يستيقظ العراقيون اليوم على مشهد سياسي وأمني مثقل بالهواجس، وهم يراقبون بقلق بالغ تسارع الأحداث من حولهم، في وقت لم تلتقط فيه البلاد أنفاسها بعد سنوات طويلة من الأزمات وعدم الاستقرار. فالتغيرات الخطيرة في سوريا، ولا سيما الخلافات المتصاعدة مع قوات سوريا الديمقراطية، وما رافقها من حوادث هروب عناصر تنظيم داعش من السجون ومخيم الهول...
يستيقظ العراقيون اليوم على مشهد سياسي وأمني مثقل بالهواجس، وهم يراقبون بقلق بالغ تسارع الأحداث من حولهم، في وقت لم تلتقط فيه البلاد أنفاسها بعد سنوات طويلة من الأزمات وعدم الاستقرار. فالتغيرات الخطيرة في سوريا، ولا سيما الخلافات المتصاعدة مع قوات سوريا الديمقراطية، وما رافقها من حوادث هروب عناصر تنظيم داعش من السجون ومخيم الهول، ومحاولات تسلل بعضهم باتجاه الأراضي العراقية، تضع العراق أمام تحديات أمنية حقيقية، تتقاطع مع ضبابية المشهد السياسي الداخلي وتعقيدات تشكيل الحكومة، لتعيد إلى الذاكرة مخاوف مرحلة ظنّ العراقيون أنهم تجاوزوها.
التطورات الأخيرة في الساحة السورية لا ينظر إليها العراقيون بوصفها شأنًا خارجيًا معزولًا، بل كإنذار مباشر يمسّ أمنهم الوطني. فتصاعد الخلاف بين دمشق وقسد خلق بيئة مضطربة في مناطق كانت خلال السنوات الماضية تحت رقابة أمنية مشددة نسبيًا. ومع تراجع السيطرة وارتباك المشهد، برزت تقارير عن هروب عناصر متطرفة من السجون، ومحاولات إعادة تنظيم الصفوف، مستفيدين من الفوضى والانشغال السياسي، وهو ما يثير مخاوف جدية من انتقال التهديد إلى الداخل العراقي.
ويُعد مخيم الهول أحد أخطر بؤر القلق الأمني في نظر العراقيين. فالمخيم الذي يضم آلافًا من عوائل تنظيم داعش تحوّل، بحسب كثير من التقديرات، إلى حاضنة فكرية وأمنية قابلة للانفجار في أي لحظة. ومع هروب عوائل داعش من المخيم تتزايد المخاوف من تسلل عناصر متشددة، أو تهريبهم عبر شبكات منظمة باتجاه الحدود العراقية، لإعادة إحياء خلايا نائمة أو تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف زعزعة الاستقرار.
هذه التطورات تأتي في وقت حساس بالنسبة للعراق، حيث لا تزال المحافظات المحررة تعاني من هشاشة أمنية ، فيما تواجه قواتنا تحديات كبيرة في مراقبة حدود طويلة ومفتوحة نسبيًا. ويخشى المواطنون من أن تؤدي عودة نشاط داعش، ولو بشكل محدود، إلى إعادة مشاهد التفجيرات والاغتيالات التي دفع العراق ثمنها دمًا وخرابًا، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع فراغ سياسي أو ضعف في القرار الحكومي.
في موازاة ذلك، يراقب العراقيون التحول في مسار الضغط الأمريكي في المنطقة، بعد أن انتقل من التلويح بضربة مباشرة ضد إيران إلى تحريك ساحات أخرى، ما يُفسَّر شعبيًا على أنه إعادة توزيع للصراع بدل احتوائه. هذا التحول يزيد من شعور القلق، إذ يخشى كثيرون أن يكون العراق مرة أخرى في قلب هذه التوازنات الخطرة، ما يضاعف التحديات أمام أي حكومة قادمة.
داخليًا، تتزامن هذه المخاطر مع تعقيدات تشكيل الحكومة، وسط انقسام سياسي وضغط شعبي متزايد. وفي هذا السياق، يبرز اسم نوري المالكي في النقاش العام، حيث يرى البعض أنه قادر على إدارة مرحلة صعبة تتطلب خبرة سياسية وأمنية، فيما يحذّر آخرون من أن العودة إلى تجارب سابقة قد تعمّق الانقسام الداخلي في وقت يحتاج فيه العراق إلى أعلى درجات التماسك.
في الختام، يشعر العراقيون أن القلق الأمني لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل خطرًا واقعيًا تفرضه تطورات الجوار ومحاولات تسلل الإرهاب من جديد. وبين ضباب السياسة وتعقيدات القرار، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة العراقية على منع اختراق حدودها، وإفشال أي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لأن ثمن ذلك هذه المرة قد يكون أكبر وأكثر كلفة من السابق.



اضف تعليق