لماذا سوَّدوا وجهَ التاريخ

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

التربية السليمة، والحصول على الاستقامة، وغلق منافذ الشر بالتقوى، كفيلة بحماية الإنسانية من أولئك الذين لديهم القدرة على تلويث التاريخ والواقع البشري، من خلال صناعة النفس المؤمنة المتمسكة بالخير من خلال السبل والأساليب والأدوات التي تحميها من السقوط في الشر، وأقوى العوامل الحامية للنفس من الانحراف هي التقوى...

(الإنسان هو الذي يجعل من نفسه، نفساً تستفيد من التقوى، فيسمو دنيا وآخرة)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

قد لا يعرف أو لا يعترف صانع الشر بأن قصورَه في تحصيل التقوى، هو الذي تسبّب بصنع الفجائع الكبيرة في الأمم، فهناك مصائب كبرى مرّتْ بها البشرية عبر رحلتها الطويلة والشاقة منذ نشأتها حتى الآن، ولعل أقرب تلك الفجائع التذ يذكرها لنا التاريخ، الحربين العالميتين الأولى والثانية، والتي حصدت أرواح عشرات الملايين من البشر بلا ذنب.

والسبب في صناعة الفجائع معروف ومعلَن من قِبَل علماء النفس وعلماء التاريخ وحتى المختصون بطبيعة الإنسان بشكل عام، وذاك السبب يكمن في التربية التي تنالها النفس، حيث تُركَ البشر حرّا في خيارات نفسه، ومن الممكن أن تأتي النتائج بحسب الجهود والمساعي التربوية التي يقدّمها الإنسان لنفسه.

فهناك أناس لا يتعبون على قضية الثقافة والوعي والتثقيف الديني السليم، فهذا النوع من التربية يحتاج إلى جهد وسعي وانضباط تام، وهذا ما لا ترغب به نوازع البشر، بل تميل إلى الراحة واللهو، ومغادرة كل ما من شأنه أن يربيها ويطالبها بالالتزام، والابتعاد عن الراحة التي تأخذ طابع الكسل والخمول، والميل الدِعَة، وتهرب من كل فعل أو قول أو سلوك يطالبها بالانضباط، فتكون النتائج ميلا وتعلّقا بالشر، وهذا ما أدى ببعض القادة أن يسوّدوا وجه التاريخ، ويوغلوا في الجريمة بحثا عن الأمجاد الزائفة.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في سلسلة نبراس المعرفة، محاضرة صناعة النفس:

(إنّ الذي يصنع نفس الإنسان، هي النفس الموجودة في كل واحد من البشر، والتي أودعها الله سبحانه وتعالى كل إنسان. والإنسان هو الذي يختار النفس، بتهيئة المقدّمات، بالأسباب وبالنتائج وبالتأمّل).

فقد تُرِك الإنسان حرّا في خياراته، وظلّت نفسه حرة، لا أحد يجبرها على خيار دون آخر، ولكن هذه النفس يجب أن تستفيد من التقوى، كونها هي التي تحمي نفس البشر من الانزلاق نحو الانحراف، فإذا كان قادرا على توجيه نفسه الوجهة الصحيحة، ودعمها بالاستقامة، ولم يسمح لها بأن تقوده هي، في هذه الحالة سوف يسمو الإنسان ويحتلّ المراتب العالية.

ضرورات التربية والتثقيف 

وفي حال حصل العكس، أي يترك الإنسان نفسه تتحكم به، وتمضي بها نحو شهواتها، ففي هذه الحالة ستكون النتيجة صادمة، لأن النفس بطبيعتها (خاصة إذا لم يحكمها ويثقّفها صاحبها) سوف تنحدر سريعا نحو الخيارات البائسة، فتجعل من صاحبها عرضة لارتكاب الشهوات المحرّمة، وتزيّن له تلك الشهوات فتسقط به نحو الحضيض. 

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(الإنسان هو الذي يجعل من نفسه، نفساً تستفيد من التقوى، يسمو ويسمو دنيا وآخرة، أو يجعل من نفسه نفساً تتبع الشهوات والفجور، ويكون مثل أولئك الذين سوّدوا وجه التاريخ، في الماضي وإلى هذا اليوم).

ولهذا هناك أشخاص أو جماعات، حكّام وحكومات، أو سواها، ارتكبوا مجازر كبرى بحق الإنسانية، ولا يزال أمثال هؤلاء حتى اليوم يمارسون هذا الدور في تلويث وتسويد وجه التاريخ، والسبب دائما تلك النفوس الوضيعة، التي لم تتلقَ التربية المطلوبة، ولا الوعي اللازم، ولا التربية الأخلاقية الدينية التي تكبح جماح نفوسهم الضالّة.

لذا من الأفضل لكل إنسان أن يستثمر المعرفة والتثقيف والتربية الصحيحة لنفسه، حتى تكون في منأى عن السقوط في حبائل الشهوات الشيطانية التي تتربص بالناس، وتسعى للإطاحة بهم وإبعادهم عن التقوى، وإغراقهم في شرَك المحرّمات، لذا يجب التنبّه إلى هذا الخطر الذي يحدق بنفس الإنسان ويحاول بأقصى ما يستطيع أن يستدرجها للحرام.

حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على:

(انّ المجازر الرهيبة في العالم كلّه وفي العالم الإسلامي بالخصوص، والفجائع الغريبة، والقتل الفضيع للأبرياء والنساء والأطفال، هو نتيجة النفس. وهذه النفس موجودة في كل إنسان، فعلى الإنسان أن يجعل نفسه، نفساً خيّرة وتقيّة، ويستفيد منها، حتى ينتفع هو بها، وينتفع بها غيره، اليوم وغداً. وهذا يرجع إلى اختيار الإنسان نفسه).

ومن المفيد أن نذكّر بأن الناس جميعهم معرّضون للسقوط في حضيض الشهوات غير المسموح بها، ولهذا قد تجد شخصا يعيش في أجواء إيمانية واضحة، وتحيط به أجواء عبادية جيدة، ويتواجد دائما في بيئة التقوى، لكنه قد يفلت زمام نفسه منه، وتذهب به إلى حيث تريد هي، وغالبا ما ترغب النفس كما ذكرنا بالراحة واللذائذ حتى لو كانت محرّمة، هنا سوف يسقط الإنسان في شر النفس الأمّارة بالسوء، لذا عليه الحذر دائما.

العيش في أجواء التقوى والإيمان

ويوجد لدينا أمثلة كثيرة يذكرها لنا التاريخ عن هذا النوع من البشر، ولا يُستبعَد وجودهم في واقعنا الذي نعيشه أيضا، فقد تكون هناك أجواء مشجعة على التوغل عميقا في الشهوات، وربما يغرق الإنسان في غفلة منه في شهوات نفسه، فيكون فريسة سهلة لها، تأخذ حيثما تريد هي، وما تريده النفس التي ينقصها التقوى والتربية الصالحة معلوم لنا جميعا.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول في هذا الصدد:

(إنّ الإنسان الذي يعيش في جوّ مملوءاً بالإيمان والتقوى، من الممكن، والعياذ بالله، أن تتحوّل نفسه عن الإيمان والتقوى، إلى نفس الفجور. وهكذا بالعكس، وفي التاريخ أمثلة كثيرة عن ذلك). 

وبالعكس من ذلك ربما يعيش البشر في أجواء فاجرة، محفزة على الفسق وعلى الانحدار، لكنه في نفس الوقت يُلجم شهوات نفسه، ويربيها تلك التربية التي تحميه من الضعف، ومن الشك، ومن فقدان الثقة، عندما تلتهمه الوساوس، ويضيع إيمانه، خاصة عندما يكون واعيا لما يجري حوله أو بالقرب منه.

فيلجأ إلى التقوى، ويضاعفها، ويستثمر العلم والمعرفة التي تنقذه من الخضوع للشهوات المنحرفة، حينئذ حتى لو كان يعيش في أجواء الفسق والفجور، فإنه بتربيته لنفسه وتثقيفها وتوعيتها المستمرة يُنقذ كيانه، وتاريخه، ودنياه وآخرته من العواقب الوخيمة التي تحصل له فيما لو أهمل توعية نفسه وتربيتها بالشكل الصحيح.

وهنا يشير سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قائلا:  

(قد يعيش الشخص في أجواء فجور، ولكن يربّي نفسه، فتكون النفس بالتربية وبنتيجتها، نفس التقوى، ونفس تنتج الصلاح والخير والتقوى، لصاحبها وللآخرين أيضاً، وهذا بيد الإنسان نفسه).

ولكي يضمن أي إنسان كان، أن تكون نفسه خيّرة، ومحصنة من استدراج الشر لها، عليه أن يتوجّه إلى الله تعالى بقوة وعمق وإيمان كبير وحقيقي، حتى يساعده الخالق في الخلاص من هذا الاستدراج الخطير الذي ترغب به نفسه نتيجة لجهلها وتعلّقها بما يضرّ صاحبها.

ولكن هذا الهدف ليس سهل المنال، بل على كل من يرغب بالخلاص من شر النفس، أن يربيها تلك التربية المُشار لها في الأحكام والتعاليم وفي القرآن الكريم، وفي سيرة أهل البيت عليهم السلام، فهناك نصائح وإرشادات يمكنها أن تنقذ الإنسان من شهواته غير المسموح بها، وأن لا يُسمَح في تسويد التاريخ مجدّدا.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إنّ صناعة النفس الخيّرة ونفس التقوى، تحتاج، قبل كل شيء إلى التوجّه لله سبحانه وتعالى، وإلى الدعاء، (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) سورة الفرقان، الآية 77، وكذلك تحتاج إلى العزم، كما قال القرآن الكريم أيضاً، وتحتاج إلى السعي والمثابرة، حتى تكون نفسه، نفساً تقيّة، ينتفع بها هو، وينتفع بها غيره).

إذن التربية السليمة، والحصول على الاستقامة، وغلق منافذ الشر بالتقوى، كفيلة بحماية الإنسانية من أولئك الذين لديهم القدرة على تلويث التاريخ والواقع البشري، من خلال صناعة النفس المؤمنة المتمسكة بالخير من خلال السبل والأساليب والأدوات التي تحميها من السقوط في الشر، وأقوى العوامل الحامية للنفس من الانحراف هي التقوى.

اضف تعليق