تساؤلات كثيرة أثارها سقوط مدينة الرمادي بيد تنظيم داعش الإرهابي تمثلت بالقوى التي استطاع هذا التنظيم في ظروف غامضة من خلالها اختراق آلاف المدافعين من قوى أمنية محلية وحكومية مركزية والسيطرة عليها، وعن التغييرات والاستعدادات التي طرأت على بنية هذه المنظومة والقرارات السياسية والعسكرية الموجهة والمحركة لها خصوصا بعد أن منيت بإخفاقات كبيرة قبل عام في أكثر من مدينة ومنها مدينة الموصل، أيضا تساؤلات عن جدوى تحرير مدينة صلاح الدين وفي المقابل فقدان هذه المدينة الكبيرة.

أعمال هذا التنظيم في هذه المدينة وغيرها أضحت وبصورة جلية تمثل منظومة متكاملة في التخطيط العسكري والاقتصادي والاجتماعي والديني والإعلامي، وهذه حقيقة لابد من ذكرها ليس من باب التهويل أو التمجيد بهذا التنظيم الإجرامي فالبعض يضع هذا التنظيم في خانة المؤامرة الدولية وهذه حقيقة لكن ليست كلها، والبعض يضعه في خانة بقايا البعث والأجهزة القمعية الأخرى وهذه أيضا حقيقة لكن ليست كلها وهلم جرا ؛ كما ان الأسلحة التي استخدمها التنظيم في إسقاط مدينة الرمادي مألوفة عند القوى الأمنية وهي الآليات المفخخة المختلفة والأحزمة الناسفة، إذ لم تكن لديه أسرابا من الطائرات المقاتلة أو تلك الدروع التي يمتلكها الجيش العراقي.

وهنا يطرح الاستفهام حول ما السر في ذلك التراجع غير المبرر والذي تكرر أكثر من مرة وكاد في أول تطبيق لهذا التراجع في مدينة الموصل قبل عام أن يصبح العراق كله لقمة سائغة بيد هذا التنظيم التكفيري. لكن اليوم وبعد تلك التجربة السابقة وأمام الكم العددي العسكري في مدينة الرمادي قبل سقوطها، يبرز للعيان خلل منظومة القيادة العسكرية والسياسية للأجهزة الأمنية وأفرادها والتي تتمثل في الآتي: -

1- قصور في الإعداد النفسي والروح الوطنية.

2- خلل في الاعداد البدني والحرفي.

3- قلة الكفاءة والخبرة في مواقع القيادة العسكرية والسياسية.

4- خلل في الإعداد والتخطيط المرحلي والاستراتيجي في إدارة المعارك وإدامة الزخم فيها.

إصلاح الخلل في هذه المنظومة الحساسة ليس بالعبء العسير ومن غير الممكن تجاهله بتبريرات اعتاد الشعب العراقي على سماعها منذ أكثر من عشر سنوات، خاصة وان هنالك حاجة ملحة لهذه الإصلاحات والإجراءات تتمثل في وجود تنظيم إجرامي عالمي على الأرض يحكم وينتشر بقبضة حديدية في مدن ومناطق واسعة من العراق ما يدل على ان هنالك إمكانية في إصلاحها هو ما حدث في مدينة تكريت حيث استطاعت قوى الحشد الشعبي والقوى الامنية قبل أكثر من شهر إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش فيها، ولكن ما أعقب هذا الانتصار الذي تحقق على الأرض تمكن هذا التنظيم فيما بعد من إخضاع مدينة الرمادي لسيطرته واحتلاله لمركزها وهنا تؤشر حالة الخلل التي اشرنا اليها، الواقع الميداني لسقوط هذه المدينة وما لحق بها جعل الجميع يتساءل عن الجدوى العسكرية والشعبية والإعلامية في تحرير مدينة مثل تكريت وفي ما بعد تسقط مدينة أخرى تفوقها في المساحة والموقع الجغرافي بأضعاف، كلها ذات حدود شاسعة مع سوريا والتي تشكل حدود الأخيرة معاقل آمنة ومستقرة لهذه التنظيم وأيضا قربها من العاصمة بغداد ومدينة كربلاء التي يهدد التنظيم باقتحامها بين الحين والآخر كما يصرح قادته، والأسباب التي أدت إلى سقوط هذه المدينة يمكن اجمالاها بالاتي:-

1- الانقسام الشعبي والسياسي داخل هذه المدينة في الموقف من تنظيم داعش من جهة، والموقف من الأجهزة الأمنية الحكومية المختلفة من جهة أخرى.

2- حالة الاسترخاء لدى الأجهزة الأمنية المختلفة بعد تحرير مدينة تكريت وعدم الاسراع في تعزيز مواقعها في هذه المدينة ومن ثم دعم وإسناد القوات الأمنية في الرمادي.

3- الموقف الأمريكي الرافض لدخول قوى الحشد الشعبي لمساندة الأجهزة الأمنية في هذه المدينة وتبرير ذلك في الحذر من تبعات وانعكاسات طائفية حال دخول قوات الحشد الشعبي إلى جانب القوات الأمنية الأخرى المرابطة لمقاتلة التنظيم في هذه المدينة.

5- عدم جدية ضربات التحالف الدولي المشكل لمواجهة تمدد هذا التنظيم.

6- انسحاب القطعات العسكرية المرابطة في هذه المدينة خصوصا قيادة عمليات الانبار والذي كان انسحاباً مفاجئاً مع الشرطة المحلية لأسباب لم تعرف مبرراتها إلى الان ولا يزال الجدل دائرا حول هذا الانسحاب كما هو قائم في أحداث الموصل قبل عام.

من خلال ما تقدم هنالك ثلاث ارادات شكل الصراع أو التناقض فيما بينها تدهور الوضع الأمني لهذه المدينة ومن ثم سقوطها أخيرا، وهي:

1- ارادة تنظيم داعش الإرهابي: لا يزال هذا التنظيم في العراق له مواقع قدم في المناطق التي يسيطر عليها وساعيا بشتى الوسائل لتوسيعها وهنا تبرز الضرورة الملحة من قبل المعنيين لمواجهته وعدم الاستهانة والاستهزاء بقدراته واستراتيجياته في ادارته للمعارك والمناورات التي يقوم بها، منها العسكرية الميدانية على الأرض والإعلامية والنفسية وغيرها، لقد استفاد هذا التنظيم من الزخم العسكري الحكومي الذي تركز في مدينة صلاح الدين ليوجه مقاتليه إلى مدينة الرمادي، وبذلك استطاع نقل اكبر عدد من قواته من مدينة الموصل والمنسحبين من مدينة تكريت إلى هذه المدينة الشاسعة، وبذلك استطاع تعويض خسارته في تكريت بربحه مدينة الرمادي.

2- إرادة التحالف الدولي: ضعف التحالف الدولي في مواجهة داعش جعل بعض أطراف الحكومة العراقية والفصائل المنضوية تحت خيمة الحشد الشعبي تعترض وتتجاهل دوره في العراق، وهذا التجاهل سبب إزعاج كبير للتحالف وخاص الولايات المتحدة، فالتحالف الدولي المشكل من 60 دولة والذي تقوده الولايات المتحدة أدرك أن تحرير مدينة تكريت من داعش سوف يتسبب بهزيمة مماثلة لهذا التنظيم في أماكن أخرى في العراق وهذا من شأنه أن يعرض الاستراتيجية الأمريكية والغربية التي تتحدث عن سنوات للقضاء على داعش إلى التعري المحرج أمام الرأي العام العالمي ولشعوب قوى التحالف، وحسب التحليلات انه استطاع بصورة غير مباشرة وخفية توجيه ضربة للحكومة العراقية والحشد الشعبي بالسماح لتنظيم داعش في السيطرة على مدينة الرمادي كونه يسيطر على سماء هذه المدينة.

3- إرادة الحكومة العراقية والقوى الشعبية التابعة التي تمثلها: الحكومة العراقية والحشد الشعبي التابع لها معنية مباشرة في القتال مع هذا التنظيم والقضاء على وجوده، فهي أمام عدد من التحديات في حربها مع هذا التنظيم، فالضغط الشعبي الناقم على الحكومة من عدم فاعلية قواتها الأمنية وقدرتها على حسم المعارك مع هذا التنظيم، وعدم وجود إستراتيجية لمواجهة حرب الاستنزاف البشرية والاقتصادية والنفسية والإعلامية التي يمارسها هذا التنظيم في قتاله، إذ تحاول الحكومة اختصار الزمن في تحرير المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، ومشكلة النازحين والمهجرين من المناطق التي يسيطر عليها هذا التنظيم والذين يشكلون عبئا اقتصاديا ومجتمعيا عليها، في المقابل الحكومة تدرك الأبعاد الإقليمية والدولية لهذا التنظيم.

وفي النهاية، لابد من الإشارة إلى أن أهداف هذا التنظيم تمثل مشروع خطط له من أعلى المستويات في الدوائر العالمية والإقليمية المرتبطة بها والتي تستهدف القضاء على كل ما موجود في المنطقة وخاصة العراق وبعناوين مختلفة خصوصا الدينية، وهنا على صانع القرار السياسي والعسكري وكل من له علاقة الإمعان لخطر هذا التنظيم بصورة حقيقية ووضع الخطط والعدة والاستعدادات الكافية لمواجهته والقضاء عليه خصوصا فيما تبقى من مدن يستحوذ عليها في العراق كـ: الرمادي والموصل.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق