توحي مفردة التمكين إلى الإسناد والمعاونة، وتقديم الخبرات اللازمة لمن يحتاجها، كي يوظفها لتحقيق أهدافه، والشباب هم أحوج الشرائح إلى التمكين، وإلى الخبرات الداعمة والساندة، لكي يواصلوا مشاريعهم المختلفة في أوائل العمر، لاسيما وأنهم في هذه المرحلة من العمر، يمتلكون القوة العضلية والمطاولة والتركيز في جانب الذكاء والمهارة، وهم بحاجة إلى التأسيس السليم والانطلاق في رحلتهم الحياتية بنجاح.

أكبر معضلة يواجهها الشباب الفراغ وهو مشكلة العصر، لأسباب معروف أكثرها شيوعا فقدان فرص العمل، وعدم وجود جهات تخطط بشكل علمي دقيق لامتصاص البطالة، وحين تكون هناك قلة في العمل، سوف تكثر أماكن قتل الفراغ، لذلك من مظاهر عصرنا الحالي، كثرة المقاهي والكوفي شوبات والكازينوهات، وهي الأماكن التي باتت تضج بالشباب، منذ أوائل النهار حتى أواخر الليل.

حيث تغص هذه الأماكن بالآلاف من شريحة الشباب الذين يعانون من الفراغ، والبطالة وعدم التمكين أو قلّته، فحين يتجول أحدنا في شوارع المدن، صباحا أو ظهرا ومساءً وليلا، سوف يلاحظ ذلك الاكتظاظ الغريب في هذه الأماكن بالشباب.

منظر مؤلم وأنت تتطلع إلى طاقات شبابية هائلة لكنها معطّلة تماما، آلاف الشباب بل وأكثر يقتلون أوقاتهم في الكوفي شوب وفي مواقع التواصل الاجتماعية، أو في الألعاب الإلكترونية التي تنشر العنف في أذهان وعقول وسلوك الشباب، كونهم غير محصّنين بثقافة رصينة تحميهم من الانزلاق والانحراف في منحدرات فكرية خطيرة.

حذارِ من العالم الافتراضي الخطير

لا أحد من المعنيين في الحكومة أو في منظمات المجتمع المدني يشعر بمسؤوليته تجاه هؤلاء الشباب، حيث يتم هدر الوقت والجهد والطاقات بلا طائل، على الرغم من أن شريحة الشباب هي الأكبر من بين الشرائح في مجتمعاتنا، وأنها الأكثر إمكانيات وطاقات من سواها، فكيف يمكن انتشال هذه الطاقات الهائلة وهؤلاء الشباب من محنتهم هذه؟

الشباب بطبيعتهم يبحثون عمّن يساعدهم، ويحترمون الجهات أو الشخصيات التي تقف معهم، وتشجعهم على التطور وعلى الانتاج المتميز، إنهم شباب يتطلعون للأفضل دائما، لكن حين تحاصرهم البطالة ويفتك بهم الفراغ، ويلتف حولهم الإهمال الرسمي والمدني، فإنهم في ظل واقع كهذا سوف ينسون أنفسهم ويهملون طاقاتهم، ويقتلون أوقاتهم عبثا في عبث.

بالإضافة إلى ضعف ثقافتهم، فيكونون عرضة للتأثر بتيارات ثقافية غازية، وقد باتت الثقافات الوافدة كثيرة ومختلفة الأشكال والمضامين، ومعظمها فيه خطورة كبيرة على أفكار الشباب وسلوكياتهم، هنا تكمن مشكلة الشباب الأكبر، إنهم يبحثون عمّن ينقذهم ويقدم لهم مبادرات التمكين اللازمة لمواجهة واقعهم المشوّه والمختلّ، لذلك تجدهم يتمسكون بأية فرصة تسنح لهم، وهذا ما نلاحظه في شهريّ محرم وصفر وتغيّر الشباب من حال إلى حال.

هؤلاء الشباب التي تكتظ بهم المقاهي والكوفي شوبات، هم أنفسهم يتحولون إلى شباب من نوع آخر في محرّم، هؤلاء أنفسهم وبهذه الأعداد الكبيرة ينتقلون من أماكن قتل الوقت والفراغ والبطالة، إلى المواكب الحسينية المباركة، فتراهم شبابا من نوع مختلف، إنهم يضجّون بالحيوية والنشاط والأمل والتفاؤل، ويتفانون في خدمة سيد الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)، فيقدمون خدمات كبيرة ومتواصلة للزوار الكرام دونما ملل أو كلل.

إنهم يتغيرون نفسيا وروحيا وحتى جسديا، فالشاب الذي كان يضيق ذرعا بالوقت، ويقتل يومه في مواقع التواصل الإلكترونية والألعاب الملهية، لم يعد كذلك في عاشوراء، إن روح الوفاء والنشاط وحب الحسين (عليه السلام) تشتعل في أعماقهم، ويعثرون على أنفسهم، فيندفعون في خدمة الزائرين وأعمال الخير المختلفة، ويتحولون من شباب خاملين كسلانين يائسين، إلى شباب من نوع مختلف تماما ممتلئين بالحيوية والأمل والإشراق.

تمكين الشباب تمكين للمجتمع كله

الزمن بالنسبة للشباب لا يختلف، وساعات النهار والليل تبقى كما هي لا تقل ولا تنقص، فما كانوا يقضونه في المقاهي هو نفس الوقت الذي يقضونه اليوم وهم في خدمة زوار أبي عبد الله الحسين، ولكن الذي يختلف هو طبيعة العمل وما ينتجه الشباب، وما يحققونه في أوقاتهم.

هناك في المقاهي وقت مقتول ميت معتاد ومجترّ ومكرّر وبليد، يتجدد عليهم بنفس النمط والروتين طوال شهور وأيام السنة، لا جديد في أوقاتهم ولا خلاص من فراغهم وبطالتهم ويأسهم وضجرهم، أما في المواكب الحسينية فهناك نوع من الخلاص الروحي والعملي معا.

هناك مجالس تثقيفية، يحصل منها الشاب على الوعظ الجيد، وعلى التثقيف وزيادة الوعي، ومعرفة الأحكام الدينية، وهناك دعم معنوي متواصل ينعكس على نفسية الشاب، ويجعل معنوياته عالية، ويعثر على ضالته أو كما يقال يجد نفسه في المواكب المباركة، وفي العمل الحسيني الشريف، كما أنه يساهم في نشاطات فنية وثقافية كما يفعل الكثير من الشباب في الكثير من المواكب حيث تُعقَد الندوات التثقيفية، وتقدَّم الأعمال المسرحية المتميزة، وهناك معارض للكتب باهرة، تقدم عناوين فكرية متفردة.

هذه الأجواء التي يعيشها الشباب في عاشوراء، ترسّخ عندهم ثقافة الجدوى والنجاح والشعور بالمعنى في حياتهم، لذلك يجب أن تستمر حتى بعد انتهاء محرم وصفر، ولا يجب أن يعود الشباب إلى الأماكن التي تدمّر حياتهم، وتقتل أوقاتهم بلا طائل، وتعيدهم إلى السأم والاكتئاب والخمول مرة أخرى.

لذلك لابد أن توضع خطط عملية منتظمة لاستمرارية تغيير حياة الشباب وتمكينهم عبر تزويدهم بالمهارات المختلفة، وهذه مهمة القطاعية العام والخاص معا، فهم مسؤولان عن تمكسن الشباب، على هدي الفكر الحسيني. ولابد أن يتم نقلهم من مقاهي قتل الوقت، إلى أجواء وأماكن وجمعيات ومنظمات تحيي أوقاتهم ونفوسهم وقلوبهم، وتحرص كل الحرص على تمكينهم في ضوء مبادئ النهضة الحسينية.

اضف تعليق