لم يكن السلامُ بالنسبةِ للإمامِ عليٍّ مجردَ استراتيجيةٍ سياسيةٍ، بل كان مبدأً ثابتاً ورؤيةً شاملةً ترى في الإنسانِ قيمةً ساميةً. لقد قدَّمَ (عليه السلام) مصلحةَ الأمةِ وحمايةَ الدماءِ على حقِّهِ في السلطةِ، واضعاً دستوراً أخلاقياً للحربِ والمواطنةِ يمثلُ اليومَ حاجةً إنسانيةً ملحةً لترسيخِ قيمِ السلمِ الأهليِّ والعدالةِ...

في تاريخ الفلسفة السياسية والعسكرية، غالباً ما يقرن اسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالبطولة والشجاعة في المعارك، لكن عند التعمق في حياته يظهر جانب آخر بنفس القدر من العظمة، وهو جانب رجل السلام، لم يكن السلام بالنسبة للإمام مجرد استراتيجية سياسية تعتمد على الظروف، بل كان مبدأ ثابتاً ينبع من رؤية شاملة ترى في الإنسان قيمة سامية يجب الحفاظ عليها، فما هي أوجه سلمية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؟، وكيف حافظ هذا العظيم على أمن الأمة وسلامها؟.

إن الطريقة السلمية التي اتبعها الإمام تمثل مزيجاً فريداً بين القوة التي تحمي الحق، والحكمة التي تمنع الفتنة، والصبر الذي يمنع إراقة الدماء، فهو لم يمل صوب الباطل ولم يرضَ به يوماً لكنه امتلك من الحكمة ما كان يدير به الأمور بما يضمن حماية الدم الذي يعده مقدساً رغم كون الضارب في ساحات القتال فهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم.

ما دفعني للخوض في هذه الموضوعة تحديداً هو التركيز على معارك الإمام علي بن أبي طالب بينما جوانبه الأخرى لا تقل توهجاً وألقاً، ولعل الجانب السلمي والطرح المتعقل هو ما نحتاجه في هذه الأيام لكون العالم المحيط بنا ملتهب نتيجة لتغليب المصالح الشخصية وتغيب لغة الحوار والمنطق، نرجو أن نوفق في تبيان شيء من سلمية هذا الإمام العظيم.

ما هي مبادئ الإمام علي عليه السلام في إدارة السلم؟

لعلي بن أبي طالب عليه السلام مبادئ عدة تمثل ثوابت للتعامل مع البشر من أجل إبقاء السلم الأهلي قائماً تتمثل بالتالي:

أول مبدأ اعتمده الإمام علي هو مبدأ إعذار الخصم، ويعني استخدام جميع الخيارات السلمية ووسائل الحوار قبل أن يتجه إلى القتال، في جميع المعارك التي شارك فيها، لم يكن هو من يبدأ القتال أبداً بل كان يرسل رسلاً، ويكتب رسائل طويلة تشرح وجهة نظره، ويطلب المناقشات العلنية، وبعد أن ييأس يستخدم أسلوباً آخر مختلفاً. وقد ظهر هذا المبدأ جلياً في أسلوبه مع الخوارج، فبدلاً من القضاء عليهم عسكرياً منذ البداية، قام بزيارتهم وتحدث معهم، مستخدماً الحجج المنطقية الممتدة إلى القرآن الكريم، مما ساهم في عودة ثلثي جيشه إلى السلام، وهذا النجاح السلمي يدل على إيمانه بأن كسب العقول والقلوب أهم وأرقى من الفوز على الأجساد.

الوجه الآخر للسلمية يتمثل في دعوته إلى الحرب بلا وحشية، فقد كان حين تضيق السبل ويفرض القتال على أعداء الإسلام لم يتخلَ الإمام عن منهجه السلمي الإنساني، وقد وضع دستوراً أخلاقياً للحرب سبق به معاهدات القانون الدولي الحديث بقرون. فكانت وصاياه لجنوده تمثل قمة التسامي وهذا ما نجده في وصاياه لهم حين يقول: "لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم": منع الاستباق بالعدوان لضمان عدالة الموقف الأخلاقي، ووصيته لهم: "لا تقتلوا مدبراً، ولا تصيبوا معوراً، ولا تجهزوا على جريح"، هذه القواعد تحول الحرب من عملية انتقامية إلى عملية ضبط أمنية هدفها كف الأذى لا التشفي، وهذه السلمية بعينها.

والوجه الثالث لسلمية علي بن أبي طالب يتمثل في الصبر على الأذى في سبيل وحدة الأمة، فقد عاش الإمام علي فترات طويلة آثر فيها السكوت والصبر "وفي العين قذى وفي الحلق شجا" كما وصف نفسه، هذا ليس عجزاً منه بل خوفاً من تمزق النسيج الاجتماعي للمجتمع، وهنا قدم مصلحة الإنسان والرسالة على حقه في السلطة، ضارباً أروع الأمثلة في التضحية بالذات من أجل السلم الأهلي.

الوجه الرابع للسلمية في عهد الإمام علي بن أبي طالب يتجلى في السلم في التعامل مع العارضة، فقد أظهر الإمام خلال فترة حكمه مثالاً مميزاً في كيفية التعامل برحمة مع المعارضين، فهو لم يقم بسجن أي شخص بسبب آرائه، ولم يقم بإيقاف الراتب من بيت المال على أي شخص عارضه في السياسة. وقد قال جملته الشهيرة: "لديكم ثلاثة أمور علينا: لن نحجب عنكم مساجد الله حيث تذكرون اسمه، ولن نمنعكم من الفيء طالما كانت أيديكم معنا، ولن نبدأ حرباً ضدكم حتى تبدأوا أنتم"، وهذا ما يمثل أساس السلم الأهلي الذي يقدر التنوع ويمنع العنف ضد المخالفين.

إن المنهج السلمي للإمام علي بن أبي طالب لم يكن مثاليات حالمة، بل كان واقعية أخلاقية صلبة، أظهر القائد الحقيقي أنه الشخص الذي يقي الناس من النار، في عالمنا الحالي الذي يعاني من الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية، والذي يستدعي العودة إلى مدرسة علي الإنسانية كحاجة ملحة وليس ترفاً لأن السلام لا يعني فقط غياب الحروب، بل يتطلب أيضاً تحقيق العدالة، واحترام الكرامة الإنسانية، واستخدام العقل بدلاً من العنف.

اضف تعليق