التقوى ليست مجرد صفة فردية، بل هي ملكة روحية يُرجى أن تتحول إلى ثقافة اجتماعية تضمن الأمن والاستقرار. فصيام رمضان هو تمرين على الإمساك عن كل ما يخدش حياء المجتمع أو يمس حقوق الآخرين، ليكون الامتناع عن الطعام وسيلة لكسب علوٍ في مراقي النزاهة والفضيلة وقوة الشخصية...

الحريصون على رشاقة أجسامهم من خلال برامج تخسيس وفق مواصفات طبية، إلى جانب قضاء ساعات عديدة في صالات الـ "جم"، يبذلون جهدهم للالتزام بهذه البرامج والنصائح وعدم الإخلال بالنظام الغذائي، فهم يعيشون حياة غير طبيعية تقريباً حتى يحصلوا على قوام ممشوق وجميل، وهذه الحالة تُسمى بـ "الحِمية الغذائية". وفي شهر رمضان المبارك ثمة فرصة من نوع خاص لتمرين خاص يوفر جمالاً روحياً يوفر لصاحبه مشاعر الفخر والاعتداد لنفسه، ولمحيطه الاجتماعي الاحترام والتبجيل، يطلق عليه القرآن الكريم "التقوى".

التقوى ضرورة اجتماعية 

التقوى تعد من الملكات الروحية القابلة للنمو في النفس كما يؤكد علماء الأخلاق، فهي صفة شخصية تعني الفرد بالدرجة الأولى، ثم يُرجى أن تتحول إلى ثقافة بين الأفراد والجماعات في المجتمع وفي الأمة. وتكون عملية التنمية هذه تدريجياً من خلال تجنب ارتكاب الأعمال والأفعال المنهي عنها في الشريعة، في مختلف نواحي الحياة، ومع مرور الزمن، تزيد نسبة التقوى بنسبة قوة النفس الكابحة لجموح الشهوات والرغبات. ومع تزايد هذه النسبة تتبلور الشخصية الإيمانية للفرد بين سائر أفراد المجتمع، فيقال عنه: إنه إنسان متقٍ وورع، يتجنب النظرات المحرمة إلى النساء، أو يمتنع عن الغش والكذب والاحتيال في السوق، كما يمتنع عن الرشوة والاختلاس في مؤسسات الدولة؛ وبشكل عام، يكون مصداقاً للالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية.

في منطقة سكنية في مدرسة ثانوية للبنات، وتخرج النساء من بيوتهن للتبضّع، ومحال تجارية تعرض البضاعة في الواجهة، ولا يكون فيها شخص واحد يحمل روح التقوى في نفسه، كيف تكون الحياة في هذه المنطقة السكنية؟ من المستحيل تصور الأمن والاستقرار والأمان مع أشخاص لا يتورعون عن فعل كل شيء لتلبية غرائزهم ورغباتهم. في بعض البلدان لاحظت شخصياً وجود سلاسل حديدية تربط البضائع المعروضة خارج المحل التجاري خشية سرقتها على حين غفلة من صاحب المحل الموجود داخل المحل، بيد أن الوضع في العراق يختلف تماماً لوجود نسبة كبيرة جداً من الأمان والثقة بين أفراد المجتمع.

وربما لا نشعر بقيمة التقوى والورع بوجود شريحة لا بأس بها من الأفراد المؤمنين، وبسبب وجود قوة الشرطة كعامل ردع ضد الجرائم والمخالفات، بيد أن ما تعانيه المرأة والفتاة من بعض المتلصصين أو المزعجين في الشارع، وما يعانيه الرجل في محيط عمله من مختلف أشكال التجاوز على حقوقه، كل هذا خارج نطاق عمل الشرطة؛ فالذي يحمي المرأة والفتاة والأطفال أيضاً، هي مشاعر دفينة تتسم بالنُبل والتقوى تظهر من خلال مواقف يتخذها الإنسان المتّقي، فكلما زادت نسبة المتقين، زادت نسبة الأمان في المجتمع. إنها حالة نعيشها يومياً؛ بيد أن صيام شهر رمضان يضخ البركة في أعداد المتقين بين أفراد المجتمع، كما يحول التقوى من صفة فردية خاصة بأشخاص بعينهم، إلى ثقافة اجتماعية تواكب الزمن.

الصيام فرصة على تمرين من نوع خاص 

من أبرز علل وحكم الصيام والإمساك عن الطعام في نهار شهر رمضان؛ ممارسة تمرين على الإمساك عن كل ما يفعله الكثير طيلة أيام السنة وبشكل عفوي من التحدّق في وجوه النساء والفتيات، أو النظر إلى المشاهد المحرمة بشكل لا إرادي أحياناً، وأيضاً الإمساك عن الأفعال والأعمال غير النزيهة في مجالات العمل والدراسة وحتى خلال السير في الشوارع.

وبما أن الله –تعالى– "علام الغيوب"، وعارف ما في نفوس البشر، فإن القرآن الكريم يجعل المسألة نسبية وفق ما يبذله الإنسان من جهاد نفسي، فتقول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فالله تعالى يرجو لنا التقوى من وراء الإمساك عن الطعام خلال نهار شهر رمضان، وبمعنى أدق؛ إننا لا نخسر وجبة الإفطار صباحاً، ولا وجبة الغداء ظهراً، بقدر ما نكسب من هذا الامتناع علواً في مراقي التقوى، وقوة متزايدة في الشخصية الاجتماعية.

ولكن! أي صيام وإمساك هذا الذي ينمّي في نفس الإنسان ملكة التقوى ليرتقي إلى مراتب يباهي الله –تعالى– به الملائكة، كما في روايات عن المعصومين؟ من الناحية الظاهرية الجميع يمسكون عن الطعام والشراب في نهار شهر رمضان، بيد أن الرواية عن المعصوم تميز بين صائم وآخر؛ فثمة صائم "ليس من صيامه إلا الجوع والعطش"، وفي الجانب الآخر ثمة صائم يسعى جاهداً ليكون صيامه وإمساكه عن الطعام لساعات معدودة وسيلة القربى إلى الله –تعالى، وأن يكون كما يريد منه –تعالى–. وفي الحديث المأثور عن الإمام الصادق، عليه السلام: "إذا صمت فليصُم سمعك، وبصرك، وشعرك، وجلدك، -وعدد أشياء غير هذا، يقول الراوي- وقال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك". مثل أي تمرين آخر، نحن مدعوون في شهر رمضان المبارك إلى أجواء جديدة نتعلم فيها أشياء جديدة تضيف إلى شخصيتنا القوة والعزّة، وإلى نفوسنا النزاهة والفضيلة والاطمئنان بأننا في طريق الفلاح.

اضف تعليق