تقويضُ الدولةِ أسرعُ بكثيرٍ من تأسيسِها؛ فقد تكفي شعاراتٌ غاضبةٌ وشائعاتٌ زائفةٌ كي يتصدعَ كيانُها، بينما يحتاجُ بناءُ دولةٍ حقيقيةٍ إلى زمنٍ طويلٍ يتراكمُ فيه الوعيُ وتتشكلُ المؤسساتُ التي تحمي القانونَ. إنَّ الحضارةَ والمدينةَ والدولةَ لا تولدانِ إلا من رحمِ الادخارِ المتواصلِ في الثروةِ الماديةِ والمعنويةِ، وفي الوعيِ والقيمِ والآدابِ والفنونِ...

الهدم أسهل من البناء في العلاقات الإنسانية وفي مختلف مجالات الحياة؛ فتهديم ما يتشكل عبر الزمن لا يحتاج إلا إلى لحظة انفعال عاصف، أما تشييده فيتطلب صبرا طويلا وتراكما بطيئا للخبرة ورأس المال المادي والرمزي والعمل. تهديم البناء أيسر كلفة من تشييده، كما أن إهدار المال أسهل من تحصيله عبر جهد شاق، وإفساد الحب وتسميم القلب بالكراهية، بكلمات قاسية ووشايات لئيمة، أيسر من تطهير القلب وتهذيبه بالمحبة والرحمة.

تقويض الدولة أسرع بكثير من تأسيسها؛ فقد تكفي شعارات غاضبة، وشائعات زائفة، وإيقاد للعنف كي يتصدع كيان الدولة وتتهشم أسسها، بينما يحتاج بناء دولة حقيقية إلى زمن طويل يتكون فيه وعي بالمواطنة، وتتجذر فيه الأخلاق العامة، وتتشكل مؤسسات تحمي القانون وتصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. إشعال الحرب أيسر من صناعة السلام، لأن الحرب تستدعي الغرائز العدوانية الكامنة في الإنسان، أما السلام فيحتاج إلى حكمة أخلاقية تروّض تلك الغرائز. 

التخلص من سلطة جائرة قد يحدث في لحظة انفجار تاريخي، غير أن تأسيس سلطة عادلة ودولة حديثة يتطلب تربية طويلة على الأخلاق والحكمة، والالتزام بالقانون. العدل ثمرة لنبتة تنمو في تربة الضمير الأخلاقي الحي، بينما الظلم يولد حين تستبد النزعة العدوانية بالإنسان، لذلك يبقى بناء الإنسان الأخلاقي الذي يحترم القانون ويطبقه الشرط الأعمق لبناء الدولة العادلة.

الحضارة مسار ادخارٍ وتراكمٍ لا ينقطع؛ كذلك المدينة والدولة لا تولدان إلا من رحم هذا الادخار المتواصل في الثروة المادية والسياسة والمعنوية، وفي الوعي والمعرفة والقيم والرموز والآداب والفنون. المجتمع الذي يعجز عن تنمية رصيده على الدوام يعجز عن تأسيس دولة راسخة، لأن الدولة ليست كيانًا يُشيَّد بالعاطفة أو يقوم بالشعارات، وإنما ثمرة زمن طويل من الادخار وتراكم الثروات والخبرات والعلوم والقيم، يتجذر في الوعي الفردي والجمعي، ويصوغ ذاكرة مشتركة، ويكرّس إدراكًا عميقًا بالمصالح المشتركة والمصير الواحد. 

اقتصاد الحياة البدوية اقتصادٌ رعويٌّ بطبيعته، الاقتصاد الرعوي يفتقر إلى قابلية الادخار والتراكم، فلا تتوفر لديه الشروط التي تسمح بتراكم الثروة، ولا يخلق البيئة الملائمة لإنتاج المعارف وتطوير المهارات وتنمية رأس المال. في هذا النمط من العيش لا تتكامل عناصر الإنتاج الأساسية، من رأس مال مادي ومعرفي، وعملٍ مستقر، وأرضٍ يرتبط بها الإنسان ارتباطًا دائمًا. 

الترحال المتواصل يضعف التفاعل الخلّاق مع المكان، ويحول دون نشوء علاقة راسخة بالأرض، لذلك لا تتكوّن رابطة وجودية وروحية ونفسية وعاطفية بمكان محدد، وهي الرابطة التي تنمو في ظلها المدينة، وتتجذر في أفقها الدولة. 

الحياة البدوية، بما تفرضه من ترحالٍ دائم، تفتقر إلى شروط الاستقرار، فلا يتكوّن فيها إحساس عميق بالعلاقة الوثيقة بالأرض، لأن هذه العلاقة لا تتشكل إلا في سياق إقامة طويلة وتوطن مستقر يجعل المكان حاضرًا في وجدان الإنسان وشعوره. ما دام يقوم اقتصاد البادية على الرعي، الذي هو نمط من العيش يتشكل في أفق الترحال الدائم وملاحقة المراعي ومصادر الماء، لذلك يفتقر إلى الشروط التي تسمح بتكوين اقتصاد مركّب قائم على الإنتاج المتواصل وتراكم الثروة والخبرة. 

في نمط الإنتاج الرعوي لا تتكوّن علاقة بالأرض بوصفها مجالًا للعمل والاستثمار، لأن الأرض تُرتاد مؤقتًا ثم يُغادرها الإنسان إلى غيرها. لذلك يختلف اقتصاد البادية عن الاقتصاد الذي يتأسس على امتلاك الأرض والعقار، والعمل الزراعي والحرفي، وتراكم المهارات، ونشوء التجارة وتبادل المنافع. التوطن في المكان يتيح للإنسان أن يطوّر أدوات عمله وخبراته، وأن يبني شبكات إنتاج وتبادل مستمرة، ومن هذا التراكم تنشأ الأسواق وتزدهر الحرف وتتشكّل المدن. المدينة والدولة لا تولدان إلا في فضاء الإقامة بالمكان، حيث تتجذر صلة الإنسان بالأرض عبر العمل والمكوث المستمر، فتتشكّل ذاكرة مشتركة وهوية للمكان، وتنبثق في أفقها المؤسسات التي تنظّم العيش المشترك.

الشروط المادية والمعنوية والرمزية اللازمة لبناء الدولة تستدعي استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والمكان، لأن الدولة لا تنشأ في الفراغ، وإنما تتشكل في سياق تاريخي يتراكم فيه رأس المال والخبيرة والعلم والمعرفة والقيم. ويبدأ ذلك من قابلية الادخار والتراكم بوصفهما الأساس لكل عملية إنتاج مستدام، إذ يتيح التراكم تنمية الثروة وتوسيع رأس المال المادي والمعرفي، ويخلق بيئة تسمح بتطوير المهارات والخبرات، وتوليد المعارف التي تُغذّي الاقتصاد والمجتمع معًا. 

في هذا الأفق يتكوّن اقتصاد قادر على إعادة إنتاج الثروة وتنميتها، وتتشكل البنية الثقافية والقيمية التي تساند قيام المؤسسات، فيغدو التراكم المادي والمعنوي والرمزي الشرط العميق الذي تنمو في ظله الدولة وتترسخ. بناء الدولة الحديثة يعتمد على اقتصاد متين، وسياسة رشيدة، وقيم راسخة، ومعارف متجددة، وثقافة حيّة، وفنون وجمال ورموز تثري الذاكرة الوطنية، وتمنح المجتمع صورًا ملهمة للمعنى المشترك. 

بناء الدول يستغرق أزمنة مديدة، قد تمتد لعشرات السنين أو قرون، إذ يتطلب نشوؤها مراكمة متواصلة للوعي والمعارف والمهارات والخبرات والرموز، وإعدادًا للشروط والعناصر، التي تؤهل المجتمع لأن يؤسس دولة حديثة. الدولة الحديثة لا تنهض إلا إذا ارتكزت على تراكم طويل يرسخ هويتها الوطنية، ويصون كرامة مواطنيها، ويضمن استمرارها في مواجهة التحولات والتحديات.  

الدولة تحتاج إلى بيئة مجتمعية تتيح لهذا التراكم أن يتجذر ويتنامى. المدينة تمثل البيئة الحاضنة لبناء الدولة، والنقلة النوعية التي يتجاوز فيها المجتمع التكوينات القبلية المغلقة المبنية على رابطة الدم، ويبدأ رحلة البحث عن هوية مجتمعية مدنية جامعة. 

المدينة لا تختزل في العمران، بل تعكس ثقافة ورموز وقيم ومصالح ومصائر مشتركة، تتجلى في نمط عيش يعبر عن اقتصاد وإدارة وتنظيم يختلف عن البادية والقرية، وعلاقات اجتماعية جديدة، تنتظم فيها الحياة على قاعدة القانون لا العصبية، والمصلحة العامة لا الغلبة. القبيلة البدوية تعجز عن بناء وعي بالأرض بوصفها وطنًا، لأن علاقتها بالأرض علاقة مؤقتة مشروطة بتوفر الماء والكلأ. 

أما المدينة فتكرس علاقة الإنسان ورابطته بالأرض، وتوفر الشرط الأساس لأن تنبثق من هذا الارتباط علاقة المواطنة، بوصفها انتماء طوعيًا، ومسؤولية مشتركة، ومشاركة في الحقوق والواجبات، على أساس القانون، لا على رابطة الدم كالقبيلة. 

الدولة تتأسس على بنية المدينة ونسيجها العمراني، وعلى شبكات المصالح والمصائر المشتركة والعلاقات المجتمعية فيها، وعلى مؤسساتها وثقافتها وقيمها ورموزها. المصالح والقوانين والقيم في المدينة مشترك حيوي فعال، يلتقي عنده المختلفون، ويجد فيه كل من يقيم على أرضها موقعًا في الفضاء العام، ودورًا في إنتاج العيش المشترك. 

في المدينة يغادر الإنسان رابطة العصبية، ليتحقق في أفق تتولد فيه هويته من الذاكرة المشتركة، والثقافة الموحدة، والشراكة في المصالح والمصائر، وتتحرر فيه المواطنة من الانتماءات المغلقة، لتغدو تعبيرًا عن وعي جديد بالذات والآخر، والعيش في ظل دولة تجسد العقل، وتكفل الكرامة، وتصون الحرية، وتؤسس لمجتمع مفتوح.

غياب الدولة في وطننا عطّل تحقّق ما عبر عنه الفيلسوف الألماني هيغل: "الدولة بوصفها تجليًا للعقل... والتجلي الواقعي للروح الأخلاقية"، إذ رأى أن: "الفرد لا يحقق حريته الحقيقية إلا في الدولة، لأنها التعبير الكامل عن الحرية العقلانية"، هيغل في كتابه: "مبادئ فلسفة الحق"، ص 53. الدولة، حين تتأسس بوصفها تعبيرًا عن العقل والحرية، تخلق للإنسان فضاءً ينضبط فيه اندفاع الغرائز والعصبيات والانفعالات، ويتكوّن فيه وعي بالمواطنة يتجاوز حدود الجماعات المغلقة إلى أفق المصلحة المشتركة. 

لذلك لا تقتصر الدولة على كونها جهازًا لإدارة السلطة، وإنما تشكّل إطارًا أخلاقيًا وقانونيًا ينتظم فيه العيش المشترك، وتترسخ فيه القيم التي تصوغ الإرادة العامة. وحين يغيب هذا الإطار، أو يظل هشًّا ومضطربًا، يتعطل تشكّل الوعي الوطني، لأن المجتمع يبقى أسير ولاءات ضيقة وعلاقات ما قبل الدولة، فتتعثر عملية انتقاله إلى وعي مدني جامع. بهذا المعنى ترك غياب الدولة، بما هي تجلٍ للعقل وتجسيد للحرية العقلانية، أثرًا عميقًا في إعاقة نشوء وعي وطني عراقي، وتعطيل تجذّره وتطوره.

اضف تعليق