يمكن لإيران أن تتحمل أضرارًا كبيرة في بنيتها التحتية دون تغيير استراتيجيتها، التي تقوم على تمسك الحرس الثوري والحكم الديني بالسلطة بأي ثمن. وقد يعمل الموعد النهائي الذي حدده ترامب لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ضد استراتيجيته. فإذا تمكنت إيران من تحمل الضربات الأميركية خلال هذه الفترة المحدودة...
يرى توماس س. واريك في مقال نُشر بتاريخ 3 أبريل 2026 في موقع المجلس الاطلسي أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمياه في إيران ليس استراتيجية رابحة للولايات المتحدة، لأن إيران تعتمد على مبدأ "التناظر" في ردودها، ما يعني أنها سترد بضرب منشآت مماثلة في دول الخليج، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصعيد خطير وأزمات إقليمية واقتصادية دون تحقيق أهداف واشنطن.
وفيما يلي ترجمة المقال:
واشنطن- يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تكون الحرب مع إيران "انتصارًا" للولايات المتحدة. وقد يكون ذلك ممكنًا، إذا تخلّت إيران عن بناء سلاح نووي، وفتحت مضيق هرمز، وأنهت دعمها للميليشيات الوكيلة، وقبلت بفرض قيود على الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن في 30 مارس، قال ترامب إنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضايا، فإن الولايات المتحدة "ستنهي إقامتنا الجميلة في إيران بتفجير وتدمير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج (وربما جميع محطات تحلية المياه!)". وبعد يومين، وفي خطاب وطني في وقت الذروة، قال ترامب: "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسوف نستهدف كل واحدة من محطات توليد الكهرباء لديهم بقوة شديدة وربما بشكل متزامن."
لكن الضربات على البنية التحتية الإيرانية لن تشكل استراتيجية رابحة للولايات المتحدة. فالإحساس الإيراني الخاص بـ"التناظر" يعني أن طهران سترد على الأرجح بمهاجمة البنية التحتية للطاقة ومياه الشرب في دول الخليج العربية، مع عواقب قد تكون كارثية. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى طريقة تفكير قادة إيران، فمن غير المرجح أن تدفع هذه الضربات إيران إلى رفع حصارها عن المضيق.
تاريخ من التناظر
لقد عملتُ ضد النظام الإيراني منذ عام 1981، عندما مثّلت بنجاح شركات أميركية حصلت على تعويضات بمئات الملايين من الدولارات من الجمهورية الإسلامية في محكمة المطالبات الإيرانية-الأميركية في لاهاي. وكنتُ ضمن أول لقاءات "المسار الثاني" بين الولايات المتحدة وإيران في التسعينيات، وساعدتُ في تعزيز المساءلة عن جرائم الحرب التي ارتكبها الزعيم العراقي صدام حسين ضد الإيرانيين.
وفي العقد الأول من الألفية، خلال عملي في مكتب العراق بوزارة الخارجية الأميركية وفي السفارة الأميركية في بغداد، ساعدتُ في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تتصدى بقوة -وغالبًا بنجاح- للحرس الثوري الإيراني ووكلائه. ثم، كنائب مساعد وزير لسياسات مكافحة الإرهاب في وزارة الأمن الداخلي الأميركية، ترأستُ فريق العمل الخاص بإيران من 2012 إلى 2018، وساعدتُ في الحماية من مجموعة واسعة من التهديدات الإيرانية. كما عملتُ عن كثب مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط للمساعدة في حماية البنية التحتية من الهجمات الإرهابية. آنذاك كما الآن، كانت إيران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم.
وقد أكدت خبرتي الطويلة مع إيران هذه النتيجة: لأسباب تاريخية وثقافية واستراتيجية، يستخدم النظام الإيراني نوعًا خاصًا من "التناظر" في إدارة حملاته العسكرية والإرهابية. وتوضح عدة أمثلة نهج إيران:
* في يونيو 2010، أظهر فيروس "ستاكسنت" كيف يمكن لأنظمة التحكم الصناعية أن تُلحق الضرر بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية لتخصيب اليورانيوم. وفي عام 2013، حاولت إيران تنفيذ هجوم إلكتروني على نظام تحكم صناعي يستهدف سدًا في راي، نيويورك.
* في يوليو 2012، فرضت الولايات المتحدة عقوبات تستهدف البنوك الإيرانية. وبعد شهرين، صعّدت إيران هجمات حجب الخدمة الموزعة التي استهدفت بشكل رئيسي بنوكًا أميركية.
* في أغسطس 2012، أدّى هجوم "شمعون" الإيراني المفاجئ إلى حذف 35 ألف قرص صلب في شركة النفط الحكومية السعودية أرامكو. وقد وُصف ذلك حينها بأنه "أكبر اختراق في التاريخ". لكن ما لم يحظَ باهتمام كبير هو أن برمجية "ماسحة" كانت قد حذفت بيانات في وزارة النفط الإيرانية وشركة النفط الوطنية الإيرانية في أبريل 2012. استغرق المبرمجون الإيرانيون شهرين لمعرفة ما حدث، وشهرين آخرين لتنفيذ ردهم المتناظر.
* عندما بدأ ترامب حملة "الضغط الأقصى" في عام 2018 للحد من صادرات النفط الإيرانية، وصفت إيران ذلك بأنه "حرب اقتصادية" وحاولت تقليل قدرة حلفاء الولايات المتحدة على تصدير النفط، أولًا عبر هجمات مايو ويونيو 2019 على ناقلات النفط وخط أنابيب سعودي، ثم عبر هجوم بقيق في سبتمبر 2019 الذي خفّض مؤقتًا صادرات النفط السعودية إلى النصف.
* بعد أن أمر ترامب بضربة بطائرة مسيّرة في يناير 2020 قتلت الجنرال الإيراني قاسم سليماني، أطلقت إيران صواريخ على قواعد أميركية في العراق، ثم حاولت اغتيال ترامب ومسؤولين أميركيين آخرين.
* بعد الضربات الجوية الأميركية خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، ردّت إيران مدعية أنها استخدمت "نفس عدد الصواريخ بعدد القنابل التي استخدمتها الولايات المتحدة في مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية."
وقد استمر هذا النمط في الحرب الحالية:
* في 18 مارس، هاجمت إسرائيل منشآت معالجة الغاز الطبيعي في حقل جنوب فارس. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، ردت إيران بضرب منشآت رأس لفان لمعالجة الغاز في قطر. لم تكن قطر لها علاقة بهجوم إسرائيل، لكن المنشأة التي استهدفتها إيران تعالج الغاز من نفس الحقل الضخم.
* وعندما استهدفت الولايات المتحدة جسرًا إيرانيًا في 2 أبريل، نشرت وكالة فارس شبه الرسمية فورًا قائمة بجسور في الدول العربية وإسرائيل يمكن لإيران استهدافها.
دلالات التناظر
لا يعني كل ذلك أنه إذا امتنعت الولايات المتحدة عن مهاجمة إيران، فإن طهران ستتركها وشأنها. فقيادة النظام تعتقد أنها تقود "محور المقاومة" ضد ما تعتبره هيمنة عالمية غير عادلة من قبل الولايات المتحدة. ولم يعترف أي قائد إيراني منذ عام 1979 بأن الطريقة التي تمارس بها إيران قوتها -مثل دعم جيوش بالوكالة في دول أخرى، وتخصيب اليورانيوم بمستويات تفوق أي غرض سلمي، والدعوة إلى تدمير دولة إسرائيل- هي تحديدًا الأسباب التي تجعل العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تعارض ما تقوم به إيران. والمفارقة أنه لو توقفت إيران عن هذه الأفعال، لكانت أكثر أمنًا لا أقل.
كما أن واشنطن وطهران لا تتبعان نفس النهج في الاستراتيجية العسكرية. فالمسؤولون الإيرانيون عمومًا لا يتبعون التاريخ والعقائد التي تُدرّس في الأكاديميات العسكرية الغربية وأقسام العلوم السياسية. وفي المقابل، فإن القليل جدًا من التفكير الاستراتيجي الإيراني متاح في المصادر المفتوحة باللغة الإنجليزية.
ما يغفله الكثيرون في واشنطن هو أن إيران تميل إلى استخدام تناظر على المستوى العملياتي والتكتيكي، بينما تعتمد استراتيجيات غير متناظرة. لقد حضرت العديد من الاجتماعات السياسية رفيعة المستوى مع مسؤولين أميركيين ناقشت مفاهيم مثل الهيمنة في التصعيد والردع الاستراتيجي، لكن هذه المفاهيم الغربية لا تغيّر طريقة تفكير إيران.
ولذكر مثال واحد، فإن عددًا قليلًا جدًا من القادة الأميركيين أخذوا الوقت لدراسة كيف شكّلت الحرب الإيرانية-العراقية (1980–1988) استراتيجية إيران الثورية. فقد خرجت طهران بعدة دروس، منها أن النظام يجب أن يعتمد على نفسه. شعر القادة الإيرانيون بالظلم لأن العالم لم يقف إلى جانبهم عندما غزا العراق إيران في سبتمبر 1980 فيما تسميه إيران "الحرب المفروضة". لكن ما لم يدركه القادة الإيرانيون هو أن احتجازهم لـ52 دبلوماسيًا أميركيًا في نفس الوقت كان سببًا رئيسيًا لعدم حصولهم على دعم دولي.
وقد تركت هذه التجربة أثرًا مريرًا: فعندما وافق المرشد الأعلى روح الله الخميني على وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة عام 1988، وصف ذلك بأنه "أسوأ من شرب السم".
لكن إيران تعلمت دروسًا أخرى أيضًا من الحرب. أولًا، استنتجت أن الحماسة الدينية كانت أهم لتحقيق النصر من المعدات العسكرية المتطورة. ثانيًا، رأت أن قيمة القوة الجوية على النمط الغربي مبالغ فيها، وهو استنتاج قادها إلى تبني الصواريخ ولاحقًا الطائرات المسيّرة. ثالثًا، كانت قدرة إيران على الهيمنة على الخليج الفارسي ربما أهم سلاح لديها.
ومن النقاط القليلة التي تتقاطع فيها دوائر التفكير الاستراتيجي الإيراني والغربي أن الأولوية القصوى للحرس الثوري والحكومة الدينية هي بقاء النظام. ولهذا استثمر النظام بكثافة في أدوات القمع لمنع حدوث ثورة شعبية، وهو ما يفسر أيضًا مقتل ما بين 5,000 و30,000 إيراني خلال احتجاجات يناير من هذا العام.
إدخال نهج إيران في التخطيط الأميركي
كل ما سبق يعني أن مهاجمة صادرات النفط الإيرانية ومحطات توليد الكهرباء ومنشآت المياه لن تكون استراتيجية رابحة.
من الناحية العسكرية، من المرجح أن تنجح مثل هذه الهجمات. فالسيطرة على جزيرة خرج أو تعطيل إنتاجها سيكون له تأثير فوري. كما أن إيران تعاني من نقص في المياه، واستهداف الكهرباء والمياه سيؤدي إلى نزوح داخلي لملايين الأشخاص، ومن المرجح أن يتجه الكثير منهم نحو تركيا، مما سيخلق أزمة لاجئين.
كما أن إيران سترد، وستزيد من شدة هجماتها. ولن يتم إسقاط كل صاروخ أو طائرة مسيّرة إيرانية. وستُستهدف البنية التحتية الحيوية للطاقة والمياه في الخليج. وعلى الرغم من أن دول الخليج استعدت لمثل هذه الكارثة وستبدأ الإصلاحات فورًا، فإن الأضرار الواسعة قد تعني عدم توفر بدائل احتياطية. وقد يؤدي هجوم إيراني مباشر على منشآت تصدير النفط والغاز العربية إلى توقف ملايين البراميل من الإنتاج لعدة أشهر، وقد يتبع ذلك ركود اقتصادي عالمي.
يمكن لإيران أن تتحمل أضرارًا كبيرة في بنيتها التحتية دون تغيير استراتيجيتها، التي تقوم على تمسك الحرس الثوري والحكم الديني بالسلطة بأي ثمن. وقد يعمل الموعد النهائي الذي حدده ترامب لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ضد استراتيجيته. فإذا تمكنت إيران من تحمل الضربات الأميركية خلال هذه الفترة المحدودة، وألحقت في الوقت نفسه أضرارًا مماثلة في المنطقة، وحولت مضيق هرمز إلى تهديد مباشر لدول الخليج والاقتصاد العالمي، فقد تخرج إيران كمنتصرة. وهذا سيجعل ترامب يبدو خاسرًا، وهو أيضًا هدف إيراني.
إذا لم تكن مهاجمة منشآت الطاقة وتحلية المياه استراتيجية رابحة للولايات المتحدة، فعليها البحث عن خيارات أخرى. وسأتناول عدة خيارات في مقال لاحق الأسبوع المقبل. لكن في الوقت الحالي، ينبغي على ترامب ومستشاريه أن يأخذوا في الحسبان كيفية تفكير النظام الإيراني وفهمه لنقاط قوته وضعفه، خاصة إحساسه الخاص بالتناظر.



اضف تعليق