ملفات - شهر رمضان

النصيحة بالصبر وضبط حدود الخلاف

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (١٣)

الصَّبرُ هوَ المِفتاحُ السِّحري للدُّخولِ أَو الخروجِ من أَيِّ حوارٍ يتمُّ فيهِ الإِدلاءُ بالنَّصائحِ أَو التَّحذيراتِ أَو الأَفكارِ والآراءِ والرُّؤى بأَفضلِ النَّتائجِ وأَقلِّ الخسائِرِ فإِذا اختلفتَ مع أَيِّ أَحدٍ أَو على أَيِّ شيءٍ ولم تلمِس أُفُقاً إِيجابيّاً للخِلافِ فقرِّر الإِنسحاب بهدوءٍ من دونِ خصامٍ أَو صراخٍ أَو من كُلِّ...

{وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}.

 هذهِ الآيةُ الكريمةُ يجبُ أَن تُرفعَ لافتةٌ مكتوبةً بماءِ الذَّهبِ في كلِّ وسائل التَّواصل الإِجتماعي وفي كُلِّ جلسةِ حوارٍ أَو إِجتماعِ قرارٍ.

 فلَو التزمَ بها الجميعُ لَما خاضَ أَحدٌ صِراعاً باللِّسانِ واليدِ ضدَّ أَحدٍ، ولَما لجأَ أَحدٌ إِلى الخِصامِ والصِّراخِ والسَّبِّ والطَّعنِ والتَّشكيكِ بالنَّوايا والتُّهم الباطِلة ضدَّ أَحدٍ.

 خاصَّةً الجماعةُ الواحدةُ التي يجمعُها مُشتركٌ واحدٌ، دينيٌّ كانَ أَو مذهبيٌّ أَو وطنيٌّ أَو علميٌّ أَو تربويٌّ أَو حتَّى في الأُسرةِ الواحدةِ.

 فالإِلتزامُ بالقاعدةِ الذهبيَّةِ يُحدِّدُ مسارات الخِلاف والإِختلاف في ما نطرحهُ أَو نسمعهُ من نصائحَ أَو تحذيرات أَو أَفكار أَو آراء أَو وجهات نظَر.

 إِنَّها القاعِدة التي يمكِنُ أَن نسمِّيها بـ [حدُود الخِِلاف] والتي نضبط بها إِتِّجاهاتهِ حتَّى لا تفلِت من عِقالِها لمساراتٍ تنتهي بالعلاقةِ بينَ الأَفرادِ والجماعاتِ ورُبَّما حتَّى الأُمم إِلى ما لا يُحمَدُ عُقباهُ وأَقلَّها التَّسقيط واغتيال الشخصيَّة وإِشاعة الفَحشاء!.

 وهيَ تعتمدُ على ما يلي:

 * أَن يكونَ الصَّبرُ هو الضَّابِطةُ الأَساسيَّةُ في قَولِ أَو الإِصغاء إِلى الآخر وعكسهُ يعني المُقاطعة والتَّقاطُع الذي يُضيِّعُ الفِكرةَ.

 إِذا أَدليتَ بنصيحةٍ فاصبِر على شرحِها وتبيينِها حتَّى تتأَكَّد من أَنَّكَ قلتَها بمُحتوى صحيح وبطريقةٍ وأُسلوبٍ سليمٍ {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} من أَجلِ أَن لا يقُولَ لكَ أَحدٌ {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ}.

 * كذلكَ فإِذا أَدليتَ بفكرةٍ فاصبِر على الآخر وامنحهُ الوَقت الكافي لاستيعابِها قبلَ أَن يقرِّر الأَخذَ بها أَو رفضَها، وفي الحالتَينِ فأَنتَ تحتاجُ إِلى الصَّبرِ، فإِذا قبلَها فعليكَ بالصَّبرِ لتتعاونَ معهُ أَو تُعينهُ على تنفيذِها، أَمَّا إِذا رفضَها فعليكَ كذلكَ بالصَّبرِ لتَستوعِبَ أَسبابَ رفضهِ من جهةٍ ولتستعدَّ للإِدلاءِ بأُخرى أَو لتصحيحِ أَو تعديلِ ما أَدليتَ به ليكونَ مُتوافِقاً أَكثرَ مع رأي الآخر ولو بنسبةٍ معقولةٍ، إِذا كانَ أَمرُهُ يهمُّكَ.

 * أَمَّا إِذا كنتَ أَنتَ المعنيِّ بالنَّصيحةِ أَو التَّحذير فالصَّبرُ هُنا واجبٌ للإِصغاءِ أَوَّلاً وللإِستيعابِ وللتَّعاملِ معها بإِيجابيَّةٍ ثانياً وللتَّحليِّ بالأَخلاقِ إِذا قرَّرتَ رفضها ثالثاً.

 فالصَّبرُ هوَ المِفتاحُ السِّحري للدُّخولِ أَو الخروجِ من أَيِّ حوارٍ يتمُّ فيهِ الإِدلاءُ بالنَّصائحِ أَو التَّحذيراتِ أَو الأَفكارِ والآراءِ والرُّؤى بأَفضلِ النَّتائجِ وأَقلِّ الخسائِرِ ولذلكَ قالَ تعالى يُبشِّرُ الصَّابرينَ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

 * المبدأُ الثَّاني هو الهُجران الجميل، أَي المُغادرة من دُونِ زعلٍ مثلاً.

 فإِذا اختلفتَ مع أَيِّ أَحدٍ أَو على أَيِّ شيءٍ ولم تلمِس أُفُقاً إِيجابيّاً للخِلافِ فقرِّر الإِنسحاب بهدوءٍ من دونِ خصامٍ أَو صراخٍ أَو من كُلِّ أَمرٍ سلبيٍّ يقرأُ فيهِ الآخرونَ شخصيَّتكَ وطريقةَ تفكيركَ وأُسلوبكَ.

 إِنَّ الدُّخولَ في الحوارِ، أَيِّ حِوارٍ، بهدوءٍ والخروجِ منهُ بهدوءٍ يُعدُّ من أَرقى الأَدوات الرساليَّة والحضاريَّة في المُجتمعِ، فهوَ يحمي العِلاقاتِ ويُقلِّلُ من الخسائِرِ المُتوقَّعة.

 إِحذر أَن يستفزَّك أَحدٌ بنصيحةٍ مثلاً واحذر أَن يدفعكَ أَحدٌ لتخرجَ عن طَورك وتفقدَ أَعصابكَ بفكرةٍ أَو رأيٍ أَو تحذيرٍ أَو يُفاجِؤُكَ بردِّ بلُغةِ الشَّوارِع!.

 عليكَ دائماً أَن تحتفِظَ بأَعصابِكَ وتحمي أَساليبكَ الإِيجابيَّة التي تُثبِت فيها وقاركَ {فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وفِي الْمَكَارِه صَبُورٌ وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ} كما يصِفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) وثِقتكَ في الحِوارِ خاصَّةً في مجمُوعاتِ التَّواصلِ الإِجتماعيِّ التي عادةً ما تجهل فيها هويَّة المتحدِّث أَو الذي يُعلِّق على منشورِكَ مثلاً أَو المأجور الذي يقبِض ليستفِزَّكَ بمنشوراتٍ صفراءَ ضدَّكَ شخصيّاً أَو ضدَّ الفكرةَ والرَّأي.

 إِنَّ هذهِ المجموعات تحتوي على هويَّاتٍ وولاءاتٍ عديدةٍ بعضُها مشبوهٌ قد يكونُ مُرتبِطاً بأَجنداتٍ خطيرةٍ وأَجهزةٍ وجِهاتٍ مشبوهةٍ وأَنتَ لا تعرفُ عنهُم شيئاً فكيفَ تسمح لنفسِكَ أَان تنخرطَ في جدالٍ لا تعرف معَ مَن تتحدَّث أَو مَن الذي يُجادلكَ ومَن الذي يردُّ عليكَ؟!.

ولذلكَ أَنصحُ أَن لا تجادلَ إِلَّا مَن تعرفهُ شخصيّاً ولا تردَّ على مجهُولٍ، والأَفضلُ أَن يكونَ الجدالُ على الخاصِّ وليسَ في المجمُوعةِ فقد يشترِكُ في الردِّ مَن يُخافُ منهُ وبالتَّالي ستقع في نفسِ المحذُورِ!.

 إِلَّا إِذا كانت المجمُوعة خاصَّةً ومُتخصِّصةً أَسَّسها ويُديرُها مَن تعرفهُ حقَّ المعرِفةِ ولأَهدافٍ ساميةٍ في إِطارِ الجدالِ الذي يسعى لبلورةِ مشروعٍ أُو إِنضاجِ فكرةٍ لصناعةِ رأيٍ عامٍّ. 

 وإِلَّا فإِنَّ الجِدالَ من أَجلِ الجِدالِ عبثٌ وتضييعُ وقتٍ كما يَقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ} فالنَّتيجةُ صِفِرٌ!.

 أَمَّا إِذا تيقَّنتَ بأَنَّهُ يتعمَّدُ استدراجكَ للمِراءِ أَو أَنَّ هدفهُ إِثارة أَعصابكَ لتخرُجَ عن طَورِكَ بالسبِّ مثلاً والتُّهمِ الباطلةِ فالآيةُ الكريمةُ كفيلةٌ بالحلِّ الأَذكى {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} فهذا النُّمودجُ من [المُحاورينَ] لا ينفعُ معهُم إِلَّا أَن تتجنَّبهُم، أَمَّا أَن تسترسِلَ معهُم فتخسرَ نفسكَ وسُمعتكَ!.

 سارِع بتركِ المِراءِ لحظةَ أَن تشعُرَ بهِ قبلَ أَن يُحاطَ بِكَ فيتحوَّل إِلى شِراكٍ يصعبُ عليكَ الخروجَ منهُ {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} فكسبُ السيِّئةُ شيءٌ والإِسترسالُ معها حتى يُحاطُ بكَ شيءٌ.

 فلقد تجاوزَ أَحدٌ على الإِمام عليِّ بن الحُسين السجَّاد زَين العابِدين (ع) في وجههِ فسكتَ (ع) ولم يرُدَّ عليهِ فقالَ لهُ المُعتدي يستفِزَّهُ [إِيَّاكَ أَعني] فقالَ (ع) {وعَنكَ أُغضِي}.

 ولا عليكَ بعدَ ذلكَ إِذا اعتبرَ المُعتدي المُتجاسر مَوقِفُكَ هذا دليلُ ضعفٍ أَو هزيمةٍ أَو عجزٍ فالزَّمنُ سيكشِفُ الحقائِقَ، والتَّجارِبُ كثيرةٌ!.

 ويصفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) أَخٌ لهُ بقولهِ {وكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ ونَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ}.

اضف تعليق