استخدام الأسواق المرتبطة بقضايا اجتماعية أو سياسية مثيرة للانقسام لتضخيم الاستقطاب، حيث يقوم الفاعلون الأجانب بتحريك الأسعار بشكل انتقائي ثم تأطير تلك التحركات كدليل على أن "الجميع يعلم" أن نتيجة مثيرة للجدل باتت مرجحة أو حتمية. وعند اقتران ذلك بمحتوى رخيص مولد بالذكاء الاصطناعي و"أدلة" مفبركة، مثل لقطات تم التلاعب...
في مقال نشره موقع المجلس الاطلسي يقدم الكاتب ماثيو وين تحليلاً لكيفية تحول أسواق التنبؤ من مجرد منصات استشرافية إلى "متجه جديد" تستغله القوى الأجنبية للتلاعب بالرأي العام. حيث يوضح أن اعتماد وسائل الإعلام على هذه الأسواق كإشارات موثوقة للواقع يفتح الباب أمام الخصوم لاستخدام رأس المال والمعلومات المسربة لتزييف السرديات، مما يهدد الثقة في المؤسسات الديمقراطية والأمن القومي، وينادي بضرورة وضع ضوابط رقابية ومعايير إعلامية صارمة للحد من "تسليح" هذه الأدوات المالية.
وفيما يلي ترجمة المقال:
تنتقل منصات أسواق التنبؤ بسرعة من كونها مجرد فضول معرفي لفئات محدودة إلى ركائز أساسية في التغطية الإعلامية السائدة، ومع ذلك، لا تزال تداعياتها على أمن المعلومات والمرونة الديمقراطية دون دراسة كافية. وبينما بدأت المؤسسات الإخبارية الكبرى في دمج بيانات أسواق التنبؤ في تقاريرها كـ "إشارات" شبه موثوقة، فإنها تخاطر بفتح متجه (Vector) جديد لعمليات النفوذ من قبل الخصوم الأجانب. هذا النظام البيئي الناشئ يطمس الخط الفاصل بين التوقعات الاحتمالية الحقيقية والسرديات الموجهة، مما يخلق بيئة خصبة للتلاعب بالرأي العام، والأسواق، والثقة في المؤسسات الجوهرية.
من الاحتمالات إلى "الحقيقة"
كيف يمكن أن يتجلى هذا الخطر؟ بادئ ذي بدء، تقدم أسواق التنبؤ نفسها كمجمعات محايدة للمعلومات المشتتة، مما يوحي بأن الأسعار تعكس أفضل تخمين جماعي للأحداث المستقبلية، بدلاً من تفضيلات مجموعة ضيقة من المشاركين ذوي الدوافع المتنوعة. وعندما تتبنى وسائل الإعلام هذا الإطار عبر الإشارة إلى أسعار السوق في قضايا تتراوح من الانتخابات والركود الاقتصادي إلى الحروب والأحداث الرياضية الكبرى، فإنها ترفع تلك الأسعار والسرديات المرتبطة بها من مجرد نقاط بيانات إلى حكام مرجع للواقع.
أما من الناحية العملية، فغالباً ما تكون هذه الأسواق "ضحلة" (Thin Markets)، ويهيمن عليها أحياناً تجمع صغير نسبياً من المراهنين المحترفين والمتحمسين والمضاربين. إن التعامل مع تحركات هذه الأسواق كانعكاسات شفافة للاعتقاد العام ينطوي على مخاطرة بمنح قوة سردية غير متناسبة لأطراف تمتلك رأس المال والحافز لتشكيل الأسعار لأسباب قد لا تمت بصلة لدقة التنبؤ. يثير هذا الديناميكي قلقاً خاصاً عندما تتقاطع الموضوعات المطروحة مع الأمن الداخلي، أو الأمن القومي، أو الأمن السيبراني.
اتساع نطاق الهجوم
إن منطق التلاعب بالسردية عبر الأسواق مرئي بالفعل في سياقات تجارية حميدة. لنأخذ مثلاً سوق تنبؤ حول ما إذا كان فيلم سينمائي ضخم سيتجاوز 100 مليون دولار في عطلة نهاية أسبوعه الافتتاحية؛ يمكن للاستوديو المنتج، بشكل عقلاني، تخصيص جزء من ميزانيته التسويقية لشراء خيار "نعم" لرفع السعر، ثم الاستشهاد بهذا التحرك لمراسلي الترفيه كدليل على الأداء القوي المتوقع. وبذلك يصبح السوق أداة ترويجية وإشارة ذاتية المرجعية تبرر التفاؤل الموجه الذي صنعته بنفسها.
وفي الرياضة، تنطبق ديناميكيات مماثلة. فإذا بدأت غرف الأخبار في الاعتماد على أسواق التنبؤ كما تعتمد على تحليلات الأداء، فستصبح تلك الأسواق أدوات جذابة للوكلاء أو الفرق التي تسعى للتأثير على الجوائز أو الحوافز المرتبطة بالعقود. إن اتخاذ مركز مالي مركز في سوق متعلق بجائزة "اللاعب الأكثر قيمة"، مقترناً بضغط إعلامي منسق، قد يشكل بمهارة تصورات المصوتين والمعجبين. ورغم أن هذا السلوك قد يشبه العلاقات العامة التقليدية ويقع ضمن حدود القانون، إلا أنه يوسع المساحة التي يمكن من خلالها إثارة تساؤلات حول العدالة والنزاهة والشرعية.
من نزاهة الرياضة إلى الأمن القومي
هذه الأمثلة التي تبدو ضيقة النطاق تكتسب أهميتها لأنها تساعد في تطبيع الشكوك حول عدالة النتائج في مجالات كانت تاريخياً بمثابة مساحات غير سياسية للتجربة المشتركة. فإذا واجه المشجعون تكراراً اتهامات -سواء كانت مثبتة أم لا- بأن خطوط المراهنة أو الجوائز أو نتائج المباريات يتم التلاعب بها، فإن ثقتهم الأساسية في نزاهة الرياضة ستتآكل. وهذا التآكل لا يمكن احتواؤه بسهولة، بل قد يمتد ليشمل المواقف تجاه أحداث ومؤسسات كبرى أخرى، بما في ذلك الانتخابات، والأسواق المالية، والعمليات الحكومية، أو المناورات الجيوسياسية.
ولا نحتاج للبحث بعيداً عن الحالة الأخيرة في الجيش الإسرائيلي؛ ففي فبراير 2026، تم توجيه الاتهام لشخصين على الأقل بتهمة استخدام معلومات استخباراتية سرية تتعلق بالأمن القومي لوضع رهانات على منصة "Polymarket" لجني أرباح تصل إلى 100,000 دولار. ويُحسب لقوات الأمن الإسرائيلية تحركها السريع بإجراء قانوني هو الأول من نوعه للحفاظ على الثقة المدنية في المؤسسة العسكرية.
لقد أظهر الخصوم الأجانب بالفعل قدرتهم على الربط بين الاختراقات السيبرانية وعمليات المعلومات، مستغلين البيانات المسروقة لتشكيل سرديات ذات أثر استراتيجي. وفي عالم توجد فيه أسواق تنبؤ سيولة (Liquid markets) حول موضوعات جيوسياسية حساسة -مثل استقرار الأنظمة، أو التصعيد العسكري، أو قرارات العقوبات- فإن الوصول إلى معلومات مميزة والقدرة على تحريك الأسواق يوفران أدوات قوية. على سبيل المثال، يمكن لجهاز استخبارات اخترق نظام البريد الإلكتروني لشركة ضمن قائمة "Fortune 500" أو الاتصالات الداخلية لوكالة حكومية أن يتربح من تلك المعلومات ويسلحها في آن واحد عبر اتخاذ مراكز مالية في الأسواق ذات الصلة، ثم تضخيم تحركات الأسعار الناتجة كـ "دليل" على أحداث وشيكة.
العمليات المالية والسردية المدعومة سيبرانياً
حتى في غياب التجسس السيبراني، يمكن للخصوم استخدام رأس المال والمحتوى لتحقيق تأثير مماثل. فعلى سبيل المثال، يمكن لسوق ضعيف التداول حول ما إذا كان نظام معين سيسقط بحلول تاريخ معين أن يتغير بشكل جوهري من خلال صفقة واحدة من ستة أرقام. وبمجرد تحرك السعر، قد تقوم شبكات منسقة من الحسابات والوكلاء الإعلاميين بالإشارة إلى السوق كمؤشر يبدو محايداً على أن استقرار النظام في خطر شديد. هذا النهج يحول نفقات مالية صغيرة إلى رافعة لتشكيل التغطية الإخبارية، ومعنويات المستثمرين، والتوقعات العامة.
وينطبق النموذج نفسه محلياً؛ حيث يمكن استخدام الأسواق المرتبطة بقضايا اجتماعية أو سياسية مثيرة للانقسام لتضخيم الاستقطاب، حيث يقوم الفاعلون الأجانب بتحريك الأسعار بشكل انتقائي ثم تأطير تلك التحركات كدليل على أن "الجميع يعلم" أن نتيجة مثيرة للجدل باتت مرجحة أو حتمية. وعند اقتران ذلك بمحتوى رخيص مولد بالذكاء الاصطناعي -صوتاً أو فيديو أو نصاً- يمكن تعزيز هذه الجهود بـ "أدلة" مفبركة، مثل لقطات تم التلاعب بها لتقويض الثقة في حياد المؤسسات بشكل أكبر.
السياسات، الحوكمة، والاستجابات الأمنية
الهدف ليس إلغاء أسواق التنبؤ (أو المراهنات الرياضية)، التي يمكن أن تقدم قيمة معلوماتية واقتصادية حقيقية، بل التعرف على المخاطر الأمنية التي تفرضها وتخفيف حدتها. ومع انتشار هذه الأسواق واندماجها بعمق في بيئة المعلومات، يجب على صناع السياسات والمنظمين وقادة الصناعة التعامل معها كبنى تحتية مزدوجة الاستخدام تتطلب حواجز حماية مدروسة.
هناك عدة مسارات للعمل تستحق النظر:
* أولاً: يجب على المؤسسات الإعلامية تبني معايير شفافة لتوقيت وكيفية الاستشهاد ببيانات أسواق التنبؤ، مع التأكيد على أن الأسعار تعكس قناعات وحوافز مجموعة محدودة من المشاركين بدلاً من الحقائق الموضوعية. فعلى سبيل المثال، أضافت "CNBC" إفصاحاً عن استثمارها في منصة "Kalshi" عندما تقدم تقارير عن المنصة سواء على موقعها الإلكتروني أو عبر البث.
* ثانياً: يجب على المنظمين والمنصات وضع متطلبات إفصاح للمراكز المالية الكبيرة أو المنسقة في الأسواق المرتبطة بالانتخابات، أو الأحداث الأمنية القومية الكبرى، أو الشركات ذات الأهمية النظامية، إلى جانب تعزيز التدقيق في المشاركة الأجنبية في مثل هذه الأسواق.
* ثالثاً: يجب على منصات التنبؤ الاستثمار في مراقبة قوية لنزاهة السوق، بما في ذلك آليات الكشف عن أنماط التداول الشاذة التي تتزامن مع حملات معلومات منسقة.
* رابعاً: يجب على سلطات الأمن الداخلي والأمن السيبراني دمج أسواق التنبؤ في تقييمات التهديد الأوسع لبيئة المعلومات، مع الإدراك بأن الأدوات نفسها التي يمكن أن تحسن التوقعات يمكن أيضاً تسليحها لتآكل الثقة في عدالة وشرعية العمليات الديمقراطية الجوهرية.



اضف تعليق