الصداقة الدائمة بين الدول لا تُبنى بالتصريحات، بل بالمصانع والمحطات والقطارات ومشاريع الطاقة والمياه. ولهذا فإن نجاح الشراكة العراقية–الفرنسية لن يُقاس بعدد الاتفاقات التي توقعها الحكومات، بل بعدد المشاريع التي تتحول من أوراق ومذكرات إلى واقع يراه العراقي في حياته اليومية؛ عندها فقط تكون باريس شريكاً يفهم العراق...

ينظر العراق إلى فرنسا بوصفها شريكاً موثوقاً، وهذه العبارة ليست مجاملة دبلوماسية بقدر ما هي خلاصة تجربة طويلة. فالصداقة بين الدول لا تُقاس بحجم السلاح الذي يُرسل، ولا بعدد التصريحات التي تُطلق، بل بحجم المصالح المشتركة التي تبقى، وبقدرة الشراكة على إنتاج شيء ملموس على الأرض.

فرنسا لم تكن دولة عابرة في الملف العراقي. فقد حافظت خلال السنوات الماضية على حضور سياسي واقتصادي وأمني واضح، وعلى خطاب يؤكد سيادة العراق ووحدة أراضيه واستقلال قراره. وهذا الخطاب يكتسب أهمية خاصة في منطقة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتعرض فيها الدول لضغوط متعددة. اليوم يقف العراق أمام استحقاق اقتصادي كبير. 

فهو يريد رفع طاقته الإنتاجية النفطية من نحو 4.8 مليون برميل يومياً إلى مستويات أعلى بكثير، وقد طرح هدفاً طموحاً يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة. لكن العراق يعرف، أو يفترض أن يعرف، أن النفط وحده لا يصنع دولة. 

المطلوب هو تحويل الثروة النفطية إلى اقتصاد منتج، وتحويل الغاز المحترق إلى كهرباء، والفوسفات والسيليكا والموارد الأخرى إلى صناعات، وتحويل طريق التنمية من فكرة على الخارطة إلى شريان اقتصادي حقيقي يربط العراق بمحيطه والأسواق العالمية. والأهم أن العلاقة العراقية–الفرنسية لا تقوم على الاقتصاد فقط. فهناك تعاون أمني وعسكري، إلى جانب شراكة سياسية تؤكدها الاتفاقات الموقعة بين البلدين، وهو ما يمنح العلاقة بعداً استراتيجياً يتجاوز صفقة أو مشروعاً بعينه. لكن الرهان العراقي الذكي لا ينبغي أن يكون على باريس وحدها، كما لا ينبغي أن يكون على واشنطن أو بكين أو موسكو وحدها. 

مصلحة العراق أن يفتح أبوابه أمام الجميع، وأن يختار من كل شريك ما يخدم مصالحه الوطنية. وفي هذا السياق تستطيع فرنسا أن تمنح بغداد نافذة أوربية مهمة، وأن تكون جسراً نحو التكنولوجيا والاستثمار والأسواق الأوربية. وبالمقابل، تحتاج فرنسا إلى العراق أيضاً. 

فباريس تريد حضوراً مؤثراً ومستقلاً في الشرق الأوسط، والعراق، بما يمتلكه من موقع جغرافي وثروات ووزن سياسي، يمكن أن يكون أحد أهم ساحات هذا الحضور. الصداقة الدائمة لا تُبنى بالتصريحات، بل بالمصانع والمحطات والقطارات ومشاريع الطاقة والمياه. ولهذا فإن نجاح الشراكة العراقية–الفرنسية لن يُقاس بعدد الاتفاقات التي توقعها الحكومات، بل بعدد المشاريع التي تتحول من أوراق ومذكرات إلى واقع يراه العراقي في حياته اليومية. عندها فقط يمكن أن نقول إن باريس ليست مجرد عاصمة صديقة للعراق، بل شريك يفهم العراق.

تكشف هذه العلاقة عن معنى أوسع للشراكة الدولية، يتعلق بقدرة الدولة على تحويل موقعها الجغرافي وثرواتها واحتياجاتها إلى أدوات تفاوض تصنع منفعة طويلة الأمد. فالعراق لا يحتاج إلى شريك يتعامل معه من زاوية السوق وحدها، ولا إلى علاقة تختزل في الأمن أو الطاقة أو المواقف السياسية؛ إنه يحتاج إلى شراكات تتعامل مع الدولة العراقية باعتبارها مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً يحتاج إلى المعرفة والتكنولوجيا والبنية التحتية والقدرة الإنتاجية. ومن هنا يمكن قراءة الحضور الفرنسي باعتباره اختباراً لنموذج جديد من العلاقات: انتقال العلاقة من مستوى التفاهم السياسي إلى مستوى بناء المصالح المتبادلة.

المعيار الحقيقي لهذه الشراكة سيظهر حين تصبح الاتفاقات قدرة تشغيلية داخل الاقتصاد العراقي، وحين تتحول الخبرة الفرنسية إلى مصانع ومؤسسات تدريب ومشاريع طاقة ونقل ومياه وتكنولوجيا، وحين يجد القطاع الخاص العراقي مساحة حقيقية للتعاون مع الشركات الفرنسية. عندها تصبح السياسة الخارجية جزءاً من التنمية الداخلية، وتتحول العلاقات الدولية من شبكة مواقف إلى شبكة مصالح منتجة. وهذه هي النقطة التي يمكن عندها فهم عبارة «شريك يفهم العراق» بمعناها الأعمق: أن يفهم الشريك أن قوة العلاقة لا تأتي من حاجات العراق وحدها، وإنما من قدرته على المشاركة في بناء عراق أكثر إنتاجاً واستقلالاً وقدرة على إدارة خياراته الدولية وفق مصالحه الوطنية.

اضف تعليق