قبل أن يصبح الاقتصاد جداول وأرقامًا، كان بيتًا. كان دفءَ جدارٍ يحمي، وقوتَ يومٍ يُقسَّم بعدل، وميزانًا دقيقًا بين الحاجة والرغبة. في لغته الإغريقية الأولى، لم يكن الاقتصاد سوى «تدبير المنزل»، أن تُحسن إدارة القليل، وأن تجعل من الموارد المحدودة حياةً ممكنة، ومن النظام طمأنينة....
قبل أن يصبح الاقتصاد جداول وأرقامًا، كان بيتًا. كان دفءَ جدارٍ يحمي، وقوتَ يومٍ يُقسَّم بعدل، وميزانًا دقيقًا بين الحاجة والرغبة. في لغته الإغريقية الأولى، لم يكن الاقتصاد سوى «تدبير المنزل»، أن تُحسن إدارة القليل، وأن تجعل من الموارد المحدودة حياةً ممكنة، ومن النظام طمأنينة.
كان البيت هو النموذج الأول للدولة، وكانت العدالة تبدأ من مائدةٍ تُوزَّع حصصها بإنصاف. لم يكن الأمر حسابًا للربح والخسارة بقدر ما كان صونًا للتماسك، وحفظًا للتوازن، ومنعًا للتبديد. فحين يُدار البيت بحكمة، يبقى قائمًا ،وحين يُساء تدبيره، يتسلل الخلل من أصغر الشقوق.
غير أن طراز الحياة تبدّل. وبات الاقتصاد المنزلي، الذي كان ذات يوم مدرسة إنتاج، أقرب إلى فصلٍ في ذاكرة الأمهات والجدات. مطابخ الأمس التي كانت معامل صغيرة للتصنيع الغذائي المنزلي، تحولت إلى منصات لاستهلاك أغذية شبه جاهزة. واختفت تلك “البساتيك” العامرة بالجبن والسمن والدبس، وأوعية التمور، ومربيات الفصول، وعصير الطماطم ومعاجينه، والمواد المجففة التي كانت تُعدُّ لمواسم الحاجة.
كانت بيوتُنا وحدات إنتاج متكاملة، تتصل بالمزرعة والسوق والمصنع. كانت ربة البيت مديرة إنتاج حقيقية، تدير دوالّ انتاج منزلية لا تقل تعقيدًا عن أي منشأة صغيرة. وكان تنور الطين، الممتد بجذوره إلى أرض سومر ووادي الرافدين، أكثر من أداة خبز ،كان رمزًا لاكتفاءٍ نسبي، واقتصادٍ قائم على التدبير لا التبعية.
مضت سبعة عقود ونيف، وتراجعت دالة الإنتاج المنزلي حتى كادت تختفي من حسابات الحياة اليومية. وفي قاعات علم الاقتصاد كنا نتساءل يومها: هل تدخل هذه الجهود المنزلية في حسابات الدخل القومي؟ أم أنها تظل عملاً غير مرئي، خارج قياس الناتج، رغم أثره العميق في التوازن الاجتماعي؟
ثم جاء التدفق الريعي، فرأينا الاقتصاد من أنبوب واحد:
أنبوب المورد الأحادي الذي أعاد تشكيل ميزان المدفوعات، وأنماط الاستهلاك، وذائقة المجتمع. أصبح البيت مستهلكًا صافياً، يتلقى غذاءه من لحوم مستوردة ومعلبات مغلفة، ويفرح بمنتج “وطني” لا تتجاوز وطنيته مرحلة التغليف. اختفت صناعة المثلجات البلورية التي كانت تباع في الأزقة، وحلت محلها علامات لامعة مستوردة. وتراجعت صناعة الكعك المنزلي أمام قوالب جاهزة تُشترى وتُستهلك.
اختفت الغزول التي كانت تغزل في بيوت الجدات لصناعة الاغطية المنزلية والمفروشات عند حائك المحلة، مثلما اختفت الحياكة اليدوية الجميلة في سنارات والدتي لعمل ملابس الشتاء الدافئة الالوان، واختفت مكائن الخياطة وغدّت شبه قطع تحفية في منازلنا اليوم.
وحين ننظر إلى انخفاض مشاركة النساء في قوة العمل – في حدود 13% تقريبًا – ندرك أن التحول لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل اجتماعيًا وثقافيًا أيضًا. لقد تبدّل طراز الحياة، وغلبت رفاهية ريعية لا تستند إلى إنتاج منزلي أو صناعي موازٍ، بل إلى تدفق دخل لا يمرّ عبر قنوات الجهد اليومي المعتاد. ففقد البيت دوره المنتج، وفقد الاقتصاد أحد أعمدته الصامتة.
وهنا يطُل سؤال قديم للفيلسوف اليوناني أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) وهو عقل اليونان القديمة الذي يُعدّ من أعظم مفكري التاريخ، وأحد الأعمدة الثلاثة للفلسفة اليونانية إلى جانب سقراط وأفلاطون، اذ ميّز ارسطو بين:
Oikonomia (الأيكونوميا):
اي تدبير شؤون المنزل والموارد لتحقيق الكفاية والاستقرار ،بمعنى الإدارة الطبيعية للموارد لتلبية الحاجات وتحقيق الكفاية، وبين السعي Chrematistics (الكرماتيستيك) الى تراكم الثروة لذاتها دون حدود. وكان يرى أن الأولى طبيعية وأخلاقية، أما الثانية فقد تنحرف عندما تنفصل عن حاجات الحياة الفعلية. كان يرى ارسطو أن (الأولى) مشروعة وأخلاقية، لأنها مرتبطة بالحياة ومعناها. أما (الثانية) فقد تنحرف عن الغاية الإنسانية حين تنفصل عن حدود الحاجة. فأين نقف نحن في اقتصاد منزلي ريعي، فقد وزنه الإنتاجي، وتضخم وزنه الاستهلاكي؟ هل ما زلنا في دائرة التدبير، أم انزلقنا إلى منطق التراكم والاستهلاك بلا قاعدة إنتاجية مقابلة؟
إن الاقتصاد المنزلي في أصله الإغريقي كان تدبيرًا حكيمًا لشؤون البيت، وتنظيمًا رشيدًا للموارد، وسعيًا إلى الاستقرار والكفاية. وهو معنى يحمل بعدًا أخلاقيًا وإداريًا عميقًا، لا مجرد حسابات مالية باردة. ولعل ما نحتاجه اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل استعادة لروح “الأيكونوميا” في عالم ريعي استهلاكي شديد التعقيد والتبدل. انها وقفةٌ تأمل أمام البيت بوصفه خلية الاقتصاد الأولى، فإن اختلّ ميزانه، اختلّ ما فوقه. وإن استعاد وزنه، ربما استعاد المجتمع بعض من توازنه المفقود.



اضف تعليق