تُقدم زيارة الأربعين نموذجاً عملياً لما يُعرف بـ اقتصاد الثقة، حيث تُقلل القيم الأخلاقية والإيثار من تكاليف الرقابة والإدارة المرتفعة، لتتحول الخدمة من معاملة سوقية بين بائع وزبون إلى رابطة إنسانية بين مضيف وضيف، مؤكدةً أن القيمة والضمير قادران على تحقيق كفاءة تشغيلية تعجز عنها أحياناً المؤسسات ذات الميزانيات الضخمة...
في أحد الطرق المؤدية إلى كربلاء، وقف شاب يحمل إبريق ماء بارد منذ ساعات الفجر. لم يكن يعرف أسماء الذين يناولهم الأقداح، ولم يسأل أحدًا من أين جاء أو إلى أين يمضي. كان يبتسم لكل وجه يمر، ثم يعود إلى مكانه ليملأ الأكواب من جديد. بعد ساعات اقترب منه رجل مسنّ وقال له: "منذ ثلاثة أيام وأنا أمشي، ولم يدعني أحد أدفع ثمن شيء". ابتسم الشاب وأجابه بهدوء: "نحن أيضًا لا نعرف كم أنفقنا، ولم نحسبها يومًا".
قد تبدو هذه الحكاية عابرة، لكنها تطرح سؤالًا اقتصاديًا وفلسفيًا في آنٍ واحد: كيف تستطيع منظومة بشرية هائلة تضم آلاف المواكب وملايين المستفيدين أن تعمل لأيام متواصلة، من دون عقود تشغيل، أو حملات تسويق، أو خطط ربح، أو أجور للعاملين، ثم تنتهي وقد أدت وظيفتها بكفاءة يندهش لها كثير من الباحثين؟ في عالم الاقتصاد الحديث، تُقاس كفاءة أي مشروع بميزانيته، وإدارته، ونظام الحوافز الذي يحرك العاملين فيه. أما في الأربعين، فتبدو المعادلة مختلفة تمامًا.
هناك اقتصاد آخر لا يتحرك بمنطق السوق وحده، ولا تفسره نظريات العرض والطلب بصورة كاملة، لأن الوقود الحقيقي الذي يدفعه ليس المال، وإنما القيمة.
من هنا، ربما لا تكون الأربعين مجرد مناسبة دينية كبرى، بل مختبرًا اجتماعيًا مفتوحًا يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل تستطيع الأخلاق أن تصبح قوة اقتصادية منتجة؟
لقد اعتادت النظريات الاقتصادية الكلاسيكية أن تنطلق من فرضية "الإنسان الاقتصادي" الذي يسعى إلى تعظيم منفعته الشخصية. غير أن الواقع الإنساني ظل يقدم صورًا أكثر تعقيدًا من هذا النموذج. فقد أثبتت دراسات الاقتصاد السلوكي، التي ارتبطت بأسماء مثل دانيال كانيمان وريتشارد ثالر، أن قرارات الإنسان لا تُبنى دائمًا على الربح والخسارة، بل تتأثر بالقيم، والانتماء، والثقة، والشعور بالعدالة، والهوية الاجتماعية.
في الأربعين، تتحول هذه المفاهيم النظرية إلى ممارسة يومية. آلاف الأشخاص يتركون أعمالهم، وينفقون من مدخراتهم، ويخصصون وقتهم وجهدهم لخدمة أشخاص لا يعرفونهم، من دون انتظار مقابل مباشر. وإذا كان علماء الاقتصاد يسمون هذا "رأس المال الاجتماعي"، فإن المشهد الحسيني يقدمه في أعلى صوره العملية.
لقد تحدث عالم السياسة الأمريكي روبرت بوتنام عن أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تمتلك الأموال فقط، وإنما التي تمتلك مستويات مرتفعة من الثقة والتعاون والعمل التطوعي. والثقة هنا ليست قيمة أخلاقية مجردة، وإنما مورد اقتصادي حقيقي يقلل كلفة الإدارة والرقابة، ويزيد من كفاءة العمل الجماعي.
ولعل هذا ما يفسر جانبًا من نجاح المواكب الحسينية. فالموكب لا يحتاج إلى عشرات المشرفين لمراقبة المتطوعين، لأن الدافع الداخلي أقوى من الرقابة الخارجية. ولا يحتاج إلى حملات دعائية لاستقطاب العاملين، لأن الانتماء الفكري والروحي يؤدي هذه المهمة تلقائيًا.
وفي الاقتصاد الحديث، تمثل كلفة الإدارة والرقابة جزءًا كبيرًا من مصروفات المؤسسات. أما حين تتحول المسؤولية إلى قناعة أخلاقية، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الكلفة يختفي تلقائيًا. ولهذا يمكن النظر إلى الأربعين باعتبارها نموذجًا حيًا لما يسميه بعض الباحثين "اقتصاد الثقة".
وليس الأمر مقتصرًا على الطعام أو الماء أو أماكن المبيت. فهناك شبكة كاملة من الخدمات تعمل بصورة متوازية: فرق طبية، ومترجمون، وسائقون، وأصحاب منازل، وشباب ينظمون حركة الزائرين، وآخرون ينظفون الطرق، وغيرهم يرشون الماء لتخفيف حرارة الأرض، وكل ذلك يحدث من دون وجود مؤسسة مركزية تدير التفاصيل اليومية.
قد يظن بعضهم أن هذا المشهد وليد العاطفة وحدها، لكن الاستمرار السنوي بهذا الحجم يكشف عن وجود ثقافة تنظيمية تراكمت عبر عقود طويلة، حتى أصبحت جزءًا من الوعي الجمعي.
واللافت أن هذا الاقتصاد لا يُقصي المال، لكنه يعيد تعريف وظيفته. فالمال هنا يتحول من غاية إلى وسيلة، ومن أداة للتراكم الفردي إلى وسيلة لإنتاج المنفعة العامة. وهذه النقلة الفكرية هي التي تمنح الخدمة الحسينية بعدها الحضاري.
يقول القرآن الكريم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ سورة الحشر: 9.
فالآية لا تصف حالة عاطفية مؤقتة، وإنما تؤسس لمنهج حضاري يجعل الإيثار عنصرًا فاعلًا في بناء المجتمع. وربما لهذا السبب يخرج كثير من الزائرين بانطباع لا يتعلق بالطعام أو السكن، وإنما بطريقة التعامل. فالكثير منهم يقول بعد انتهاء الزيارة إنه لم يشعر بأنه "زبون"، وإنما شعر بأنه "ضيف". والفرق بين الكلمتين يصنع فلسفة كاملة في إدارة العلاقات الإنسانية.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج يطرح تحديًا مهمًا. فهل تبقى هذه الأخلاق محصورة في موسم الأربعين؟ أم تتحول إلى ثقافة دائمة في المؤسسات، والدوائر، والأسواق، والجامعات، والمستشفيات؟ فالإنسان الذي يقدم الماء مجانًا للغريب، يستطيع أن يقدم الخدمة الوظيفية بإخلاص للمراجع. والذي ينظف الطريق حبًا بالناس، يستطيع أن يحافظ على نظافة مدينته بعد انتهاء الزيارة. والذي يرفض استغلال الزائر، يستطيع أن يرفض استغلال المواطن في أي موقع آخر. وهنا تتحول الأربعين من مناسبة موسمية إلى مدرسة اجتماعية لإعادة بناء السلوك العام.
إن أكبر قيمة في هذا الاقتصاد ليست ملايين الوجبات التي تُقدَّم، ولا آلاف الأطنان من المواد الغذائية التي تُستهلك، وإنما إعادة إنتاج الثقة بين الناس. ففي زمن تتراجع فيه الثقة داخل كثير من المجتمعات، تقدم الأربعين تجربة تقول إن الإنسان ما زال قادرًا على العطاء حين يجد المعنى الذي يستحق أن يعيش من أجله.
ما الذي يمكن أن نتعلمه؟
ربما لا تستطيع الحكومات أن تنقل تجربة المواكب إلى مؤسساتها بحذافيرها، لكن يمكنها أن تستفيد من فلسفتها:
الاستثمار في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنى التحتية. ترسيخ ثقافة الخدمة العامة بوصفها قيمة أخلاقية قبل أن تكون وظيفة إدارية. تشجيع العمل التطوعي المنظم بوصفه رصيدًا اقتصاديًا واجتماعيًا طويل الأمد. إدخال مفاهيم "رأس المال الاجتماعي" و"الاقتصاد الأخلاقي" في المناهج الجامعية وبرامج إعداد القيادات. تحويل قيم الإيثار والانضباط والتعاون التي تظهر في الأربعين إلى ممارسات يومية داخل المجتمع.
في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: كيف تعمل آلاف المواكب بلا أرباح؟ السؤال الأعمق هو: لماذا نجح الضمير في هذا المكان، بينما تتعثر مؤسسات تمتلك ميزانيات ضخمة وإمكانات هائلة؟
وربما تكمن الإجابة في حقيقة بسيطة، كثيرًا ما يغفلها عالم الأرقام: أن المال يستطيع شراء الأدوات، لكنه لا يستطيع شراء الإخلاص. يستطيع تمويل المشاريع، لكنه يعجز عن صناعة الرسالة. أما حين تتحول القيمة إلى دافع، يصبح الإنسان نفسه أعظم مورد اقتصادي يمكن لأي مجتمع أن يمتلكه.



اضف تعليق