تمثل زيارة الأربعين مشروع مجتمع مصغرًا ومختبرًا حيًا لقدرة العراقيين على التعايش والتعاون والتنظيم. أما رهان التحول الحقيقي، فيكمن في قدرة النخبة السياسية ومؤسسات الدولة على استلهام هذا النموذج لترميم بنية الدولة، وتحويل قيم التضامن والخدمة والثقة إلى ممارسة دائمة تؤسس لمواطنة فاعلة ودولة أكثر عدلًا واستقرارًا.
تطرح زيارة الأربعين في العراق مفارقة لافتة بين قدرة المجتمع على إنتاج تنظيم واسع وتضامن عابر للمناطق والفئات، وبين ضعف مؤسسات الدولة سياسيًا وخدميًا في إدارة الشأن العام. ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم هذه المفارقة لا بوصفها حدثًا موسميًا فحسب، بل بوصفها نموذجًا اجتماعيًا كاشفًا لإمكانات العراقيين في التعاون والتنظيم والخدمة. كما يفتح هذا النموذج سؤالًا أعمق حول الآليات الكفيلة بتحويل قيم الزيارة من ممارسة مجتمعية مؤقتة إلى عقد اجتماعي دائم يسهم في ترميم بنية الدولة، ويؤسس لمواطنة فاعلة قائمة على المسؤولية والثقة والتضامن.
أولًا: تفسير المفارقة بين فاعلية الزيارة وضعف الدولة
تعكس هذه المفارقة في العمق ازدواجية النموذج الذي يعيشه العراق. ففي أيام زيارة الأربعين، يظهر نموذج حضاري بديل قائم على مجموعة من القيم والسلوكيات التي تكشف قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وإدارة موارده البشرية والمعنوية بصورة لافتة.
1. القيم في مقابل المصالح: خلال زيارة الأربعين، تتراجع الحسابات المادية والمصالح الضيقة، ليحل محلها منطق العطاء والإيثار والخدمة. ففي هذه المناسبة، تُختبر قدرة المجتمع على إدارة نفسه بنفسه، لا من خلال منطق الربح أو السلطة، بل من خلال منطق الواجب الأخلاقي والمسؤولية الجماعية.
2. الثقة الاجتماعية: تكشف الزيارة عن رصيد هائل من الثقة الاجتماعية، وهي ثقة تبدو مفقودة في كثير من مجالات الحياة العامة. ففي أيام الزيارة، تفتح الأسر بيوتها، ويقدم الغرباء الخدمات بعضهم لبعض، وتُدار مساحات واسعة من التعاون دون رقابة مباشرة أو إلزام قانوني، وهو ما يدل على وجود طاقة أخلاقية واجتماعية كامنة داخل المجتمع العراقي.
3. التنظيم الذاتي: ينتج المجتمع خلال الزيارة نظامًا لا مركزيًا واسعًا من المواكب والتطوع والخدمات، يتسم بدرجة عالية من الانضباط والقدرة على إدارة حشود كبيرة. وهذا يثير سؤالًا مهمًا: لماذا تنجح هذه الآلية في الزيارة، بينما تتعثر في مؤسسات الدولة؟
إن الجواب يرتبط بغياب العقد الاجتماعي الذي يربط الحاكم بالمحكوم. فحين يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات بسبب الفساد والضعف وسوء الإدارة، يتجه نحو البدائل المجتمعية التي تمنحه معنى الانتماء والثقة والفاعلية. وهنا تصبح الزيارة مرآة تكشف ضعف الدولة من جهة، وقوة المجتمع من جهة أخرى.
ثانيًا: آليات تحويل قيم الزيارة إلى عقد اجتماعي دائم
يكمن جوهر التحول المطلوب في استثمار هذه الحالة الاستثنائية وتحويلها إلى حالة دائمة، بحيث لا تبقى قيم الأربعين محصورة في أيام الزيارة، بل تتحول إلى ثقافة عامة تسهم في بناء الدولة والمجتمع.
1. ترسيخ ثقافة المواطنة: ينبغي تحويل قيم الزيارة، مثل المسؤولية والتضامن وقبول الآخر، من ممارسة موسمية إلى منهج تربوي وإعلامي وثقافي دائم. فهذه القيم يمكن أن تكون أساسًا للانتماء الوطني الجامع، لا للانغلاق الطائفي أو الهوياتي الضيق.
2. بناء الدولة على نموذج الخدمة: كما يصبح لقب "خادم الزائرين" مصدر اعتزاز خلال الزيارة، ينبغي أن تتحول "خدمة المواطن" إلى معيار أساسي لنجاح المؤسسات والمسؤولين. فالدولة لا تُبنى بالسلطة والامتياز، بل بالخدمة والعدالة والكفاءة والمسؤولية أمام الناس.
3. تفعيل المشاركة المجتمعية: تملك زيارة الأربعين طاقة تطوعية هائلة يمكن استثمارها في مشاريع تنموية دائمة، من خلال تمكين المجتمع المدني، وتنظيم المبادرات المحلية، ونقل روح التنظيم الذاتي من إدارة الزيارة إلى إدارة الشأن العام المحلي، خصوصًا في مجالات النظافة والخدمات والرعاية الاجتماعية والعمل التطوعي.
4. إعادة إنتاج الخطاب السياسي: من الضروري التوقف عن تسييس الزيارة أو استخدامها كورقة خطابية، والاعتراف بها بوصفها قوة ناعمة جامعة تعبّر عن إرادة شعبية قادرة على دعم الإصلاح ومحاربة الفساد. فالزيارة ليست مجرد حدث ديني، بل مساحة اجتماعية كبرى يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الثقة والخدمة والمسؤولية.
الخلاصة
تمثل زيارة الأربعين مشروع مجتمع مصغرًا ومختبرًا حيًا لقدرة العراقيين على التعايش والتعاون والتنظيم. أما رهان التحول الحقيقي، فيكمن في قدرة النخبة السياسية ومؤسسات الدولة على استلهام هذا النموذج لترميم بنية الدولة، وتحويل قيم التضامن والخدمة والثقة إلى ممارسة دائمة تؤسس لمواطنة فاعلة ودولة أكثر عدلًا واستقرارًا.



اضف تعليق