قديماً كنا نحترم بعض مدرسينا كما نحترم آباءنا لأنهم كانوا مثالا صادقاً للسلوك المهني والسلوك الأخلاقي معاً، وقديماً أيضا كنا لا نأسف على احتقار المدرس إذا كان فاشلا علميا وأخلاقيا. وزمن اليوم لم يتغير كثيرا عن زمن الأمس، صحيح أن فترة الحصار التي امتدت أكثر من عقد كامل أحدثت ندوباً واضحة في شخصية المدرس...

قديماً كنا نحترم بعض مدرسينا كما نحترم آباءنا لأنهم كانوا مثالا صادقاً للسلوك المهني والسلوك الأخلاقي معاً، وقديماً أيضا كنا لا نأسف على احتقار المدرس إذا كان فاشلا علميا وأخلاقيا. وزمن اليوم لم يتغير كثيرا عن زمن الأمس.

صحيح أن فترة الحصار التي امتدت أكثر من عقد كامل أحدثت ندوباً واضحة في شخصية المدرس فراح جمع غفير من المدرسين يعمدون إلى انتهاج أساليب تجارية رخيصة في التعامل مع الطلبة وأولياء أمورهم متذرعين بضعف الحال المادي. لكن هذه الفترة بالذات كانت هي الامتحان الأصعب الذي أفرز المدرس الناجح من المدرس الفاشل.

كان المدرس الناجح يتقاضى راتبا لا يكفيه أسبوعا واحدا لكنه كان يحتسب أجره عند الله أو الوطن.. ويجتهد في طلب الرزق بأية وسيلة كسب حلال سانحة.مثل هذا المدرس ربما عمل نجارا أو حدادا أو حتى عتَّالا ولكن ليس قبل أن يؤدي فرض وظيفته العظيمة مدرساً...

بينما كان المدرس الفاشل يقتات على موائد السحت بأية وسيلة حرام سانحة...

أما مدرسو اليوم فقد زادت رواتبهم أضعافاً مضاعفة ولم يعد معظمهم بحاجة ماسة إلى عمل إضافي لكن غالبيتهم الساحقة لا تتقن أكثر من المواظبة على الشكوى لكل أحد من كل شيء لاسيما من المشرفين التربويين ومن الطلبة ومن أولياء أمورهم أيضاً.

لقد انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة طالب قاصر وهو يحاول الانتحار بسبب عدم تأهله لخوض الامتحان الوزاري لمرحلة الثالث متوسط في العراق . وبدلاً من التعاطف الإنساني مع هذا الطفل المسكين مالت أغلب التعليقات إلى السخرية منه ونعته بنعوت لاذعة أدناها أنه كسول فاشل. كلُّ تلك (الفزعة) العشائرية جاءت إما بحجة الانتصار لشخصية المدرس وإما تسجيلا لموقف سياسي تجاه حادثة لا تستحق الذكر فضلا عن السرد ..

أما المعلقون (التواصليون) فلم يخطر ببال أكثرهم التفكير ولو للحظة واحدة باحتمال أن يكون هذا الطفل ضحية لمدرسٍ فاشل..

نحتاج إلى امتحانات وزارية لمعرفة المدرسين الفاشلين فالنجاح والفشل موجود في صفوف المدرسين وفي صفوف الطلبة على حد سواء ومن الظلم الشديد أن يتم التشهير بالطالب الفاشل ويُغضُّ النظرُ عن المدرس الفاشل، لاسيما أن فشل الطالب لا يتعدى الرسوب في بعض المواد الدراسية في حين أن فشل المدرس يتعدى الجانب المهني إلى الجانب التربوي والأخلاقي.

قبل الحكم على هذا الطفل لنعرف أولا أوضاع مدرسته كم هي نسبة النجاح في صفوفها الأولى.. وكم هي نسبة التسرب عن الدوام منها، وكم من المدرسين من يعطي دروساً خصوصية، وكم من المدرسين من يدفع طلابه للانتحار.

.....................................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق