إنَّ مستقبلَ العراقِ رهينٌ باستعادةِ ذاكرتِنا الأخلاقيةِ؛ فبناءُ الدولةِ الرشيدةِ لا يبدأُ من القوانينِ الجافةِ فحسب، بل من الضميرِ الحيِّ للمهندسِ والطبيبِ والموظفِ. عندما تتحولُ المسؤوليةُ من مغنمٍ ماديٍّ إلى رسالةٍ إنسانيةٍ، نضعُ اللبنةَ الأولى في صرحِ الدولةِ الكريمةِ التي تحمي الدينَ والنفسَ والمالَ، وتؤسسُ لمنظومةٍ وقائيةٍ للأجيالِ القادمةِ...
عندما تتقدم الأخلاق والقيم في أي مجتمع فهذا دليل قاطع على رقي المفاهيم الإنسانية التي تساعد في نهوض المجتمع واستقامته وتماسكه الاجتماعي. إن هذه الأمور ليست مسؤولية فردية بل هي مسؤولية جماعية تتحرك من الإنسان إلى محيطه الاجتماعي كلّ حسب دوره ونشاطه وعلاقاته، ومع الوقت ستتراكم قيم الخير والأصالة والمبادئ الراقية لتشكل أسساً واعية من الأفكار والممارسات تتخطى كل السلوكيات المنحرفة والمظاهر السلبية الهشة.
إن كل ما نزرعه من بذور الخير والعدالة والإنصاف والتسامح ستنمو، ومع الوقت ستثمر مجتمعاً تزدهر فيه كل تلك المعايير الطيبة وتنتشر في فضاء الأمة؛ حيث لا مكان للظلم أو الحيف أو الفساد أن يكبر ويسود. في عراقنا الحبيب يتطلع الناس إلى الحاكم العادل الذي يفترض أن يحافظ على (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، ويكون نصيراً للفقراء والضعفاء، الحاكم الذي يدافع بإخلاص عن حقوق هؤلاء المظلومين وأن يساعدهم في المشاركة لتحمل المسؤولية الوطنية لبناء الدولة الرشيدة. لكي تتكامل صورة الدولة الكريمة لابد أن يساهم الجميع في استقرارها وصيانتها وأصالتها حتى تعلو راية الذين استضعفوا في الأرض ويستنير الناس بالحق والوعي والكرامة والأخلاق.
هي دعوة لاستشراف المستقبل من خلال فتح آفاق الانطلاق لحوار مفتوح ومؤتمرات وورش تعمق التفكير بخصوص ما سيكون عليه واقعنا لو تمسكنا بكل ما هو أخلاقي ووجداني. إن معظم الأمم الحية تماسكت لأنها تمسكت بمنظومة القيم الأخلاقية النبيلة. نحن أمة لدينا تلك المقومات بما في ذلك الفطرة الإنسانية والإيمان وهي ثوابت تعزز مكانتنا بين الأمم. القرآن الكريم تناول أهمية الأخلاق في بناء الإنسان ومشروع الدولة العادلة والرشيدة، وهي الأسس التي حققت ذلك الازدهار التاريخي لدولة الحق بفضل قيمها ومبادئها الراسخة. لكن الذي ساهم في تراجع تلك القيم هو الإهمال والتراخي وعدم المسؤولية والانشغال بكل ما هو مستهلك وعابر، مما ساهم في غياب معاييرنا الأصيلة وأدى بالنتيجة إلى ظهور هذا الكم الكبير من الانحرافات والفساد داخل المجتمع.
ما الذي سيحصل لو ارتفع مستوى الضمير والأخلاق والأمانة والشرف والنزاهة؟ في داخل هذا السؤال تتلخص قوة المجتمع ومناعته وقدرته على التغيير وتحقيق كل ما من شأنه أن يكون إيجابياً في جميع مناحي الحياة المختلفة. المهندس الذي يعمل بإخلاص ومهنية، والطبيب الذي يحاول أن يبذل كل ما في وسعه من أجل المرضى، والسائق، والموظف، والعامل، والفلاح؛ عندما يدرك هؤلاء أن رسالتهم الإنسانية ومسؤوليتهم تتخطى كل ما هو مادي إلى ما هو إنساني وأخلاقي حيث يعملون بمعايير الإخلاص والذوق والتضحية، عندما يقدمون خبرتهم لخدمة الإنسان والدولة لتحسين الصالح العام، الأمر الذي من شأنه أن يسمح للإعلام المنصف أن يسلط الضوء على هذه الأدوار من أجل توجيه الرأي العام إلى أهمية هذه المعايير ومصداقيتها ونشرها والتثقيف بها لتكون منطلقاً لتعزيز الوعي وفضح الفساد في المجتمع.
إن مستقبل العراق يعتمد على استعادة ذاكرتنا وتوازننا وقيمنا وأخلاقنا الرفيعة حتى تترسخ من جديد في وعي ووجدان الأفراد. عندما نحقق ذلك فنحن في طريق بناء الدولة الرشيدة والقوية والمنيعة التي يسودها التقدم والمساواة والازدهار والعدل. تلك هي الدولة الكريمة التي تتجه بثقة نحو بناء تقاليد وطنية للمستقبل ومنظومة أخلاقية وقائية للأجيال القادمة.



اضف تعليق