التاريخ المعتق هو مجموعة احداث مختزلة لحياة شعب في فترة زمنية محددة، استبعدت منها كل الوقائع السلبية بينما تمت رواية الايجابية منها باحترافية شديدة، يتم تداول تلك الاحداث بين الاجيال الجديدة كنوع من الحنين الى ماضٍ نقي خال من المشاكل الاقتصادية والسياسية والامنية.

يصلح التاريخ المعتق كمُسَكر للاشخاص الذين وضعوا عقولهم في صناديق واقفلوا عليها وضيعوا المفتاح، ولتجاوز قلق الحاضر يرتشفون يوميا عصير الزمن الجميل لعلهم يهربون مما يمرون به لثقل اقفال العقل التي أصابها الصدأ.

هذا التعاطي السلبي مع التاريخ يجعله اداة استعادة لا اداة استحضار، فالامم تتعامل مع الماضي بطريقتين، اما باستحضارها من اجل استخلاص الدروس، وهذا ما فعلته اوربا على سبيل المثال حينما تجاوزت ويلات حروبها، والطريقة الثانية هي باستعادة التاريخ واجتراره، وهذا ما تفعله البلدان العربية، والعراق منها.

قطع غيار غير صالحة

لعملية استعادة التاريخ نتائج خطيرة، فالامة تستخدم قطع غيار قديمة متهرئة لواقع مختلف تماما، على سبيل المثال، كان نظام حزب البعث هو الايدلوجيا الحاكمة في البلاد، وبغض النظر عن اخطائه التي يعرفها الجميع، فانه لا يصلح للوضع العراقي الراهن اطلاقا، لسبب بسيط، فالبعث يؤمن بنظام الحزب الواحد والزعيم الاوحد، وهو تناقض صارخ مع النظام الديمقراطي التعددي. (متفقون على ان الديمقراطية لها اخطاء، لكن حزب البعث لا يؤمن بالديمقراطية اطلاقا باخطاء او بدونها).

نعم الديمقراطية العراقية لا تزال في عمر مراهقتها السياسية، والعدالة في مستويات متدنية، والسلوك القانوني شحيح، وهذه كلها تناقضات مع جوهر النظام الديمقراطي، وبالتالي نحن بحاجة الى إعادة تقييم لاسباب عدم نضوج نظامنا السياسي، وما قد يترتب عليه في حال استمراره بحالته المريضة او باستبداله كليا اذا تطلب الامر.

المشكلة التي تواجه أي عملية تفكير بما يجري في العراق، هم أولئك الذين يحنون الى الزعيم الأوحد، تجدهم اول من يخرج في التظاهرات المطلبية رافعا راية الكرامة، وفي الوقت نفسه يحمل صورة الزعيم الديكتاتوري"صدام" في يده الأخرى، وتفسيره للتناقض هذا بزعم الحصول على الامن والاستقرار الذي توفره الأنظمة المستبدة.

نظام ديكتاتوري لشعب متحرر

هذه العقلية الاسترجاعية للتاريخ دفعت مجموعة طلبة جامعة الانبار الى رفع صورة الزعيم الديكتاتوري صدام، ما تسبب بجدل كبير ومطالبات بمحاسبة هؤلاء الطلبة وفتح تحقيق في الموضوع، حيث تجرّم القوانين العراقية كل من يروّج لحزب البعث او الزعيم الديكتاتوري صدام.

ان الدعوة او مجرد التفكير بالعيش في حياة ما قبل ٢٠٠٣ تمثل تناقضا مع سلوكنها السياسي والاجتماعي، فنحن ندعو لتعزيز الحريات العامة، واعطاء الحقوق وتلك لا تتوافر لدى حزب ديكتاتوري، والمشكلة الفاضحة ان من يروجون للوضع السابق يرفضون اي قانون يقيد جزءا بسيطا من حرية الرأي والتعبير التي تعد الافضل على مستوى المنطقة.

حزب البعث لا يؤمن بالاخر، والسلطة هي الهدف الاسمى له، وفي هذه المعادلة تحول اسم "الشعبة الخامسة" مرادفا للإرهاب (مضروبا بعشرة اضعاف)، ومعادلا صوريا لعشرات الأجساد المقطعة بالتعذيب، ولا فرق في حينها بين ان يحملك الناس الى وادي السلام بالنجف الاشرف او اقتيادك الى "الشعبة الخامسة" لانك في الحالتين قد فقدت حياتك او رأيت ما هو اسوء من الموت.

هذه الأجهزة الأشد قمعية في المنطقة، كانت لا تجد أي حرج في اجبار المواطن الذي يملك سيارة في وضعها بخدمتهم والذهاب معهم الى محافظات أخرى وقضاء يوم او يومين او اكثر دون ان يعلم به اهله، وكل ذلك يحدث تحت ما يسمى "السخرة".

البيئة التي تجعل من الرئيس ومن ينتمي لحزبه ومن يمجده هو الأقرب لتحقيق مصالحه، وفي ظل اقتصاد غير موجود أصلا، يسنده جهاز امني لا يعرف من الرحمة شيء؛ اصبح التعبير على الراي في زمن البعث المقبور "ترفاً" لا يمارسه الا من يعشق الموت، او تدرب على تحمل ضربات "الكيبلات".

هكذا يكون التاريخ المعتق، انه لحظة سكر في تعقيدات الديمقراطية الفتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0