إن ما نتمتع به اليوم في حياتنا من تقنيات العلم الحديث، لاسيما في مجال الاتصالات، وتداول المعلومات، وفي معالجة أمراض مستعصية، لم يأت إلا من ساعات وأيام عكف فيها العلماء والخبراء لإجراء التجربة تلو التجربة، وعدم الانسحاب أمام الفشل وإن تكرر لمئات المرات، وهو ما يطلقون عليه اليوم "التحدي"، وفي المصطلح الديني؛ "الصبر"...

"ومُجتَني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه".

أمير المؤمنين، عليه السلام

اغتنام الفرص واستثمار الوقت بأفضل ما يكون، دلالة على وعي المرحلة في عصر السرعة لتحقيق النجاح في العمل والانتاج والتنمية، ومن ثمّ؛ تحقيق الحياة السعيدة، بخلاف التباطؤ والتكاسل، من دواعي التخلف والحرمان، ومن ثم السقوط في براثن التبعية للغير في كل شيء.

السرعة في المبادرة، والسرعة في العمل، والسرعة في اتخاذ الموقف في الظروف الزمانية والمكانية اللازمة، يتفرّع الى طريقين: 

الاول: يتعلق بالحياة الخاصة للفرد في ميدان العلم والتعليم، وفي ميدان السلوك الاجتماعي.

ففي ميدان العلم والتطلع الى مراقي النجاح والتطور، يدرك اللبيب يدرك أن بلوغ القمم يأتي من صبر طويل، وخطوات مدروسة، وفي طريق مضمون العواقب بنسبة كبيرة، وإلا كان السقوط بديلاً عن الصعود، والمثال الأبرز؛ أصحاب الاكتشافات العلمية في الطب والهندسة والاتصالات والفضاء وما الى ذلك، لم تتم بين ليلة وضحاها، بقدر ما جاءت بسهر الليالي الطوال، بشكل يخيل لمن يقتني الاجهزة الحديثة المعبرة عن عصر السرعة في عالم الاتصال والمواصلات، وحتى المستلزمات البيتية أنها مصنعة بلمح البصر، بلى؛ هي كذلك عندما تكون على خط الانتاج لتكرار نماذج بالملايين، بيد أن العبرة في النموذج الابداعي الأول الناتج من جلسات طوال للتفكير والتخطيط لتخرج بشكل نهائي مقبول وقابل للتسويق المربح.

إن ما نتمتع به اليوم في حياتنا من تقنيات العلم الحديث، لاسيما في مجال الاتصالات، وتداول المعلومات، وفي معالجة أمراض مستعصية، لم يأت إلا من ساعات وأيام عكف فيها العلماء والخبراء لإجراء التجربة تلو التجربة، وعدم الانسحاب أمام الفشل وإن تكرر لمئات المرات، وهو ما يطلقون عليه اليوم "التحدي"، وفي المصطلح الديني؛ "الصبر".

أما في ميدان السلوك الاجتماعي فنحن مطالبون ايضاً بالتأنّي والتروي قبل اتخاذ أي موقف، او إصدار أي حكم، او حتى إصدار كلمة واحدة.

ومن روائع الأمثلة القرآنية على التحلّي بالصبر وعدم التسرّع فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، ما حصل للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، من قبل وفد عشائري جاء لزيارته، وقد دوّن التاريخ أسماء أعضاء الوفد، وجاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي بأنه كان "وفداً عظيماً"، ولما وصلوا الى دار رسول الله الملاصق للمسجد رفعوا أصواتهم بالنداء: "أخرج الينا يا محمد"!! فنزلت سورة كاملة حملت اسم "الحجرات"، وهي تعني البيوت في ذلك الزمان، وجاء التقريع المباشر من السماء لهؤلاء بأن؛ {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، وثمة التفاتة جميلة في هذه الآية إذ لم تعمم جميع من قاموا بهذا العمل "أكثرهم"، بينما الواقع أنهم جميعاً متورطون في هذه الزلّة الأدبية، ولكن القرآن الكريم يعلمهم ويعلمنا، ليس فقط أدب التعامل والتزاور، بل وأدب الخطاب ايضاً، ثم إن الخطاب الإلهي يكمل الخارطة الاخلاقية والآدابية في الآية التالية بأن {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

أما الطريق الثاني: فهو يتعلق بحياة الآخرين، والواقع الاجتماعي، هنا يتطلب الإسراع في اتخاذ الموقف الحاسم، لاسيما في قضايا مصيرية مثل التصدّي للحاكم الظالم، وسياساته القمعية والجائرة، او التصدّي لمظاهر الفساد والانحراف في المجتمع، وحتى الاجراءات الاحترازية من ظهور حالات شاذة في المجتمع، مثل؛ التعجيل في الزواج، وإقامة منتديات ومراكز تأهيل وتعليم وترفيه للشباب، وايضاً؛ دعم المؤسسات الخيرية والثقافية التي تضخ الأمل والوعي في النفوس، فكلما كانت المبادرات أسرع، كنا أبعد من المشاكل والازمات التي نتخبط بها اليوم. 

المشكلة تحصل عندما تنقلب المعادلة فيكون التسرّع لتحقيق المصالح الشخصية، وترك المصالح العامة مثل ورق الشجر تتقاذفها الرياح مع احتمال سقوطها وتلاشيها.

والأنكى من هذا؛ أن يحول البعض أفكار وآراء الناس وسيلة لتحقيق مصالحه الشخصية او الفئوية، وإن كلف هذا سفكاً للدماء، و نكبة في حياة الناس، ومصادرة لقمة عيشهم، وجعلهم يعيشون الحرمان والتخلف.

ولإضفاء نوع من الشرعية على هذا التوظيف والاستغلال البشع، يسوّق البعض شعارات وطنية وأخرى دينية تدغدغ مشاعر الناس، مع حزمة وعود بالتغيير والحياة المزدهرة في مستقبل غير منظور أقرب ما يكون الى الحُلم والسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً.

ويقدم لنا أمير المؤمنين درساً بليغاً في الحذر من مغبة تجسير مصير الأمة للوصول الى أهداف سياسية عندما جاءه أحد أبرز رموز الشرك في العهد الجاهلي؛ ابوسفيان، بعد انتهاء جماعة السقيفة من ترتيب مراحل الانقلاب والسيطرة على الحكم بعد وفاة الرسول الأكرم، عارضاً عليه بأن "أبسط يدك أبايعك، فوالله إن شئت لأملأنها على أبي فصيل –يعني أبي بكر- خيلاً ورجالا"، و راح ينشد أبيات تحريضية للحصول على موافقة الامام بإعلان الانتفاضة المسلحة لخوض المعركة ضد جماعة السقيفة بدعوى أنه الأحق بالخلافة، وكان جواب أمير المؤمنين؛ الرفض القاطع.

وقد أجمع المؤرخون على أن ابوسفيان كان يظهر الولاء لأمير المؤمنين، بيد أنه كان يستبطن العداء القديم له، عليه السلام، وللإسلام بشكل عام، فقد أراد إشعال حرب داخلية في الامة، ربما يُقتل فيها أمير المؤمنين مع خلق كثير، ليتعرض الاسلام بعدها الى تمزق وتشضّي ينتهي به الى الانهيار اجتماعياً وسياسياً، ليستعيد أمجاد بني أمية ويأخذ بثأر من قتلوا بسيوف المسلمين، وكانت هذه فرصته الأخيرة التي أحبطها أمير المؤمنين ببصيرته وحكمته وتعاليه على المصالح الشخصية، علماً أنه كان يُعد من الناحية الاجتماعية والسياسية الخليفة الشرعي لرسول الله، وله في عنق كل مسلم ومسلمة بيعة الغدير بحضور شخص رسول الله، بيد أنه، عليه السلام، فضّل التريّث خمسة وعشرين سنة ليقيم حكم الله –تعالى- في الأمة وتكون له تلك الجحافل المؤمنة من أحفاد أولئك المهزوزين في إيمانهم. 

إن من يتحدثون عن "حرق المراحل" أو اختزال الزمن لتحقيق النجاح في مشاريع تنموية او إصلاحية، لابد ان يوضعوا تحت المجهر للتحقق ما اذا كان اختزال الزمن لصالح الناس بنسبة كبيرة، فهو خير على خير، وإن كان يستبطن مصالح شخصية او فئوية فان الاختزال هنا يعني انتهاك حقوق الناس، قبل استغفالهم وتضليلهم، و جني الثمار في غير أوانه، كما يعبر أمير المؤمنين.  

اضف تعليق