مايكل يونغ

 

رايتشل برونسون

المديرة التنفيذية وناشرة Bulletin of the Atomic Scientists ، ومؤلفة كتاب Thicker Than Oil: America’s Uneasy Partnership with Saudi Arabia (أكثف من النفط: شراكة أميركا المضطربة مع السعودية) – (2006):

يمكن تلخيص رحلة الملك سلمان إلى موسكو الأسبوع الماضي بكلمة واحدة: مُحرجة. مُحرجة بكل ما للكلمة من معنى، بدءاً من تعطُّل السلم الكهربائي المذهّب الذي استخدمه الملك للنزول من طائرته إلى المدرج، وبقائه مُجمّداً على نحو غير مريح لبضع لحظات قاسية. لكن رحلته كانت غريبة أيضاً لأن السعودية كانت سعت، طيلة تاريخها تقريباً، إلى الحدّ من النفوذ السوفياتي، والروسي مؤخراً، في الشرق الأوسط. فلماذا عاكس الملك سلمان التاريخ وزار روسيا، في أول رحلة من هذا النوع يقوم بها عاهل سعودي؟

ترتكز الاستراتيجية العليا السعودية على صمود النظام وتجنّب التطويق الخارجي. وقد تعمّقت العلاقات الأميركية-السعودية خلال الحرب الباردة، حين شعر السعوديون بالتهديد جرّاء التقدّم السوفياتي في مصر وسورية والعراق واليمن. ومنذ غزو العراق في العام 2003، اعتبرت السعودية إيران الخصم الأول المُهدّد لها. وراقب السعوديون قيام إيران على نحو مطرد بتعزيز نفوذها السياسي في المنطقة: في لبنان، وقطاع غزة، والعراق، وسورية، واليمن. واليوم، يختبر الملك سلمان ما إذا كان بإمكانه زعزعة العلاقة بين طهران وموسكو، من خلال إدخال المملكة بين الطرفين، في إطار ترتيبات عسكرية واقتصادية مُربحة جديدة. يشار إلى أن الرياض كانت استخدمت هذا التكتيك من قبل لتشجيع بروز سياسات أكثر ملاءمة لها.

ما تداعيات هذا التطوّر على العلاقات الأميركية- السعودية؟ ربما ليست كثيرة. فنظراً إلى نفوذ روسيا المتنامي في المنطقة، يحتاج السعوديون إلى حليفهم القديم، حتى لو كانت الولايات المتحدة مشتتة محلياً ولا يمكن التنبؤ بخطواتها دولياً. وتُعتبر عقود الدفاع الأميركية-السعودية، التي تمّ توقيعها في أيار/مايو الماضي والتي تبلغ قيمتها 100 مليار دولار، دليلاً على الأهمية المستمرة للعلاقات. لكن السعوديين يشعرون بالتوتر بشكل واضح، ويتطلّعون إلى لعب دور أكثر فعالية في تشكيل الواقع السياسي لمنطقتهم، حتى لو كان ذلك يعني التغاضي عن تاريخ حافل بالعلاقات الاشكالية مع روسيا. لكن، قد تُثبت هذه الحقائق السياسية أن تسويتها أصعب من إصلاح سلم لامع غير متجاوب.

فريدريك ويري

باحث أول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تركّز أبحاثه على ليبيا وشمال أفريقيا ودول الخليج:

ليست زيارة الملك سلمان لموسكو انزلاقاً في الصفائح التكتونية للقوة العالمية، يترافق مع انحسار للنفوذ الأميركي، بل هي تعبير عما كان دائماً نموذجاً دبلوماسياً سعودياً، حتى قبل أن يتسنّم الملك سلمان الحكم، أي "محفظة متنوعة" للتحوّط ضد واشنطن، وهو ماوصفه أحد الباحثين بأنه "التبعيّة المتعدّدة المدروسة".

المحادثات كانت مهمة لا شك، إذ تضمّنت في ثناياها اعترافاً سعودياً صريحاً بسلطة روسيا في سورية ونفوذها المطرد في المنطقة. وكانت السعودية تتقرّب أيضاً من روسيا في اليمن، وتأمل أن تؤدي صفقة الغاز مع موسكو إلى تعزيز عزل منافستها قطر. كذلك تمنح صفقة الأسلحة المقترحة البالغة قيمتها 3.5 مليارات دولار الدعم لرؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مع إمكانية نقل التكنولوجيا التي يمكن أن تحفز إنشاء قطاع لتصنيع أسلحة سعودية محلية، وخلق فرص عمل للسعوديين. وفي المقابل، قد تمنح الاستثمارات السعودية المحتملة روسيا بعض الغيث من العقوبات التي فرضتها كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لكن، إذا نظرنا إلى ماهو أبعد من هذه المحصلات المحلية المحتملة –وأشدّد على أنها مُحتملة– نجد أن التأثير الجيوسياسي الفعلي للزيارة قد لايكون زلزالياً بالقدر الذي يتخيّله الكثيرون. إذ لاتدشّن هذه الرحلة ولادة حكم مشترك جديد لإدارة الشرق الأوسط، حيث تستمتع روسيا "بلحظتها" وتختفي أميركا من المعادلة. كما قد تكون آمال الرياض بأن تدفع المغريات الاقتصادية روسيا إلى إقناع إيران بالخروج من سورية مفرطاً في التفاؤل على المدى القريب. فمع أن العلاقة بين طهران وموسكو حيال سورية يشوبها التوتّر، إلا أن روسيا لاتزال تعتمد على القوات الإيرانية لتتمكن من الوصول إلى مناطق أساسية في البلاد، ناهيك عن أنها ترغب في الحفاظ على ارتباط أوسع مع إيران في أوراسيا وآسيا الوسطى. من بين التصريحات الأخرى غير المتروّية هي التحذيرات اللاهثة من أن صفقة الأسلحة بين الدولتين ستقوّض العلاقات الأمنية للولايات المتحدة. إذ تمّ الإعلان سابقاً عن إبرام مثل هذه الصفقات مع روسيا، لكنها لم تتحقق غالباً. في مطلق الأحوال، يتقزّم العرض الروسي مقارنةً مع حجم الصفقات الراهنة والمقترحة لتوريد الأسلحة الأميركية إلى المملكة.

باختصار، ليست هذه المرة الأولى التي يتردّد فيها أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط "يتجاوزونها" عبر توطيد علاقاتهم مع قوى خارجية مثل روسيا والصين. لكن مثل هذه المخاوف تسيء تأويل حقيقة أن العلاقات بين الراعي والزبون في الشرق الأوسط، حتى العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، ليست ثنائية بل متعدّدة الأطراف.

جاين كينينمونت:

باحثة أولى ونائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس، المعهد الملكي للشؤون الدولية:

يسود انطباع واسع النطاق في دول الخليج بأن الولايات المتحدة أقل التزاماً بأمن الخليج من السابق. ويُعزى ذلك جزئياً إلى الطبيعة المتغيّرة لسوق الطاقة العالمي، إذ باتت الولايات المتحدة تؤمّن نفطاً أكثر من إنتاجها المحلّي، فيما دول الخليج تصدّر النفط بشكلٍ أساسي إلى الدول الآسيوية.

لكن هذا يعكس أيضاً مخاوف الحكام الخليجيين من احتمال ألا تهبّ الولايات المتحدة إلى نجدتهم في وجه المخاطر الكُبرى التي يعتبرون أنها تترصّد بهم. ففي العام 1991، أبدت الولايات المتحدة استعدادها للدفاع عن الكويت ضد الغزو، إلا أنها لم تكن مستعدة للدفاع عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العام 2011 ضد الانتفاضة الشعبية. من منظور الغرب، كان الاختلاف واضحاً بين الحالتين، إلا أنه لم يكن على الدرجة نفسها من الوضوح بالنسبة إلى حكّام الخليج. فهم يعتبرون أن التهديدات الأساسية المُحدقة بهم تشمل التحديات السياسية الداخلية المتربّصة بأنظمتهم القائمة، والتهديدات الداخلية والخارجية الهجينة التي يرتبط فيها الخصوم المحليّون بحركات عابرة للوطنيات ورعاة أجانب. لذا وجّه العديد من الأمراء الخليجيين إلى أميركا رسالة مفادها: لسنا موافقين على ماتقوم به روسيا في سورية، لكننا نتمنى لو كان لدينا حلفاء يفعلون لنا ماتفعله روسيا للرئيس السوري بشار الأسد.

في ظل هكذا حالة التباس، تتطلّع دول الخليج إلى إقامة تحالفات جديدة تجلّت من خلال زيارة العاهل السعودي الرسمية الأولى إلى موسكو، ومدّ جسور التعاون مع الشركاء الآسيويين. كذلك، تسعى دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها القديمة، عبر تكثيف التعاون الأمني مع الجيشين المصري والأردني، ومع المملكة المتحدة التي تعمل على توسيع وتطوير قواعدها البحرية في البحرين وعُمان.

حسين إبيش

باحث أول مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن العاصمة:

بعض أوجه زيارة العاهل السعودي لاتتعلّق بسياسات واشنطن. إذ ينبغي على الرياض وموسكو التعاون لتحقيق استقرار أسعار الطاقة، وهو مايعتمد عليه اقتصاد كلٍّ منهما. وتُعدّ هذه العلاقات ثنائية في الغالب. لكن، تشي عناصر أخرى من هذه الزيارة بأن السعوديين يرغبون على نحو متزايد في إقامة علاقات مع روسيا، وتنويع الخيارات المتاحة أمامهم، وتكوين موقف مستقل خاص بهم في المنطقة، خاصةّ بعد أن بدأ نفوذ روسيا وحلفائها الداعمين للرئيس بشار الأسد يتنامى جزئياً بسبب وقوف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي حيال سورية. ولكي تنجح الرياض في احتواء النفوذ الإيراني في سورية، لابدّ من التعاون مع موسكو.

إن توطيد العلاقات مع موسكو، قد يحفّز الولايات المتحدة على الاستجابة لمخاوف السعوديين. وخير مثال على ذلك توصّل روسيا والسعودية إلى اتفاق لشراء المملكة عدداً غير محدّد من منظومة صواريخ "إس-400" الروسية المضادّة للطائرات. تجدر الإشارة هنا إلى أن لدى الرياض رغبة كبيرة في الحصول على منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الأميركية "ثاد"، لزيادة مخزونها الراهن من بطاريات صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ. وكانت واشنطن تماطل في إتمام صفقة البيع، التي قد يوقفها الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون. لكن لم يكن مستغرباً أن توافق وزارة الخارجية الأميركية يوم الجمعة، في أعقاب الإعلان عن صفقة بيع صواريخ "إس-400"، على بيع الرياض منظومة "ثاد" الصاروخية" بقيمة 15 مليارات دولار.

http://carnegie-mec.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق