لو نتصفح التاريخ للاعتبار والاستفادة من تجارب النساء الناجحات نتعرض لصدمة عنيفة للفاصلة بيننا وبين نماذج راقية ومميزة من نساء وظفّن الكلمة الشجاعة والخطاب البليغ والفصيح لمواجهة السلطان الجائر، ولمعالجة الفساد في الدولة والمجتمع. وفي هذا المقال ومضة سريعة أحسبها محاولة للتذكير و{إن الذكرى تنفع المؤمنين}، علّنا نفلح في تعزيز الشخصية الحقيقية والمؤثرة للمرأة...
سجلت المرأة في صدر الإسلام مواقف مميزة صنعت بها أحداث جمّة، وفي نفس الوقت عبّرت عن شخصيتها الجديدة في ظل النظام الاجتماعي في الاسلام، فهي لم تعد تلك الراثية لموت الأب أو الزوج أو الأخ في سوح القتال بين القبائل العربية، كما كانت الخنساء تمثل الوجه الأبرز لشخصية من هذا النوع، وإنما وجدت نفسها في ظل الإسلام أمام أفق أبعد لأدوار ذات تأثير على الحدث السياسي، وعلى البناء الفكري والثقافي للأمة.
هذه الأدوار البارز في ناصية التاريخ لم تكن أدواتها السلاح الذي يتمنطق به الرجال، وإنما الكلمة البليغة والخطاب الفصيح والنافذ، مشفوعاً بالأدلة والبراهين لنصرة الحق وأهله، وخذلان الباطل وأهله.
واذا نريد المثل الأعلى للمرأة في الاسلام في هذا المسار، فان الخطباء والأدباء والكتاب أفرغوا ما في جعبتهم لإظهار الدور الرسالي العظيم للصديقة فاطمة الزهراء، عليها السلام، من خلال سلاح الكلمة، وكيف أنها تصدّت بشجاعة فائقة لتيار الانحراف عن الرسالة بعد رحيل أبيها رسول الله، صلى الله عليه وآله، ولو أن الاقلام والكلام لن يفي بحق هذه الصديقة الطاهرة وما قدمته للإسلام كعقيدة ونظام للحياة ما يضمن حياته وسلامته الى يوم القيامة، ولعل أهم دور يمكن الاشارة اليه؛ تحفيز نساء المسلمين على التسلّح بالكلمة الصادقة والمسؤولة لمواجهة أي انحراف في الامة.
فعندما تتعرض هذه الامة لفتنة سوداء تتمثل في تولّي شخص معاوية بن أبي سفيان قيادة الأمة بعد واقعة "الهدنة"، ويصفو له الجو، بعد استشهاد أمير المؤمنين، وتنحّي الامام الحسن عن الحكم –وليس الخلافة والقيادة الإلهية- فان المسؤولية تقع على أفراد الأمة للنهوض وخوض الحرب الباردة بعد توقف الحرب الساخنة لئلّا يزول الحقُ عن مَحلّهِ ويَغلبَ الباطلُ على أهله"، كما نقرأ في دعاء الندبة، وهذا ما برعت فيه نخبة من النساء المسلمات الرساليات في فترة تولي معاوية الحكم المطلق على الأمة بالتوافد عليه في قصره بالشام بدعوة منه تارةً، و بمبادرة منهنّ لتقديم شكوى أو قضية تخصّ اوضاع الأمة.
وقبل الخوض في أمثلة رائعة من هذا التراث الأدبي –الرسالي الثرّ، أجدني ملزماً بالإشارة الى فضل الامام الحسن المجتبى، سلام الله عليه، في فترة تولّي معاوية زمام الحكم بعد تنحية فيما بات يُعرف ب"صلح الإمام الحسن"، وهو لم يعدو كونه هُدنة لا غير، فقد سجل التاريخ سلسلة مناظرات أجراها الإمام في محضر الأمويين وأمام شخص معاوية خلال سفره الى الشام لعدة مرات، وخلالها شن الإمام الحسن حروباً كلامية سجل فيها انتصارات باهرة، إذ كان يخرج من الشام وقد أفحم القوم، وأظهر زيفهم، وافتقارهم لشرعية الحكم، بل وكشف ضلالة منهجهم وحنينهم الأبدي الى الجاهلية، وهو ما جرّأ عديد المسلمين من حملة الوعي والثقافة الرسالية، ومنهم النساء من نخبة المجتمع الاسلامي، لأن يقولوا كلمة الحق عند سلطان جائر.
في هذا الحيّز نذكر نموذجين فقط من تلكم المواقف النسوية المشرفة، وفي التاريخ العديد منها لمن يريد مراجعة كتاب "أخبار الوافدات على معاوية" للعباس بن بكار.
ومما جاء في هذا المؤلف، أن معاوية اراد توجيه ضربة نفسية لآمنة؛ زوجة عمرو بن الحمق الخزاعي، أحد أبرز رجالات أمير المؤمنين، فبعد ارتكابه جريمة قتله ظلماً وعدواناً في قصة معروفة مع حجر بن عدي الكندي، أمر بإرسال رأسه الى زوجته وإلقائه في حجرها! لطعن مشاعرها وكسر معنوياتها، ثم أمر بحفظ ما تقول في ردّها، فقالت لرسول معاوية: "واحزناه لصغره فِي دَار هوان وضيق مجْلِس سُلْطَان، نفيتموه عني طَويلا ثمَّ اهديتموه إِلَى قَتِيلا فأهلا وسهلا بِمن كنت لَهُ غير قالية وَأَنا الْيَوْم لَهُ غير ناسية ارْجع ايها الرَّسُول إِلَى مُعَاوِيَة وَقل لَهُ وَلَا تطوه ايتم الله ولدك وأوحش مِنْك أهلك وَلَا غفر لَك ذَنْبك".
لما بلغ معاوية هذا الردّ الصاعق من زوجة ذلك الشهيد، أمر بإحضارها الى قصره في الشام، وقال لها: "أَنْت يَا عدوة الله صاحبة الكلام الَّذِي بَلغنِي؟ قَالَت: نعم؛ غير نازعة عَنهُ وَلَا معتذرة مِنْهُ وَلَا مُنكرَة لَهُ، فلعمري إِنِّي قد اجتهدت فِي الدُّعَاء غَايَة الاجتهاد، و ان الله من وَرَاء الْعباد، فَمَا بلغت شَيْئا من رائك، وَالله بالنقمة من ورائك، فاعرض عَنْهَا مُعَاوِيَة". أي لاذ بالصمت ولم يحر جواباً، وحتى يتخلّص من حدّة كلامها أومأ اليها بالخروج، فوجدت في هذا خسارة وقصور منها في مهمتها، فخرجت وهي تتوعده بأن تحرّض عليه من تجده في طريقها في داخل الشام، وممن لقيته؛ شخصاً يُدعى الأصلع الهلالي، وكان رجلاً أسود البشرة وأصلع الرأس، فسمعها تنال من معاوية بأغلظ الكلام، فأراد الدفاع عن سيده بأن، فجاءه الردّ بأن "خزية لَك وجدعا تلعنني واللعنة بَين جنبيك وَمِن قرنيك إِلَى قَدَمَيْك! اخْسَأْ يَا هامة الصلع، و وجه الْجلع، واذلل بك نَصِيرًا واقلل بك ظهيرا فبهت الاصلع ينظر إِلَيْهَا ثمَّ سَألَ عَنْهَا فأخبر بخبرها فاقبل إِلَيْهَا معتذرا خوفًا من لسانها –يقول مؤلف الكتاب المذكور-.
وقد بلغ معاوية خبر هذه المحاورة في إحدى طرقات الشام فوجه اللوم الشديد والتقريع لذلك الرجل وقال له: "هلا زعمت يَا اصلع انك لَا تواقف من يَغْلِبك أما علمت ان حرارة الشوك لَيست بمجانسة لنوافذ الكلام عِنْد مَوَاقِف الْخُصُومَة ألَّا تركت كلامها قبل النصفة مِنْهَا ومنك الاعتذار إِلَيْهَا –أي حتى تتجنب الاعتذار والهزيمة- فقَالَ أي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لم أكن أرى امْرَأَة تبلغ من معاضيل الكلام مَا بلغت هَذِه المرأة وَقد جالستها فَإذا هِيَ تحمل قلباً شَدِيداً و لسانا حديداً وجواباً عتيداً فهالتني رعْبًا وأوسعتني سبّاً"!
والمشهد الثاني من إحدى نساء الهمدانيات، وهُنّ ينحدرن بالأصل من اليمن، ومن أكثر شرائح المجتمع الاسلامي آنذاك إيماناً و ولاءً لأمير المؤمنين، ولأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهي: سَوْدَة بنت عمَارَة الهمدانية، جاءت الى الشام تشكو معاوية من جور وظلم واليه؛ بسر بن أرطاة، المعروف بالفتك والظلم سفك الدماء، فما أن دخلت مجلس معاوية حتى عرفها فقال لها: "أَلستِ القائلة لاخيك يَوْم صفّين:
شمر كَفعل أَبِيك يَا بن عمَارَة
يَوْم الطعان وملتقى الاقران
وانصر علياً وَالْحُسَيْن ورهطه
واقصد لهِنْد وَابْنهَا بهوان
إن الامام أخا النَّبِي مُحَمَّد
علمُ الهدى ومنارة الايمان
فقِهِ الحتوف وسر أمام لوائه
قُدما بأبيض صارم وَسنَان
قَالَت بلَى؛ وَمَا مثلي رغب عَن الْحق وَاعْتذر بِالْكَذِبِ، قَالَ فَمَا حملك على ذَلِك؟ قَالَت حبُّ عَليّ، وَ اتِّبَاع الْحق".
فلما احتدّ الكلام، ولجأ معاوية الى تخويفها بالتهديد والوعيد، "أطرقت ثمَّ بَكت ثمَّ رفعت رأسها وَهِي تَقول:
صلى الإله على روح تضمنها
قبرٌ فَأصْبح فِيهَا الْعدْل مَدْفُونا
قد حَالف الْحق لَا يَبْغِي بِهِ بَدَلا
فَصَارَ بِالْحَقِّ وإلايمان مَقْرُونا
فقَالَ معاوية: وَمن ذَاك؟ قَالَت: عَليّ بن أبي طَالب، عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ رحم الله ابا الْحسن! اكتبوا لَهَا بِالْعَدْلِ، قَالَت لي خَاصَّة أم لقومي عَامَّة؟! فقَالَ مَا أَنْت وَغَيْرك! قَالَت: هِيَ وَالله إِذاً الْفَحْشَاء واللؤم إن كَانَ عدلا شاملاً وَإِلَّا فَأَنا كَسَائِر قومِي. فَقَالَ معاوية: هَيْهَات يَا أهل الْعرَاق لَمَظكُم عَليّ بن أبي طَالب الجرأة على السُّلْطَان فبطيء مَا تفطمون! اكتبوا لَهَا ولقومها".
وهذه شهادة أخرى من شهادات عدّة على لسان معاوية لصلابة الموقف النسوي من اتباع أهل بيت رسول الله، وكيف أنه شريحة واسعة من المجتمع الاسلامي آنذاك تخرجوا من مدرسة أمير المؤمنين حتى يصفهم معاوية بأن "لمظكم"، أي علمكم بمنطقه وبلاغته التجرؤ على السلطان.
ضياع الجوهر و الاستقواء بالمظهر!
هكذا كانت نساء العرب يحملن البلاغة والفصاحة لتصحيح الواقع الفاسد عند سلاطين ذلك الزمان، وهم لا يقارنون بأي شكل من الاشكال مع حكام اليوم الذين بالكاد يحكمون رقعة جغرافية صغيرة، مع حزمة من المؤثرات السياسية والاقتصادية والمخابراتية الخانقة، بينما في العهد الأموي والعباسي كان السلطان يحكم مساحة ربما تقدر اليوم بحوالي ستين او سبعين دولة مستقلة بمسميات مصطنعة.
ويحق لنا السؤال هنا: هل تتمكن المرأة العصرية اليوم أن تفعل ما فعلته أقرانها قبل اربعة عشر قرناً من الزمن من خلال موديلات الملابس، او جودة المساحيق، ومستحضرات التجميل والتعديل، او برفع مستوى الصوت في المحافل السياسية والاعلامية بدعوى "المطالبة بالحقوق"؟!
ثمة سؤالٌ آخر يتفرع من السؤال الأول: ما هي طبيعة علاقة المرأة اليوم باللغة العربية، وبالأدب، والبلاغة، والفصاحة، وفنون الخطابة؟
ربما يأتي الجواب الجاهز سريعاً؛ بأن مصدر الثقافة السائدة للرجال والنساء على حد سواء هو؛ الانترنت، والعالم الافتراضي وليس الواقعي، بلى؛ انه واقع مؤلم ومؤسف، بيد أننا نطمح لأن يكون للمرأة دورها الفاعل في بناء المجتمع وتقويم الوضع السياسي والثقافي نظراً لمكانتها الاجتماعية المميزة، وهذا يتطلب وقفة تأمّل وإعادة الحسابات في طريقة بناء الشخصية البناءة، بالاستفادة من الكمّ الهائل من الفرص والظروف المساعدة لتكون لدينا المساهمة في التغيير الحقيقي في المجالات المتاحة مثل؛ التربية، والتعليم، والصحة، والقانون، والإدارة، وهو طموحٌ ليس بالكثير.



اضف تعليق