تضع الرواية الحرية بين خطرين متعاكسين: انهيار الدولة بما يفتح الطريق للفوضى والعنف وتلاشي ضمانات الحقوق، وتضخم الدولة بما يحول الأمن إلى مراقبة وسيطرة. ومن خلال عالمين متوازيين، تكشف الرواية أن الحرية لا يحميها غياب السلطة ولا إطلاق يدها، بل دولة قادرة يقيّدها القانون، ومجتمع قوي يراقبها ويحمي استقلال...

قد يبدو أن الخطر الأكبر على حرية الإنسان يأتي من الدولة القوية التي تتوسع في المراقبة والسيطرة وتضيّق مساحة الاختيار، لكن التجارب التاريخية تكشف الوجه الآخر للمشكلة؛ فعندما تنهار الدولة أو تفقد قدرتها على فرض القانون وحماية الناس، لا يصبح الإنسان أكثر حرية بالضرورة، بل قد يجد نفسه مكشوفًا أمام العنف والجماعات المسلحة والانقسامات المحلية وقوى لا تخضع لأي مساءلة. وبين هذين الطرفين تضع رواية «Exit Party» للكاتبة إميلي سانت جون ماندل قارئها أمام مفارقة سياسية وفلسفية عميقة: كيف يمكن للإنسان أن يفقد حريته بطريقتين متعاكستين؛ حين تنهار الدولة، وحين تصبح الدولة أقوى من المجتمع؟

لا تقدم الرواية جوابًا سياسيًا جاهزًا، ولا تكتب بيانًا في نظرية الدولة، لكنها تستخدم الخيال والمستقبل القريب والعوالم المتوازية لتعرض شكلين مختلفين للاختلال نفسه. في عالم أول تتفكك الولايات المتحدة بعد حرب أهلية، وتنقسم إلى جمهوريات وكيانات متنافسة، فتتراجع قدرة القانون على توفير الأمن والاستقرار. وفي عالم آخر لا تنهار الدولة، بل يحدث العكس تقريبًا؛ فهي تنجو وتتماسك، لكنها تنغلق تدريجيًا على المجتمع وتتحول إلى نظام شديد المركزية والمراقبة. وبين عالم الدولة الغائبة وعالم الدولة الحاضرة أكثر مما ينبغي، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى دولة قوية أم ضعيفة؟ بل: كيف نبني دولة قوية بما يكفي لحماية الإنسان، ومقيدة بما يكفي حتى لا تبتلعه؟

ما الذي تحكيه رواية «Exit Party»؟

صدرت «Exit Party» في 15 سبتمبر/أيلول 2026 عن دار Knopf، وتقع في 320 صفحة، وهي الرواية السابعة لإميلي سانت جون ماندل، صاحبة روايات مثل «Station Eleven» و«The Glass Hotel» و«Sea of Tranquility». تبدأ الأحداث في لوس أنجلوس عام 2031، بعد انهيار الولايات المتحدة وتحول كاليفورنيا إلى جمهورية مستقلة، في وقت تنسحب قوات حفظ السلام من المدينة ويرفع حظر التجوال، بينما تحاول الحياة العودة وسط آثار الحرب والانقسام. وتدخل الشخصية الرئيسة، آري واكر، إلى هذا العالم بعد سنوات طويلة أمضتها في السجن، لتجد مجتمعًا لم يعد يشبه البلد الذي عرفته. 

في إحدى الحفلات تقع أحداث غريبة: أشخاص يظهر لهم أشباه، مضيف يختفي، وتبدأ الحدود بين واقعين متوازيين بالتشوش. ومن هنا تنتقل الرواية بين عالمين؛ الأول تفككت فيه الولايات المتحدة إلى كيانات متنازعة، والثاني لم تنهَر فيه الدولة، لكنها تحولت إلى كيان سلطوي موحد يسمى «United State»، تديره أجهزة أمنية واسعة النفوذ وتستخدم المراقبة والتعرف على الوجوه والعمل الاستخباراتي لضبط المجتمع. وتتحول آري في العالم الموازي إلى «إيباري»، وهي موظفة داخل جهاز الاستخبارات الداخلي نفسه، بما يجعل الشخصية الواحدة تعيش احتمالين سياسيين مختلفين تمامًا. 

هذه البنية ليست حيلة روائية فحسب، وإنما تسمح لماندل بأن تضع أمام القارئ صورتين لمستقبل واحد محتمل: دولة تتفكك حتى تصبح غير قادرة على حماية الإنسان، ودولة تتماسك حتى تصبح قادرة على مراقبته في كل مكان. وقد وصفت الكاتبة نفسها الرواية بأنها نتاج قلق سياسي بدأ معها في عام 2022، حين كانت تنظر إلى الاستقطاب والانقسام داخل الولايات المتحدة وتتساءل إلى أي حد يمكن أن يستمر النظام السياسي أمام هذه الضغوط. وهي ترى أن الانتقال من الانقسامات الراهنة إلى مستقبل أكثر تطرفًا ليس قفزة خيالية بعيدة، بل امتدادًا محتملًا لاتجاهات موجودة بالفعل.

لماذا المستقبل قريب؟

أحد أكثر اختيارات الرواية دلالة أنها لا تضع أحداثها في القرن المقبل، ولا في عالم بعيد لا علاقة مباشرة له بالقارئ المعاصر، بل تبدأ عام 2031، أي على مسافة زمنية قصيرة جدًا من حاضر صدورها. وهذا القرب يمنحها معنى مختلفًا؛ فهي لا تريد أن تقول إن العالم الذي تصفه سيحدث بالضرورة، وإنما إن العناصر التي يمكن أن تنتجه موجودة بالفعل: استقطاب سياسي حاد، تراجع الثقة بين الجماعات والمؤسسات، اتساع المراقبة الرقمية، زيادة اعتماد الحكومات على البيانات والخوارزميات، واتجاه المجتمعات الخائفة إلى المطالبة بالمزيد من الأمن حتى لو كان الثمن تضييق مساحة الحرية.

وتؤكد مقابلات ماندل حول الرواية هذا الارتباط بالحاضر؛ فقد تحدثت عن صعوبة الكتابة عن مجتمع سلطوي مستقبلي في وقت كانت بعض الصور التي تتخيلها في الرواية تبدو لها أقل غرابة مع تطور الواقع السياسي من حولها. وبالتالي فإن «Exit Party» ليست نبوءة سياسية بقدر ما هي تمرين على دفع اتجاهات الحاضر عدة خطوات إلى الأمام لمعرفة أين يمكن أن تنتهي. 

وهذا النوع من الخيال السياسي مهم لأنه لا يسأل فقط ماذا سيحدث، بل ماذا يمكن أن يحدث إذا فشلت المؤسسات في تصحيح نفسها. فالاستبداد لا يبدأ دائمًا بانقلاب مفاجئ، وانهيار الدولة لا يحدث دائمًا في يوم واحد؛ كلاهما قد يبدأ بتآكل بطيء للثقة والقانون والمؤسسات، ثم يتحول التراكم إلى واقع جديد يبدو مستحيلًا قبل سنوات قليلة.

حين تنهار الدولة.. هل يصبح الإنسان حرًا؟

في العالم الأول الذي تقدمه الرواية، لم تعد الولايات المتحدة دولة بالمعنى الذي عرفته شخصياتها، وإنما فضاءً ممزقًا خرج من حرب أهلية وانقسم إلى جمهوريات ومدن ومناطق تتفاوت في قدرتها على توفير النظام. ويبدو لأول وهلة أن غياب السلطة المركزية الكبيرة قد يعني مساحة أوسع من الحرية، لكن التجربة التي يعيشها الأفراد تقول شيئًا مختلفًا: حين تضعف الدولة لا تختفي القوة من المجتمع، بل تنتقل إلى أيدٍ أخرى.

الجماعات المسلحة، الميليشيات، شبكات الجريمة، السلطات المحلية، تجار السلاح والقوى الاقتصادية القادرة على شراء الحماية تبدأ بملء الفراغ. وهنا لا يعود المواطن خاضعًا لقانون واحد يمكن الطعن فيه أو مراقبته، وإنما يصبح معرضًا لقوى متعددة لا تتمتع بالضرورة بأي شرعية. ولذلك فإن ضعف الدولة لا يعني بالضرورة اتساع حرية الفرد، لأن الحرية تحتاج إلى من يحميها بقدر حاجتها إلى من لا يقمعها.

هذه الفكرة مهمة في فهم العلاقة بين الدولة والحرية. فقد اعتاد الخطاب الليبرالي التركيز على ضرورة حماية الفرد من تغول السلطة، وهو شرط أساسي لأي مجتمع حر، لكن الوجه الآخر أقل حضورًا في النقاش العام: من يحمي الفرد إذا اختفت السلطة الشرعية نفسها؟ فالحق في التعبير لا تكون له قيمة كبيرة إذا كان الإنسان معرضًا للقتل بسبب رأيه من جماعة مسلحة، وحق الملكية يصبح هشًا إذا لم توجد محكمة وقوة قانونية تمنع الاستيلاء عليه، وحرية الحركة تصبح نظرية إذا قسمت الحواجز المسلحة البلاد إلى مناطق لا يمكن عبورها بأمان.

ومن هنا تكشف الرواية أن الدولة ليست مجرد خطر محتمل على الحرية، بل شرط من شروط وجودها أيضًا. المشكلة تبدأ عندما نفترض أن العلاقة بينهما علاقة صفرية، وأن زيادة الدولة تعني دائمًا نقص الحرية والعكس صحيح. فالواقع أكثر تعقيدًا: غياب الدولة قد يقود إلى استبداد أصغر حجمًا لكنه أكثر فوضوية، إذ تحل مئات السلطات الخاصة محل سلطة عامة واحدة.

الفوضى قد تلد الاستبداد

تزداد أهمية هذه الفكرة عندما ندرك أن الفوضى والاستبداد ليسا دائمًا نقيضين منفصلين، بل قد يكون أحدهما مقدمة للآخر. فالمجتمع الذي يعيش سنوات من الخوف والعنف وعدم الاستقرار يبدأ في تغيير أولوياته؛ يتراجع السؤال عن مقدار الحرية التي تمنحها السلطة، ويتقدم سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: هل تستطيع أن تجعل الشوارع آمنة؟

عند هذه النقطة يصبح الأمن موردًا سياسيًا بالغ القوة. فالناس الذين فقدوا حياتهم الطبيعية بسبب الحرب والانقسام قد يصبحون أكثر استعدادًا لقبول سلطات استثنائية، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، والمراقبة، والاعتقال، وتقييد بعض الحريات إذا اعتقدوا أن هذه الإجراءات ستعيد النظام. وبذلك يمكن للفوضى أن تصنع الشروط النفسية والاجتماعية التي تسمح بقيام السلطة المفرطة.

الرواية، من خلال عالمَيها المتوازيين، تجعل هذه العلاقة مرئية: في واقع تنهار فيه الدولة، وفي واقع آخر تنغلق فيه الدولة «مثل قبضة»، على حد الصورة التي أبرزتها إحدى مراجعات الرواية عند تفسير الثنائية التي تبنيها ماندل بين الفوضى والشمولية. 

والرسالة هنا لا تقول إن كل مجتمع مضطرب سينتهي حتمًا إلى الاستبداد، وإنما إن الخوف من الفوضى أحد أقوى المبررات التي يمكن أن تستخدم لتوسيع السلطة. وكلما كان الخوف أكبر، أصبح المواطن مستعدًا لدفع ثمن أعلى مقابل الأمن، وقد لا يدرك مقدار ما فقده من الحرية إلا بعد أن تستقر السلطة الجديدة ويصبح التراجع عنها أكثر صعوبة.

حين تصبح الدولة أقوى من المجتمع

في العالم الموازي داخل الرواية لا توجد المشكلة السابقة؛ الدولة لم تنقسم، والمؤسسات الأمنية قوية، والنظام العام قائم. لكن هذا النجاح الظاهري يخفي ثمنًا آخر. لقد أصبحت الدولة قادرة على رؤية المجتمع بدرجة تجعل الفرد أقل قدرة على الاحتفاظ بمساحة خاصة لا تصل إليها السلطة.

وتجسد إيباري هذه المفارقة لأنها ليست ضحية الجهاز الأمني فقط، بل جزء منه. فهي تعمل داخل جهاز استخباراتي يتابع معارضي السلطة والنشطاء السابقين، وتعيش في مجتمع تصبح فيه الهوية المزدوجة والشك والمراقبة عناصر طبيعية من الحياة. وفي مقطع نشرته «Wired» من الرواية تظهر تقنيات التعرف على الوجوه بوصفها جزءًا من هذه المنظومة، ويكشف خلل تقني صغير لإيباري إمكانية الإفلات مؤقتًا من أعين النظام، فتبدأ فكرة أن الإنسان قد يستطيع أن يصبح «شبحًا» خارج شبكة المراقبة.

المفارقة أن النظام لا يحتاج بالضرورة إلى ممارسة العنف بصورة علنية طوال الوقت. تكفي معرفة الفرد بأنه قد يكون مراقبًا لكي يبدأ بمراقبة نفسه. وهنا تصبح السلطة أكثر عمقًا؛ فهي لا تمنع الكلام فقط، بل تجعل الإنسان يعيد التفكير قبل أن يتكلم، ولا تمنع المعارضة فحسب، بل تجعل المواطن يتساءل عمن قد يبلغ عنه، ولا تحتاج إلى شرطي في كل زاوية طالما أن الخوف من وجوده المحتمل أصبح جزءًا من السلوك اليومي.

وهكذا ننتقل من الدولة التي لا تستطيع رؤية شيء إلى الدولة التي تستطيع رؤية كل شيء تقريبًا، ومن مجتمع يعاني غياب السلطة إلى مجتمع يعاني حضورها الدائم.

المراقبة الرقمية.. سلطة جديدة لا تحتاج إلى شرطي دائم

ما يجعل عالم الرواية أكثر اتصالًا بحاضرنا هو أن الدولة الحديثة تمتلك أدوات لم تكن متاحة لمعظم الأنظمة السلطوية التاريخية. ففي السابق كان التجسس على ملايين الأشخاص يتطلب أجهزة أمنية ضخمة وشبكات بشرية واسعة، أما اليوم فإن جزءًا كبيرًا من حياة الإنسان يتحول تلقائيًا إلى بيانات: موقعه، مشترياته، اتصالاته، الأشخاص الذين يتفاعل معهم، الصور التي يظهر فيها، اهتماماته وحتى أنماط حركته.

والمشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها؛ فالأدوات ذاتها يمكن أن تستخدم للبحث عن طفل مفقود، أو مكافحة الجريمة المنظمة، أو كشف هجوم إرهابي، أو تسهيل الخدمات العامة. لكن السؤال الذي تطرحه الرواية بصورة ضمنية هو: من يراقب المراقب؟

إذا امتلكت السلطة القدرة التقنية على معرفة كل شيء تقريبًا عن المواطن، فما الذي يمنع تحويل قدرة صممت لحمايته إلى وسيلة لضبطه؟ ومن الذي يحدد متى تصبح المراقبة ضرورية؟ وهل يمكن للمواطن أن يعرف أصلًا حجم البيانات التي تجمع عنه؟ وهل يستطيع الاعتراض على استخدامها؟

وهنا يتحول النقاش من مسألة «الخصوصية» بوصفها رغبة شخصية في الاحتفاظ بالأسرار إلى مسألة سياسية أعمق تتعلق بتوازن القوة. فالطرف الذي يعرف كل شيء عن الطرف الآخر يمتلك قدرة هائلة على التأثير فيه، بينما المواطن الذي لا يعرف كيف تعمل المنظومة التي تراقبه يكون في موقع غير متكافئ معها.

الأمن.. من حق أساسي إلى ذريعة بلا حدود

لكن انتقاد الدولة الأمنية لا يعني التقليل من قيمة الأمن؛ فغياب الأمن في النصف الآخر من الرواية يكشف بوضوح أنه ليس ترفًا، وإنما أحد الشروط الأولى للحياة الطبيعية. الإنسان الذي يخشى القتل أو الاختطاف أو فقدان منزله لا يستطيع ممارسة بقية حقوقه بصورة حقيقية.

ولهذا فإن السؤال الأصعب ليس الاختيار بين الأمن والحرية، وإنما كيفية منع أحدهما من القضاء على الآخر. المشكلة تبدأ حين يتحول الأمن من حق مطلوب إلى قيمة مطلقة يمكن باسمها تبرير كل شيء.

عندما يصبح الخطاب السياسي قادرًا على الرد على كل اعتراض بعبارة «هذا ضروري لأمنكم»، تبدأ حدود السلطة بالاتساع. قد تبدأ الإجراءات بحالة طارئة واضحة، ثم تستمر بعد انتهاء الطوارئ، وقد تستخدم التقنية لمواجهة خطر محدد ثم تتوسع وظيفتها لتشمل المعارضين أو الصحفيين أو المواطنين العاديين. وهكذا لا تُسلب الحرية دائمًا بقرار واحد كبير، بل يمكن أن تتآكل عبر عشرات القرارات الصغيرة التي يبدو كل منها معقولًا منفردًا.

وهذه ربما واحدة من أهم الأفكار التي تجعل عالم «Exit Party» مهمًا: الحرية قد تضيع تحت شعار حمايتها، مثلما يمكن أن تضيع عندما لا يوجد من يستطيع حمايتها أصلًا.

الخوف.. العامل المشترك بين العالمين

إذا كان هناك عنصر واحد يربط عالمي الرواية المتناقضين فهو الخوف. في عالم انهيار الدولة يخاف الإنسان من الفوضى والجماعات المسلحة وانعدام القانون، وفي عالم الدولة الأمنية يخاف من السلطة والمراقبة والاختفاء والعقوبة. يختلف مصدر الخوف، لكن النتيجة متشابهة: تنكمش قدرة الفرد على الاختيار.

فالحرية ليست مجرد وجود خيارات قانونية، وإنما قدرة فعلية على استخدامها من دون خوف دائم. المواطن الذي يملك حق التظاهر قانونيًا لكنه يعلم أن مشاركته قد تعرضه للمراقبة أو فقدان عمله لا يتمتع بالحرية نفسها التي توحي بها النصوص، تمامًا مثل المواطن الذي يعيش في منطقة لا تمنعه الدولة من التعبير لكنها لا تستطيع حمايته من الجماعة التي ستعاقبه إذا عبّر.

من هنا تصبح الحرية مسألة مؤسسات وثقة، وليست نصوصًا قانونية فقط. وهي تحتاج إلى بيئة يشعر فيها الفرد بأن القانون يحميه من الآخرين ويحميه كذلك من الدولة نفسها.

الاختيار بين الأمن والحرية اختيار زائف

من أكبر الأخطاء التي تكشفها الثنائية الروائية افتراض أن المجتمعات مضطرة للاختيار بين الأمن والحرية. فإذا كان البديل الوحيد عن الفوضى هو دولة تراقب الجميع، وإذا كان البديل الوحيد عن السلطة القوية هو تفكك المجتمع، فإن الإنسان محكوم بالخسارة في الحالتين.

لكن الدولة الحديثة الناجحة يفترض أن تقدم حلًا ثالثًا: قوة مقيدة. أي دولة تمتلك من القوة ما يكفي لتطبيق القانون وحماية الحدود والأفراد والمؤسسات، لكنها لا تمتلك حرية استخدام هذه القوة خارج الدستور والرقابة والقضاء.

ويمكن تبسيط المعادلة التي تقود إليها الرواية هكذا: الدولة الضعيفة تنتج حقوقًا لا تستطيع ضمانها، والدولة المطلقة تنتج أمنًا قد يسحق الحقوق، أما الدولة القادرة والمقيدة فتجعل الأمن وسيلة لحماية الحرية بدل أن يصبح بديلًا عنها.

وهذا الفرق مهم جدًا. فالدولة القوية ليست بالضرورة دولة استبدادية، كما أن الدولة الضعيفة ليست بالضرورة دولة حرة. معيار الحرية ليس مقدار القوة الموجودة لدى الدولة وحده، وإنما القواعد التي تحكم استخدامها ومن يستطيع محاسبتها عندما تتجاوز حدودها.

المجتمع القوي.. الضمانة التي تغيب عن الثنائية

لكن القانون وحده لا يكفي. بين الفرد والدولة توجد مساحة ثالثة هي المجتمع: الصحافة، الجامعات، الجمعيات، المؤسسات المدنية، النقابات، الجماعات المحلية، القضاء المستقل، الأحزاب، والشبكات الاجتماعية والثقافية التي تسمح للأفراد بتنظيم أنفسهم خارج السلطة.

حين تضعف هذه المؤسسات، يصبح المواطن منفردًا أمام الدولة، وحين تنهار الدولة نفسها يصبح منفردًا أمام قوى اجتماعية غير منضبطة. ولهذا فإن المجتمع القوي يؤدي وظيفة مزدوجة: يساعد الدولة على المحافظة على الاستقرار، لكنه يضع لها في الوقت نفسه حدودًا.

وهذا يقودنا إلى إعادة تعريف السؤال. المشكلة ليست «كم تبلغ قوة الدولة؟» فقط، بل ما مقدار القوة الموجودة خارجها أيضًا؟ هل يستطيع الصحفي كشف خطئها؟ هل يستطيع القاضي إيقاف قرارها؟ هل يستطيع المواطنون التنظيم والاعتراض؟ وهل توجد مؤسسات قادرة على منع الخلاف السياسي من التحول إلى حرب أهلية؟

من هذه الزاوية، لا يكفي بناء دولة قوية لحماية الحرية، بل يجب بناء مجتمع قوي يستطيع التعايش معها من موقع الشريك لا التابع.

من الخيال إلى حاضرنا

قيمة «Exit Party» لا تكمن في أنها تقدم توقعًا دقيقًا لما ستبدو عليه الولايات المتحدة عام 2031، ومن الخطأ قراءتها بهذه الطريقة. الأدب لا يعمل كتقرير استخباراتي ولا يقدم جداول احتمالات. قوته في أنه يسمح لنا برؤية الحاضر من خلال مستقبل متخيل.

وماندل نفسها أوضحت أن الرواية خرجت من قلقها من الاستقطاب السياسي ومن السؤال حول ما يحدث حين تختلف قطاعات واسعة من المجتمع حتى على توصيف الواقع نفسه. وفي مقابلة حديثة تساءلت عن إمكانية استعادة مجتمع موحد حين يصبح الخلاف متعلقًا بالحقائق الأساسية وليس فقط بالسياسات.

هذا السؤال يتجاوز الولايات المتحدة. كثير من المجتمعات المعاصرة تواجه بصورة أو بأخرى تراجع الثقة، والاستقطاب، والمعلومات المضللة، ونمو المراقبة التقنية، وتوسع صلاحيات الدولة تحت ضغط الإرهاب والحروب والأزمات. ومن هنا تبدو الرواية أقل اهتمامًا بالتنبؤ بأميركا القادمة وأكثر اهتمامًا بسؤال عالمي: ماذا يحدث للمجتمع عندما تتآكل المساحة المشتركة التي تسمح لمؤسساته بالعمل؟

فالانهيار يبدأ حين لا تعود الأطراف المختلفة ترى الدولة بيتًا مشتركًا، والاستبداد يبدأ حين ترى السلطة أن المجتمع مشكلة يجب التحكم بها لا شريكًا ينبغي الاستماع إليه.

شخص واحد وحياتان.. لماذا العوالم المتوازية مهمة؟

استخدام العوالم المتوازية يمنح الفكرة السياسية قوة إضافية، لأن ماندل لا تضع شخصيتين مختلفتين في نظامين مختلفين، بل تضع نسختين من الشخصية نفسها. آري وإيباري ليستا مجرد امرأتين متشابهتين، وإنما احتمالان مختلفان لما قد يصبحه الإنسان تبعًا للبيئة السياسية والمؤسساتية التي يعيش داخلها.

في عالم ما بعد الانهيار تتكيف آري مع مجتمع مضطرب ومفتوح على العنف والشبكات غير الرسمية، وفي العالم السلطوي تعمل إيباري داخل بنية الدولة نفسها. وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز السياسة إلى طبيعة الإنسان: إلى أي مدى تصنع المؤسسات أخلاقنا وخياراتنا؟

فالناس لا يدخلون التاريخ بشخصيات ثابتة تمامًا، بل يتغيرون وفق الفرص والمخاطر والمكافآت والعقوبات التي تنتجها الأنظمة التي يعيشون فيها. النظام الفوضوي يكافئ أنماطًا من السلوك تختلف عن النظام السلطوي، وكلاهما يستطيع دفع الفرد إلى أفعال لم يكن يتخيلها في مجتمع أكثر استقرارًا.

وبذلك تقول الرواية، ضمنيًا، إن حماية الحرية لا تعني فقط حماية الإنسان من سلطة خارجية، بل بناء مؤسسات لا تدفعه إلى التحول إلى شخص آخر كي يستطيع البقاء.

وهل نجحت الرواية في تحويل الفكرة إلى أدب؟

تلقت «Exit Party» تقييمات نقدية متباينة، وهذه نقطة مهمة لأنها تمنع تحويل المقال إلى مديح غير نقدي للعمل. رأت «Kirkus Reviews» أن الرواية تستخدم الخيال التأملي بنجاح لاستكشاف الإمكانات الأخلاقية والفلسفية، وعدّت الثنائية بين الفوضى والشمولية من نقاط قوتها، بينما وصفتها «Publishers Weekly» بأنها معالجة قوية لمخاطر الانقسام والمراقبة. أما مراجعة «Wall Street Journal» فركزت على قدرة ماندل على بناء عالم كارثي لا يفقد بالكامل الإحساس بالصلة الإنسانية والأمل. 

في المقابل، قدمت «The Times» قراءة أكثر تحفظًا، فرأت أن بعض الأفكار والآليات المرتبطة بالعوالم المتوازية لا تصل إلى العمق المتوقع، وأن عددًا من الأسئلة المركزية يبقى أقل تطورًا مما يوحي به البناء الروائي. وهذا النقد له وجاهته من زاوية أن اتساع الأسئلة التي تفتحها الرواية أكبر من قدرة أي حبكة على الإجابة عنها جميعًا. 

لكن ربما لا ينبغي تقييم «Exit Party» وفق مقدار الأجوبة التي تقدمها. قوتها الأساسية تكمن في شكل السؤال الذي تضعه أمام القارئ. فهي لا تقول إن الدولة شر، ولا إن غيابها هو الحل، ولا تقدم الحرية في مواجهة الأمن باعتبارهما قيمتين متناقضتين. بل تضع القارئ بين عالمين كلاهما غير مرغوب فيه، وتطلب منه التفكير في الطريق الذي يمنع الوصول إلى أي منهما.

من يحمي الإنسان من الدولة ومن يحميه من غيابها؟

في النهاية، تقدم «Exit Party» مفارقة تتجاوز حدود رواية مستقبلية: الإنسان يحتاج إلى الدولة لكي يكون حرًا، لكنه يحتاج أيضًا إلى حماية من الدولة لكي تبقى حريته موجودة. فإذا انهارت المؤسسات، تحولت الحقوق إلى وعود بلا قوة تحميها، وإذا تضخمت السلطة، تحولت الحماية إلى آلية للسيطرة.

وهذا ربما هو الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من العالمين المتوازيين اللذين تبنيهما ماندل. الحرية لا تعيش في الفراغ، ولا تحتاج إلى دولة عاجزة، لكنها لا تستطيع العيش أيضًا داخل دولة ترى المجتمع من خلالها بوصفه موضوعًا للمراقبة والإدارة الدائمة.

الدولة المطلوبة ليست الدولة الأضعف، وإنما الدولة الأقوى بالقانون والأضعف أمام القانون؛ قوية عندما يتعلق الأمر بحماية الناس ومنع العنف وفرض الحقوق العامة، ومقيدة عندما يتعلق الأمر بالتدخل في حياة الأفراد وخصوصيتهم وحرياتهم. وبالمقابل يحتاج هذا النموذج إلى مجتمع مستقل لا يعتبر الدولة عدوًا، لكنه لا يتنازل لها عن حق مراقبتها ومحاسبتها.

وهكذا يصبح السؤال الذي تبدأ به «Exit Party» أوسع من مستقبل الولايات المتحدة أو التقنيات الأمنية أو العوالم المتوازية: كيف يستطيع المجتمع أن يحمي نفسه من خطرين متعاكسين في الظاهر ومتشابهين في النتيجة؟ من الدولة عندما تصبح أقوى منه، ومن الفوضى عندما تصبح الدولة أضعف من أن تحميه؟

الجواب الذي توحي به القراءة ليس إضعاف الدولة ولا إطلاق يدها، وإنما بناء التوازن الصعب بين القدرة والحدود، وبين النظام والحقوق، وبين الأمن والحرية. فحين تنهار الدولة يفقد الإنسان حريته لأن لا أحد يحميها، وحين تتحول الدولة إلى سلطة بلا حدود يفقدها لأن من يفترض أن يحميها أصبح قادرًا على سلبها. وبين الطرفين توجد المساحة السياسية الأصعب والأكثر أهمية: دولة تحمي الإنسان من الفوضى، وقانون يحمي الإنسان من الدولة.

..........................................
هوية الكتاب:
الكتاب: Exit Party
العنوان الفرعي: A Novel
الكاتب: Emily St. John Mandel – إميلي سانت جون ماندل
الناشر: Knopf – ألفرد أ. كنوف، ضمن Penguin Random House
تاريخ النشر: 15 سبتمبر/أيلول 2026
اللغة: الإنجليزية
التصنيف: رواية أدبية، خيال تأملي، ديستوبيا، خيال علمي اجتماعي وسياسي
عدد الصفحات: 320 صفحة في النسخة ذات الغلاف المقوى

اضف تعليق