لا يهم حجم التعدي على أملاك الدولة، المسألة لا تتعلق بالكمية، إنما بمعيارين يكمل أحدهما الآخر: من تكون؟ وكيف تعتدي على المال العام؟

قد تُلقى بالسجن لعدة لسنوات وتتعرض لأنواع التعذيب نتيجة فعل بسيط، أذكرك هنا بحادثة "طفل المناديل" فقد انتشرت اخبار في مواقع التواصل الاجتماعي عام 2016 بشأن سرقة طفل لكيس مناديل ورقية، فقضت محمكة السماوة جنوبي العراق بسجنه لمدة عام واحد، نشر الخبر في كبريات وسائل الإعلام العالمية من بينها قناة "فرانس24".

من هو طفل المناديل؟ إنسان بائس فقير لا يعرفه أحد جنوبي العراق، من السهل سجنه.

القضية تشبه ما حدث لجان فالجان بطل رواية البؤساء لفيكتور هوغو، سرق فالجان رغيف خبز ليطعم أسرته ويسد بعض جوعهم، فسجنه القاضي.

من هو جان فالجان؟ بائس من بؤساء فرنسا، لا يجد القاضي صعوبة في سجنه، والنتيجة شخص مشوه السلوك بسبب التطبيقات المشوهة للقوانين على حساب الضعفاء فقط.

قد نتعاطف مع "طفل المناديل" ونكتب لنصرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الكثير غيره سيلقى نفس المصير لأسباب بسيطة. قد نتفاخر بحبنا لجان فالجان لكن ما زال الكثير من رفاق فالجان في بلاد الرافدين وباقي البلاد الاخرى.

أين القيم العليا والقواعد القانونية، وهل يمكن مخالفة ما يشرعه البرلمان؟

إذا كانت الحكومة، من السهل عقد اتفاقية بين الحكومة والسارق، وليس أي سارق، نور زهير أبرز المتهمين بسرقة الأمانات الضريبية التي تقدر بما يقرب من أربعة ترليونات دينار عراقي.

وصفت العملية بـ"سرقة القرن"، وعند معرفة المبلغ المسروق يتبادر للذهن أن المتهم الأول سوف يتعرض لسجن مؤبد أو أكثر، لا يحدث هذا دائماً، فالبلد الذي يكتب جملة "القانون فوق الجميع" في نقاط التفتيش الأمنية، يخصص في نفس النقاط طريق (VIP) للشخصيات الكبيرة تحت مسمى "طريق الأرتال العسكرية" لا يحق للمواطنين البسطاء المرور منه.

قال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إن "القاضي المختص سيصدر أمراً بإطلاق سراح نور زهير بكفالة لتسليم كامل المبلغ خلال أسبوعين".

تصريح غريب، لأن ما نعرفه أن القاضي يصدر حكماً بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمدانين، ولا يعمل معهم تسوية لإعادة المبلغ مقابل إطلاق سراحهم. من السهل على القاضي مصادرة أموال نور زهير بدون الحاجة لعقد تسوية معه.

عدد كبير من المواطنين يستشعرون بأن القانون يطبق بشكل انتقائي، وقضية التسوية الأخيرة تثير الغضب ليس لعامة المواطنين فحسب، بل للمختصين أيضاً، من بينهم الأستاذ الدكتور هادي حسين الكعبي وهو عميد أكثر من كلية قانون في الجامعات العراقية، كتب عبر صفحته الشخصية في الفيس بوك بشأن "تسوية القرن":

(سأكفر بكل حرف تعلمته وعلمته في علم القانون

سأكفر بكل القيم التي أرشدتني لها القواعد العامة

سأكفر بكل مدارس الفلسفة والآيديولوجيات التي أصلت لمفاهيم العدالة

سأكفر بحكم القانون وعموميته وتجريده وانطباقه على الجميع

نور زهير لا يمثل إلا استثناء مذل لكل قانوني عراقي

نور زهير سيظل إنموذجاً ماثلاً لتفاهة المداهنة في تطبيق القانون)

(الإسم) هادي الكعبي

فقط ولا أتشرف بكوني متخصص في القانون.

انتهى الدكتور هادي الكعبي من جلسة التنازل عن شهادته ولقبه العلمي.

يرد عليه الدكتور إياد العنبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد: اكفر بما تشاء، وسأضمن لك الجنة.

الجنة التي نتحدث عنها مخصصة للقابضين على السلطة والمقربين من صانع القرار، فلا بأس أن تشترك بعملية للإستيلاء على المال العام، التعدي صار أسلوب عمل سياسي.

إعمل ما تراه مناسباً، والتسويات تأتي خلفك، إسرق سنتفاوض معك وتخرج منها سليماً معافى ومليونيراً.

خالف القوانين بما يحلو لك، لن نسجنك، بل نعقد معك مفاوضات لبناء علاقات ودية تضمن السلم الأهلي.

أين جملة "القانون فوق الجميع"؟

إنها هناك، في نقاط التفتيش الأمنية، حيث يقسم الناس إلى صنفين:

عامة الناس وهم يقفون في طوابير انتظار طويلة.

ورجال السلطة وأصحاب السيارات المضللة، وهؤلاء لديهم طريق مفتوح بلا زحامات (VIP) اسمه "طريق الأرتال العسكرية".

اضف تعليق