آراء وافكار - مقالات النبأ

كومبارس

قبل ان ادخل الى المدرسة، دخلت دارا للسينما.. وقتها لم أكن مشغولا بالقائمة الطويلة للمشتركين في الفيلم، الا بقدر تعلقها بتأخير ظهور الممثلين والاحداث، وهو تأخر كان وقتها يزيد من الرغبة في مشاهدة الفيلم، وزيادة جرعات الترقب..

ترافق حبي للسينما مع نمو مداركي العقلية والنفسية، وكل ذلك ترافق ايضا مع بزوغ نجم السيد النائب وهو صدام حسين في سبعينات القرن الماضي وثم تسيده المشهد وتحوله الى الرئيس القائد في نهاية تلك السنوات..

ككل طالب في الدراسة المتوسطة، كان يتم تجميعنا في طوابير كبيرة، ونتوجه الى فرع الحزب القائد في المحافظة التي اقطن فيها، وكانت المناسبات وقتها قومية في الغالب، احتجاجا او تاييدا، من فلسطين الى كامب ديفيد وغير ذلك، باندلاع الحرب العراقية الايرانية، كانت المسيرات مشغولة في التاييد او الاحتجاج، لمواقف الرئيس القائد او العدو الايراني.. لم انقطع عن التردد على السينما ومشاهدة الافلام الامريكية او الفرنسية، وبدأت في تلك السنوات الاهتمام باللغة السينمائية وازياء الممثلين وحركاتهم وحواراتهم، وكنت احاول اكتشاف مامضمر بين لقطة واخرى..

يختلف كل فلم عن الاخر تبعا لموضوعه ورؤية كاتب السيناريو والمخرج، اصبحت مهتما كثيرا بالقائمة الطويلة قبل الفيلم او بعده، ابحث فيها عن اسماء بعض الممثلين او الكاتب او المخرج وواضع الموسيقى التصويرية.. في كل الافلام التي شاهدتها وسوف اشاهدها، كان هناك العديد من الاشخاص الذين يملؤون شاشة العرض ويكونون خلفية لبعض الاحداث (مظاهرات – تجمعات – جنود – مجانين – قتلى) احيانا كانت اعدادهم قليلة او ربما فردا واحدا، واحيانا كانت اعدادهم كبيرة ربما المئات او الالاف..

الافراد من هؤلاء الحاضرين في زوايا المشهد السينمائي، والذين لابد من وجودهم، كثيرا مايتلقون الضرب المبرح من بطل الفيلم، او يكونون طعما للنيران او الانفجارات التي تحدث فيه، وهم لايملكون الاحتجاج على الضرب او القدرة على منع الاخرين من الحاق الضرر بهم، لانها ارادة المخرج الذي يوجه الكاميرات ويدير حركة الاشخاص..

هؤلاء الافراد الحاضرين في كل عمل سينمائي او تلفزيوني او مسرحي هم مايطلق عليهم تسمية كومبارس، وهي كلمة ايطالية في اصلها، وتعني ممثل (زائد) وهو مواطن عادي يجلبونه من الشارع بأجر، يلعب دوراً بسيطا في عرض فني، لا يظهر له أهمية كبيرة ملحوظة، إلا أنّه غالباً ما يساعد على خلق مناخ طبيعي للقصة. الشخص المسؤول على جلب الكومبارس في العمل الفني يسمى (الريجيسير) وهو الذي يربط بين النجوم والممثلين والكومبارس، تنقسم مجاميع الكومبارس الى نوعين الأول  تطلق عليه تسمية (خمس نجوم) ويشترط أن يكون مظهرهم حسنا وفي منتهى الاناقة، وهذا النوع يكون مطلوباً في الحفلات والسهرات التي تضمها بعض المسلسلات أو الأعمال الدرامية. أما النوع الثاني فيكون من الجمهور العادي الذي يعيش في الأحياء الشعبية ..

هل يمكننا اقامة علاقة بين مصطلح فني وهو الكومبارس، ومصطلح ثقافي وسياسي وهو الاستبداد، وما علاقة ذلك كله بالقائد الضرورة، عراقيا كان ام عربيا او اي انتماء يعود اليه؟ في التظاهرات زمن السيد النائب وبعد تحوله الى الرئيس القائد، وفي حروب هذا الرئيس العبثية مع ايران او الكويت، كان الكومبارس العراقي، وهم ابناء هذا البلد يتسيدون مشهد الاحتجاجات او التأييد، ومشاهد القتل العبثي والمجاني اليومية، وكان يجمعهم (ريجيسير) المشهد السياسي وهو الرفيق البعثي من المدارس والدوائر الحكومية، وكان يسوقهم الى حتفه في الحروب (ريجيسير) اخر هو دائرة التجنيد او رجال الامن، الريجسير في الحالتين كانت مكانته تكبر في عين المخرج، وهو الذي يستبد بالممثلين والكومبارس، بدءا من مخرجين مساعدين وهم امناء السر للفروع الحزبية، وصولا الى المخرج الاكبر وهو القائد الضرورة.. احيانا كانت تحدث بعض الانتقالات من ادوار الكومبارس الى ادوار البطولة في هذا المشهد السينمائي الطويل، عبر مواهب استثنائية في كتابة التقارير او الوشاية، ليصبحوا ابطالا زائفين في افلام القائد الضرورة، وحزبه قائد المسيرة الثورية الظافرة..

هؤلاء الابطال القادمون من القاع والجالسون على القمة، ينطبق عليهم المثل العراقي (( صايرلي شريف روما )) والذي يعود اطلاقه الى العام 1928 ، حين جاء الفنان المصري جورج ابيض مع فرقته لعرض مسرحية (يوليوس قيصر) بصحبة الممثلين الرئيسيين ولم يجلب معه اي كومبارس لغرض توفير نفقات السفر وتكاليف الاقامة، وحيث لم يكن في بغداد وقتها مسرح  تم اختيار احد المقاهي الكبيرة في منطقة (الميدان) لعرض المسرحية، وكانت مسالة توفير الكومبارس مشكلة كبيرة تعترض جورج ابيض، لرفض العراقيين لتمثيل هذه الادوار، لان العراقي بطبعه يريد ان يكون البطل وربما البطل الاوحد، حلا لهذه المشكلة نصحوه بالاستعانة بالمقيمين في منطقة (الميدان) وكانت وقتها تعج بحثالة المجتمع من السكيرين (مدمني الخمور) والحرامية والمطيرجية والشاذين وجميع الفئات الهامشية, وهؤلاء لايعرفون العيب او التحفظ في اي دور يسند اليهم او يقومون به، وفعلآ استعان بهم والبسهم ازياء الرومان واكسسواراتهم..

عند عرض المسرحية ووصولها الى المشهد الذي ينادي فيه حاجب الملك بأعلى صوته:

(والآن يتقدم أشراف روما للسلام على جلالة القيصر) بدأ الهرج والمرج بين المتفرجين حين ظهر هؤلاء الاشراف،  وتعالت صيحاتهم الساخرة ضد هؤلاء الكومبارس والذين يعرفونهم حق المعرفة، ف هذا عبود النشال، ورزوقي ابن فلانة، وهذا الـكذا فلان، وتعالت صيحات المتفرجين: انزل , صايرلي شريف روما ؟

المشهد العراقي ايام القائد الضرورة، يتطابق مع تلك الصورة، الا ان المتفرجين وقتها كانوا اكثر شجاعة في الاعتراض مما ساد زمن القائد الاوحد، واستطاعوا ان يسموا الاشخاص باسمائهم ويلحقوها بصفاتهم، غير خائفين.. المشهد العراقي الحالي، شهد ايضا صعود اعداد من الكومبارس الى مصاف الابطال، لكنهم ايضا ابطال زائفين لبطولات مصطنعة ومزيفة كما في اي مشهد سينمائي، وهم تبعا للقاع الذي صعدوا منه يمكن ان ينطبق عليهم المثل العراقي (صايرلي شريف روما).

اختم هذه السطور بقول للشاعر السوري محمد الماغوط (لكي تكتب وتقرأ وتسمع وتهتف وتتظاهر وتلوح بقبضتك كما تريد يجب ان تكون حرا ولكي تكون حرا يجب ان تكون قوياً)..

اضف تعليق