طرحت هذا السؤال قبل ايام، وهو ينطوي على مفارقة لغوية بسيطة، لكنه في العمق يضرب في قلب إشكالية الهوية السياسية للدولة العراقية، ولذلك طبيعي أن يذهب الناس في تفسيره مذاهب شتى، كلٌّ يقرأه من موقعه النفسي والسياسي. أنا أفهم الجملة كتمييز بين مستويين للانتماء...
طرحت هذا السؤال قبل ايام، وهو ينطوي على مفارقة لغوية بسيطة، لكنه في العمق يضرب في قلب إشكالية الهوية السياسية للدولة العراقية، ولذلك طبيعي أن يذهب الناس في تفسيره مذاهب شتى، كلٌّ يقرأه من موقعه النفسي والسياسي.
أنا أفهم الجملة كتمييز بين مستويين للانتماء: انتماء فرعي هوياتي (قومي/طائفي) وانتماء وطني-دولتي، وكأن السؤال هو: هل رئيس الدولة يُعرَّف أولاً بهويته القومية أم بوظيفته الدستورية بوصفه رئيساً لدولة اسمها العراق؟ السؤال ليس سؤالاً عن شخص كردي بعينه، بل عن منطق كامل يحكم التفكير السياسي.
القراءة الأولى السطحية تقول إن لا فرق، لأن أي رئيس كردي هو عراقي بالضرورة، وهذا صحيح قانونياً، لكن السؤال لا يقف عند هذه البديهية، بل يلمح إلى فرق في زاوية التعريف: حين نقول “رئيس كردي للعراق” فنحن نقدّم الصفة القومية على الصفة الوطنية، وكأن الكردية هي الأصل والعراقية وظيفة لاحقة، بينما عبارة “رئيس عراقي للعراق” تجعل العراق هو الإطار المرجعي الأول، وتصبح القومية تفصيلاً شخصياً لا مدخلاً لتعريف المنصب.
هنا يتحول السؤال إلى نقد مبطن لمنطق المحاصصة والهويات السياسية المغلقة، لأن هذا المنطق هو الذي جعلنا نسمع باستمرار: هذا المنصب للكرد، ذاك للشيعة، ذاك للسنة، حتى صارت الدولة تُرى كاتحاد حصص لا ككيان سياسي واحد، فالتغريدة – بهذا الفهم – تقول: هل نريد رئيساً يمثل “حصة قومية” داخل العراق، أم رئيساً يمثل “الدولة العراقية” بكل مكوناتها بغض النظر عن أصله القومي؟
بعض الناس ربما قرأها كتشكيك في وطنية الكرد، ولهذا غضب، لكن القراءة الأعمق ترى أنها بالعكس تتجاوز ثنائية “هذا من هذه القومية وذاك من تلك” نحو سؤال الدولة الحديثة: هل المنصب العام يُعرَّف بهوية شاغله أم بطبيعة الوظيفة؟ في الدولة الحديثة، رئيس الجمهورية ليس “رئيس جماعته داخل الدولة” بل “رمز الدولة ككل”، أي أن صفته الدستورية يجب أن تذيب صفاته الفرعية داخل الإطار الوطني.
التغريدة إذن لا تتحدث عن الكرد بوصفهم قومية، بل تستخدم المثال الأكثر شيوعاً في الخطاب السياسي العراقي لتسأل سؤالاً أوسع: متى نكفّ عن تعريف المناصب السيادية بلغة المكونات، ونبدأ بتعريفها بلغة الدولة والمواطنة؟ ومتى يصبح الأصل في توصيف المسؤول أنه “عراقي” أولاً، وتبقى بقية الهويات في المجال الثقافي والاجتماعي لا في تعريف الوظيفة السياسية العليا؟
لهذا تباينت ردود الفعل، لأن من يرى الدولة عقد مواطنة سيفهمها دعوة لتجاوز المحاصصة، ومن يرى السياسة ساحة تمثيل هويات خائفة سيفهمها تهديداً لتوازنات يراها ضمانة لوجوده. التغريدة في جوهرها سؤال عن أي عراق نريد: عراق الحصص أم عراق الدولة الحديثة؟



اضف تعليق