عامي 2006 و2014، تضاعف الإنفاق الحكومي أكثر من ثلاث مرات، دون أن يقابله نمو حقيقي في القطاعات الإنتاجية. التفاعلات الاجتماعية كانت بلا ديناميكية منتجة، فاحتجاجات تشرين القوية عام 2019 كشفت رفضًا شعبيًا واسعًا لسياسات القوى الماسكة للحكم، لكنها لم تنتج طبقة سياسية بديلة قادرة على فرض مشروع إصلاحي، وسبب ذلك بسيط وواضح، وهو ان القوى المهيمنة مستفيدة من الوضع القائم، وأي إصلاح حقيقي يعني خسارة مباشرة لمصالحها.
الإصلاح الاقتصادي ليس عملية تقنية، بل قرار سياسي عالي الكلفة. التجارب الدولية تؤكد ذلك.
في مصر أدت إجراءات الإصلاح (تعويم العملة 2016) إلى موجة تضخم تجاوزت 30 بالمئة في السنة الأولى. وفي اليونان بعد 2010، تسببت سياسات التقشف في اضطرابات اجتماعية واسعة.
العراق ليس استثناءً. فأي إصلاح حقيقي سيؤدي في مرحلته الأولى إلى: ارتفاع البطالة المؤقتة، تقليص الامتيازات، تصاعد الاحتجاجات، استغلال سياسي شعبوي للأزمة.
لكن البديل اخطر، فرغم وضوح ملامح هذا الخطر لكن معظم القيادات الحالية تمارس سياسات شعبوية قصيرة الأمد: توزيع وظائف، توسيع إنفاق، ووعود غير قابلة للاستدامة.
هذا ما يسميه الاقتصادي (داني رودريك)، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كتابه “قواعد الاقتصاد” (2015)، بـ”شراء الاستقرار المؤقت على حساب الاستدامة”، أي تبنّي سياسات ترضي الجمهور لحظيًا لكنها تخلق أزمات أعمق لاحقًا.
فالنتائج الظاهرة حاضرا :جمهور يعتمد على الدولة ريعيًا، دولة عاجزة عن الإصلاح، حلقة مغلقة من التواطئ المتبادل وعدم الاستجابة لصيحات التحذير.
الإصلاح الاقتصادي في العراق لا يمكن أن يبدأ دون:
1ـ تفكيك الاقتصاد الطفيلي: أي إبعاد الشبكات التي تربط المال السياسي بالصفقات العامة.
2ـ تحقيق أمن اقتصادي مستدام: المستثمر لا يخشى فقط الإرهاب، بل يخشى الابتزاز السياسي وعدم استقرار القرار.
3ـ فصل الاقتصاد عن الصراع السياسي: وهو ما لم تنجح فيه الحكومات المتعاقبة، حيث بقيت العلاقات الاقتصادية رهينة التوازنات الإقليمية.
4ـ تنويع الشراكات: العراق بحاجة إلى توسيع علاقاته الاقتصادية، لا حصرها في نطاقات المودة السياسية والشعبية.
المشكلة لا تكمن فقط في النخبة السياسية، بل أيضًا في النخبة الثقافية التي لم تنجح في إنتاج مشروع وطني بديل.
الجميع ينتظر التغيير من داخل النظام، بينما التجارب تشير إلى أن التغيير غالبًا ما يبدأ من: نخب مستقلة، مراكز تفكير، حركات اجتماعية منظمة كما حدث في تجارب أوروبا الشرقية بعد عام 1989.
كما ان العلاقة بين الدولة والمجتمع تقتضي تصحيحا لمساراتها لضمان فعالية الاصلاح، فالعلاقة الحالية قائمة على: التملق مقابل المنافع، الولاء مقابل الوظيفة
وهي علاقة غير قابلة للاستمرار.
ان الإصلاح الحقيقي يتطلب: عقدًا اجتماعيًا جديدًا، مواطنًا يدفع الضرائب ويحاسب، دولة تقدم خدمات لا ريعًا.
العراق اليوم لا يواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات ترقيعية، بل يقف عند عتبة تحوّل حاسم يفرض إعادة تعريف الدولة ووظيفتها. الاستمرار في السياسات الحالية لم يعد خيارًا آمنًا، بل مسارًا يقود تدريجيًا إلى تآكل ما تبقى من قدرة الدولة على الفعل.
الإصلاح، بكل كلفته الاجتماعية والسياسية، أقل خطورة من استمرار الوهم. فالدول لا تنهار حين تفشل مرة، بل حين تعتاد الفشل وتعيد إنتاجه كسياسة.
الرهان الحقيقي لم يعد على تغيير الحكومات، بل على تغيير طريقة التفكير التي تدير الدولة. ودون ذلك، ستبقى كل الأزمات القادمة أكثر قسوة، لأنها ستأتي في ظل دولة أضعف ومجتمع أكثر إنهاكًا.
وفي لحظات كهذه، لا يكون السؤال: ماذا سنفعل؟ بل: هل ما زال لدينا متسع من الوقت لنفعل شيئًا؟.



اضف تعليق