خسارة أوربان لا تعني بالضرورة نهاية الشعبوية، بل هي جرس إنذار يذكر بأن موجات الغضب الشعبي التي أفرزتها لم تختف بعد، لكنها دخلت مرحلة مراجعة واختبار. إن الشعبوية في جوهرها نتيجة لأزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات لم تحل بعد، وما نشهده اليوم هو صراع بين النموذج الليبرالي المؤسسي والنموذج الذي يركز على السيادة والهوية...

أثار خبر خسارة رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان للانتخابات الأخيرة اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية العالمية، لأن أوربان لم يكن مجرد زعيم وطني يقود حكومة في بلد أوروبي متوسط الحجم، بل كان أحد أبرز رموز الشعبوية اليمينية في العالم خلال العقدين الأخيرين، وقد تحول اسمه إلى مرجع سياسي وفكري لدى تيارات قومية ومحافظة عديدة في أوروبا والولايات المتحدة، بل إن تجربته السياسية قُدِّمت في كثير من الأحيان بوصفها نموذجاً لما سماه هو نفسه «الديمقراطية غير الليبرالية».

ومن هنا فإن خسارته للانتخابات لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد حدث داخلي في السياسة المجرية، بل يمكن قراءتها بوصفها مؤشراً سياسياً أوسع يتعلق بمصير موجة الشعبوية التي صعدت بقوة خلال العقد الماضي في عدد من الديمقراطيات الغربية، وهي الموجة التي تجلت في صعود شخصيات سياسية مؤثرة مثل ترامب في الولايات المتحدة، وظهور حركات يمينية قومية في عدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى صعود خطاب سياسي جديد يقوم على نقد العولمة والهجرة والنخب الليبرالية التقليدية.

لقد ظهرت الشعبوية الحديثة بوصفها رد فعل على مجموعة من التحولات العميقة التي شهدها العالم الغربي منذ نهاية الحرب الباردة، وفي مقدمتها تسارع العولمة الاقتصادية، واتساع الفجوة الاجتماعية بين الطبقات، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية التقليدية، والشعور المتنامي لدى قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية بأن النخب السياسية والاقتصادية لم تعد تمثل مصالحها الحقيقية. وفي هذا السياق نجح الخطاب الشعبوي في استثمار مشاعر القلق الاجتماعي والثقافي، فقدم نفسه بوصفه صوت «الشعب الحقيقي» في مواجهة «النخب الفاسدة» أو «المؤسسات البعيدة عن الناس».

غير أن تجربة الحكم الطويلة كثيراً ما تضع الحركات الشعبوية أمام اختبار صعب، لأن الخطاب الاحتجاجي الذي ينجح في المعارضة لا يكون دائماً قادراً على تقديم حلول عملية ومعقدة لمشكلات الدولة والاقتصاد والمجتمع. ومع مرور الوقت تبدأ التناقضات بين الشعارات السياسية والواقع العملي في الظهور، كما تبدأ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في التأثير على المزاج العام للناخبين. وهذا ما حدث بدرجات متفاوتة في عدد من الدول التي شهدت صعود الشعبوية خلال السنوات الماضية.

في الحالة المجرية تحديداً، تمكن أوربان طوال سنوات من ترسيخ موقعه السياسي عبر خطاب قومي قوي وسياسات ركزت على الهوية الوطنية والهجرة والسيادة الوطنية في مواجهة ضغوط الاتحاد الاوروبي، لكنه في النهاية لم يستطع تجاوز حالة التململ المتزايد داخل المجتمع المجري نتيجة الضغوط الاقتصادية والانتقادات المتعلقة بطبيعة النظام السياسي ومستوى الحريات العامة.

مع ذلك فإن خسارة أوربان لا تعني بالضرورة نهاية الشعبوية في العالم، لأن هذه الظاهرة ليست مرتبطة بشخص أو حزب بعينه، بل هي تعبير عن تحولات أعمق في بنية المجتمعات الغربية وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالشعبوية في جوهرها هي نتيجة لأزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات، وهي أزمة لم تُحل بعد في كثير من الديمقراطيات الغربية.

ولهذا يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس نهاية الشعبوية، بل ربما بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي بين نموذجين مختلفين لإدارة الدولة والمجتمع: النموذج الليبرالي المؤسسي الذي ساد في الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والنموذج الشعبوي الذي يركز على السيادة الوطنية والهوية الثقافية ودور الدولة في مواجهة العولمة.

وفي هذا السياق تبدو خسارة أوربان أقرب إلى جرس إنذار سياسي يذكر بأن موجات الغضب الشعبي التي أفرزت الشعبوية لم تختف بعد، لكنها بدأت تدخل مرحلة مراجعة واختبار، وأن الديمقراطيات المعاصرة ما زالت تبحث عن توازن جديد بين متطلبات الاستقرار المؤسسي ومطالب المجتمعات المتغيرة. وفي النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الشعبوية قد انتهت أم لا، بل كيف ستتغير الديمقراطية نفسها في ظل هذه التحولات العميقة التي يعيشها العالم اليوم.

اضف تعليق