من بين الاسباب الكثيرة التي ادت الى سقوط بغداد على يد المغول في العام 1258 اثر غزو هولاكو، انشغال الخليفة المستعصم، باللهو واللامبالاة والتهور وانسياقه وراء الشهوات، حتى وصف بالبله، وقيل عنه غير ذلك الكثير.. ولعل من بين الاسوأ الذي واجهه الناس وقت الخليفة هذا، ان بغداد سنة 1256 اي قبل عامين من سقوطها تعرضت الى الغرق وكان كارثيا ومرعبا لهول الدمار الذي سببه.

اذ يقال انه اغرق بيوتا وازال متاجر كبيرة، فتفشى السلب والنهب نتيجة الجوع والفوضى التي عمّت البلاد، ويذكر المؤرخون ان نصف مساحة العراق قد خرّبت نتيجة هذا الفيضان الرهيب، بينما الخليفة وفقا للمؤرخ أبن كثير؛ ((كَانَ فِيهِ لِينٌ وَعَدَمَ تَيَقُظٍ وَمَحَبَّةٌ لِلمَالِ وَجَمعِهِ))!! وقد استوقفتني هذه الاخيرة كثيرا، لأن الانسان اذا ما انغمس بحب المال خسر اشياء كثيرة أغلى منه، وهذه باتت بديهية يعرفها ابسط الناس.. الفيضان المدمر هذا دخل التاريخ باسم (الغرق المستعصمي) نسبة الى الخليفة المستعصم، والعبارة تحيل بالطبع الى تحميله المسؤولية عن ذلك.

لا نأتي بجديد حين نقول ان الدولة العباسية قبل سقوطها بعقود كانت مقسّمة فعلا، اذ اصبحت الامصار العباسية شبه مستقلة، وغير خاضعة فعليا لسيطرة الدولة.. البويهيون سيطروا على اغلب بلاد فارس، والسلاجقة على وسط اسيا (تركيا)، والحمدانيون على الموصل وحلب، والبريديون على البصرة، والقرامطة على البحرين، والاخشيديون والفاطميون تنازعوا على مصر، انتهى لصالح الاخيرين، بينما مركز الخلافة بغداد عاجز والخراب يتمدد من حوله.

لو تأملنا عراق ما بعد الاحتلال الاميركي، لوجدنا تشابها كبيرا بين ظروف بغداد ما قبل سقوطها على يد المغول وبغداد اليوم التي يسعى البعض وبقوة لإضعافها وانهاء دورها كمركز للدولة العراقية الحديثة، وتحت عناوين مختلفة تنتهي كلها الى هدف واحد، هو ان كل جهة تريد ان تسيطر على ما بين ايديها او تحت سلطتها من ثروات.

إنه حب المال نفسه وشهوة السلطة التي أعمت الكثيرين عن القيام بواجباتهم، بوصفهم مسؤولين عن المال العام وتصريفه لخدمة الناس.. وهكذا انحدرت البلاد الى الحال الذي وصلته، وباستمرار هؤلاء على رأس المسؤولية ستهوي الى قاع سحيق لا سمح الله، لكن املنا بالخيرين وهم الاغلبية في البلاد يبقى كبيرا بالتأكيد.

وبما إن أمور الدولة ومشاغلها مترابطة، فإن الحديث اليوم عن الجفاف الذي يهدد العراق بالتصحر الشامل، هو انذار نهائي للساسة المتصارعين على السلطة والمال، بانكم ان لم تتخذوا الاجراءات الكفيلة بإيقاف هذا الخطر الداهم، الجفاف، فإن الذي سيحصل للعراق وبغداد ربما يكون بقسوة ما حصل لها على يد المغول، لان الماء هو الحياة والحياة هي الماء، وان الوفرة السابقة التي كانت تتسبب بفيضانات مرعبة، باتت اليوم معكوسة تماما، اي ندرة مخيفة وستتسبب ليس بجفاف الانهار وحدها بل بجفاف الحياة وذبولها في العراق، وحينها سيدخل هذا الحدث التاريخ، بعنوان (الجفاف الديمقراطي).

اي ان عمليتكم السياسية (الديمقراطية) بما استجلبت للبلاد من مآس متلاحقة ستختمها بخراب العراق الذي أنتم وليس غيركم المسؤولون عنه، لأنكم لم تطالبوا بحقوق شعبكم في المياه من دول المصب بسبب ضعفكم اوتماهيكم معها، ولم تعملوا، وفقا لمسؤوليتكم، على التعامل بمهنية وعلمية لمواجهة هذا الخطر لترشيد المياه الداخلة، وهي ان رشّدت، كما يحصل في دول العالم اليوم والتي تواجه شحّة بالمياه أكثر منا، فستكفي العراق ونستطيع ان نصدّر الفائض منها للجوار!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق