توظف إيران الروابط المذهبية مع العراق ضمن منظومة من أدوات النفوذ السياسي والديني والاجتماعي والأمني، من دون أن يعني ذلك خضوع التشيع العراقي بالكامل لطهران. ويرى المقال أن إيران تفضّل عراقًا مستقرًا بما يمنع الانهيار، لكنه محدود القوة والاستقلال، فيما يبقى مستقبل العلاقة مرهونًا بقدرة العراق على إدماج الروابط...
إنَّ السياسة الإيرانية حيال العراق لا يمكن فهمها من خلال العلاقات الدبلوماسية والسياسات التقليدية والرسمية فقط؛ فالعراق بالنسبة لطهران ليس مجرد دولة جارة، تربطها حدود جغرافية شاسعة وطويلة جدًا، وإنما يُعد أحد أهم مكونات المجال الحيوي للأمن القومي الإيراني. فالحدود المشتركة، والجغرافيا، والتاريخ، والتداخل الاقتصادي والديني والاجتماعي، فضلًا عن موقع العراق في قلب البيئة الإقليمية، جعلت منه دولة يصعب على إيران أن تتعامل معها بوصفها مجرد طرف خارجي.
منذ عام 2003، اتسعت قدرة إيران على بناء شبكات نفوذ واسعة ومؤثرة على المستوى السياسي والأمني والاجتماعي والديني داخل العراق، مستفيدةً من التحولات التي أعادت تشكيل النظام السياسي العراقي. وبهذا الصدد، يبرز موضوع الشيعة والتشيع بوصفه أحد أهم الموارد التي استفادت منها إيران في العراق بعد التغيير، ووظفتها سياسيًا ضمن الاستراتيجية الإيرانية. وهذا لا يعني أن التشيع العراقي يمثل امتدادًا سياسيًا أو دينيًا لإيران، ولا أن شيعة العراق يشكلون كتلة سياسية واحدة متناغمة مع الاستراتيجية الإيرانية، وإنما يعني أن الروابط المذهبية العابرة للحدود توفر بيئة اجتماعية ورمزية يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى مصدر للقوة والنفوذ. فالتجربة العراقية نفسها تؤكد وجود تعددية واسعة داخل المجال الشيعي، فضلًا عن وجود تقليد ديني وسياسي مستقل في النجف الأشرف، ويختلف عن نموذج ولاية الفقيه في إيران.
لذا يمكن طرح السؤال الإشكالي للمقال: كيف لنا أن نفهم آليات التوظيف السياسي للتشيع في الاستراتيجية الإيرانية تجاه العراق؟ وما هو العراق الذي تريده طهران؟ والإجابة عن هذا التساؤل تقودنا إلى توضيح تلك الآليات من خلال أربع نقاط رئيسة:
أولًا: آلية توظيف وحدة المذهب في بناء العلاقات السياسية، إذ طورت إيران علاقات واسعة مع أحزاب وقوى سياسية شيعية عراقية باتجاهين، أفقي وعمودي، وأصبح الرابط المذهبي «التشيع» في بعض الحالات مدخلًا لبناء الثقة والتحالف وتبادل المصالح وترويج السياسات المشروعة وغير المشروعة. إلا أن هذا النفوذ لم يكن مطلقًا؛ فالقوى الشيعية العراقية لم تكن دائمًا متطابقة مع الرؤية الإيرانية، بل احتفظ بعضها بحساباته الوطنية ومصالحه الخاصة؛ لذا فإن الحديث عن «سيطرة إيرانية كاملة» على القرار الشيعي العراقي يبقى تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا.
ثانيًا: توظيف الرمزية الدينية والمذهبية، إنَّ العراق يحتل مكانة استثنائية في الوعي الشيعي العالمي من خلال مدينتي النجف وكربلاء وما تحتويانه من مراقد دينية، فضلًا عن الذاكرة الحسينية وما تعنيه في الوجدان والأدبيات الشيعية. وهذه الرمزية لا تقتصر على بعدها العقائدي، وإنما تمتلك قدرة كبيرة على إنتاج التضامن والهوية والانتماء. ومن هنا يمكن للرموز الدينية أن تتحول، عندما تدخل المجال السياسي، إلى مصدر للقوة الناعمة، وإلى وسيلة لبناء روابط تتجاوز الحدود وتنتهك السيادة الوطنية. وإيران بارعة في طريقة توظيف التراث والسلطة الدينية والنشاط الخيري والإعلام ضمن محاولاتها لبناء النفوذ في المجتمع العراقي.
ثالثًا: بناء الشبكات الاجتماعية والمؤسسية، إنَّ القوة لا تُبنى فقط عبر الأحزاب والفاعلين السياسيين أو الحكوميين، وإنما من خلال الدبلوماسية الشعبية، والعلاقات الدينية والثقافية والإعلامية والاقتصادية، وشبكات المصالح. وهذه الشبكات المتاحة في العراق بعد 2003، وطبيعة النظام السياسي القائم، والتماهي في سلطة إنفاذ القانون، تمنح الدولة الإيرانية قدرة على الوصول إلى قطاعات مختلفة من المجتمع العراقي، وتساعدها على تحويل التقارب المذهبي من مجرد علاقة ثقافية إلى مورد سياسي يمكن استثماره عندما تتطلب المصالح ذلك.
رابعًا: الانتقال من النفوذ الناعم إلى النفوذ السياسي والأمني، ارتبطت بعض الفصائل المسلحة العراقية بإيران، ثم أصبح بعضها منخرطًا في مؤسسات الدولة والسياسة والاقتصاد والأمن. وفي السنوات الأخيرة، لم تعد بعض هذه القوى مجرد فاعلين خارج الدولة، بل أصبحت جزءًا من البنية السياسية والأمنية العراقية نفسها، مستفيدةً من حربها ضد تنظيم «داعش الإرهابي» وفتوى المرجعية الدينية ضد التنظيم؛ الأمر الذي جعل النفوذ الإيراني أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة بين دولة ووكلاء.
وبموازاة هذا النفوذ الذي حققته طهران من ضرب السيادة العراقية، وتأمين نفوذها بآليات وطرق متعددة، رسمية وغير رسمية، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: أي عراق تريده طهران؟ هل تريد عراقًا قويًا قادرًا على استعادة دوره الإقليمي، أم عراقًا ضعيفًا ومنهارًا؟
بالتأكيد، لا يمكن الجزم بأحد هذين الخيارين بشكل مطلق، أو ربما لا تنسجم الإجابة مع أي من الخيارين بشكل كامل. فمن الصعب تصور أن إيران تريد انهيار العراق أو دخوله في فوضى شاملة؛ لأن العراق المنهار بالتأكيد سيتحول إلى مصدر تهديد مباشر على الحدود الإيرانية، ويخلق موجات من عدم الاستقرار والهجرة والجريمة، وهذا من شأنه أن يضر بالمصالح الاقتصادية والتجارية، ويفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية منافسة.
بموازاة ذلك، فإن العراق القوي جدًا، الموحد سياسيًا، والمستقل في قراره الخارجي والداخلي، والقادر على استعادة دوره الإقليمي، بالتأكيد سيمثل، من وجهة النظر الإيرانية، تحديًا لمعادلة النفوذ التي تشكلت بعد عام 2003، ويقضي على المكتسبات الإيرانية التي تحققت بعد ذلك التاريخ. فضلًا عن ذلك، فإن إيران واستراتيجيتها في المنطقة تريدان من العراق أن يبقى بمثابة الحديقة لها؛ لذا فهي تفضل عراقًا شيعي القيادة ومستقرًا، بالحدود التي تسمح له بعدم تجاوز رغباتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وطموحها الاستراتيجي، ومجالها الحيوي، وليس عراقًا قوميًّا قويًا يمكن أن يتحول إلى منافس إقليمي أو يتبنى سياسة خارجية متعددة المحاور تقلل من اعتماد بغداد على طهران.
ومن هنا، يمكننا أن نسمي ما تريده إيران في العراق بـ«الفوضى المسيطر عليها». أي بمعنى: ليست الفوضى المطلقة، ولا القوة أو الاستقرار المطلق الذي يسمح له بأن يكون فاعلًا قويًا في المنطقة، وحليفًا سياسيًا بإرادة داخلية. والمقصود بها أن إيران لا تريد الفوضى بمعناها المطلق، وإنما تفضيل حالة من الهشاشة السياسية والتوازنات المتنافسة التي تمنع الانهيار الكامل، لكنها في الوقت نفسه تحول دون تشكيل دولة عراقية قوية ومستقلة تمامًا عن شبكات النفوذ الإقليمية.
إنها حالة «رمادية» تقع بين الاستقرار الكامل والفوضى الشاملة؛ دولة تعمل، ولكنها ليست قوية بما يكفي لاحتكار أدوات القوة؛ ونظام سياسي مستقر، لكنه غير قادر على تجاوز أزماته؛ وتحالفات دولية وإقليمية، لكنها غير مؤثرة في تغيير طبيعة المعادلة الخارجية للعراق؛ وإنما دولة بداخلها قوى متعددة تستطيع التأثير في القرار، ومجال أمني لا ينهار، لكنه لا يخضع بالكامل للدولة. أي بمعنى كما هو الحال القائم منذ عام 2003 وحتى الآن.
لذا فالاستراتيجية الإيرانية عملت، بقصد أو دون قصد، على الحفاظ على الوضع القائم في العراق بالقدر الذي يحقق طموحها السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة، ولا تريد لهذا الوضع أن يتبدل نحو الاستقرار الكامل أو يتدحرج إلى الفوضى المطلقة. إلا أن هذه المعادلة تحمل مخاطرة بالنسبة إلى إيران نفسها؛ لأن النفوذ المفرط قد ينتج رد فعل عراقيًا راديكاليًا معاكسًا، ورافضًا ليس فقط للوجود الإيراني، بل لكل أشكال العلاقة مع إيران، كما حصل في عام 2019 في الاحتجاجات العراقية، أو ما تُسمّى احتجاجات تشرين، حينما خرجت قطاعات واسعة من المجتمع رافضةً لكل أشكال العلاقة مع إيران، وقُمعت ببشاعة مفرطة. فضلًا عن ذلك، فإن توظيف الهوية المذهبية في السياسة يمكن أن يتحول من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف للقوة الناعمة الإيرانية.
بالمجمل، يمكننا القول: إنَّ إيران لا تريد من التشيع، بوصفه مذهبًا روحيًا مشتركًا، أن يحقق مصالح الدولة العراقية بشكل مستقل، بقدر ما تريده أن يكون امتدادًا لها، يعمل على تحقيق مصالحها الاستراتيجية، وبالقدر الذي يُسمح له بالحفاظ على تحقيق تلك المكتسبات وعدم الانهيار داخليًا. لذلك، فإن مستقبل العلاقة العراقية-الإيرانية لن يتحدد فقط بمدى قدرة طهران على توظيف الروابط المذهبية، وإنما بقدرة العراق نفسه على إعادة تعريف هذه الروابط ضمن إطار وطني مستقل، يأخذ بنظر الاعتبار الإرادة الوطنية بشكل عام، من دون أن يُختزل برأي وموقف فئة محدودة نسبيًا، سياسية كانت أم دينية أم أمنية.
فالمذهب قد يكون جسرًا ثقافيًا وروحيًا بين الشعوب، لكنه عندما يتحول إلى أداة لإدارة النفوذ السياسي يصبح جزءًا من صراع المصالح. وفي الأخير، قد لا تكون المسألة في أن إيران تريد عراقًا قويًا أو ضعيفًا، بقدر ما تريد عراقًا مستقرًا يسمح له بالحفاظ على الوضع القائم بعيدًا عن الانهيار، وضعيفًا بما يكفي كي لا يتحول إلى قوة مستقلة عن مجال نفوذها. أي بمعنى أن إيران لا تريد عراقًا منهارًا؛ لأن انهياره يهدد أمنها وحدودها ومصالحها الاقتصادية، ولا تريد في المقابل عراقًا قويًا مكتمل السيادة والنفوذ الإقليمي؛ وإنما تفضل عراقًا مستقرًا بالقدر الذي يمنع الانهيار، وضعيفًا بالقدر الذي لا يسمح له بالخروج من مجال النفوذ الإيراني. ومن هنا يصبح التشيع أحد الموارد التي يمكن توظيفها سياسيًا ضمن شبكة أوسع من أدوات النفوذ.



اضف تعليق