بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1).

وقال جل اسمه: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ)(2).

والحديث عن هذه الآيات الكريمة سيكون عبر البصائر التالية:

من ظِلال مفردة المسّ ودلالاتها

البصيرة الأولى: ان اختيار مفردة المسّ في قوله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً) و(وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) يحمل في طياته أبلغ الدلالات وأروعها حِكمةً وبلاغةً وعمقاً ووعظاً أيضاً.. ولقد كان من الممكن ان يقال (إذا أصابه الشر) كما قال تعالى: (الَّذينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)(3) أو يقال: (إذا جثم عليه الشر) أو (إذا وقع عليه)، لكن انتفاء مفردة المسّ يستبطن ظرائف ولطائف لا تقوم بها سائر المفردات.. وذلك هو ما يكشفه لنا التفقه في اللغة والتدبر في مفردة المسّ.

والذي نستظهره، استناداً إلى الإرتكاز العرفي وتتبع الكثير من موارد الاستعمال، ان (المسّ) يستعمل، لدى الدقة، في حالة سرعة المفارقة وسطحية الإصابة، أما (أصاب) فلا تستعمل إلا لدى الشدة والقوة إذ تقول مثلاً أصابني حجر ولا تقول مسني حجر إلا لو مسك بشكل سطحي عابر، كما لا يقال: مسني الحجر إذا سقط عليك ولا يقال مسني الحيوان المفترس إذا جثم عليك، بل المس يفيد الإصابة البسيطة أو السطحية كما يستبطن عدم اللبث وسرعة المفارقة ولذا لا يقال مسني شك عميق بل تقول مثلاً سيطر عليَّ شك عميق كما لا تقول مسنا الجهل الفادح بل تقوم خيّم علينا الجهل.

من إيحاءات (المسّ) في الآيات القرآنية

وربما يشهد لذلك تتبع الكثير من موارد الاستعمال القرآني.. فلنتدبر(4) في الآيات الكريمة الآتية معاً:

أ- قوله تعالى: (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً)(5) والضرُّ في البحر عابر وإن طال ساعات وأياماً فهو سريع المفارقة وسطحي الإصابة في مثل حالة هؤلاء الذين أنجاهم الله تعالى إلى البرّ، وسياق الآية يشفع لذلك؛ إذ نستفيد ان الناس بمجرد ان يمسهم ضرُّ في البحر يتركون آلهتهم كلها ويلجؤون إلى الله تعالى، لكنهم بمجرد ان ينجيهم إلى البرّ، وهي قرينة صريحة على المفارقة وعدم لبث الضرّ واستقراره، يُعرضون عنه تعالى.

ويؤيده ان هذا أبلغ في التوبيخ: انهم بمجرد ان يمسهم الضرّ، المفارق مآلاً والسطحي واقعاً، ينسون كافة آلهتهم ويلجؤون إلى الله تعالى ثم ينسونه سريعاً بمجرد ان ينجيهم، فما أحقر من يتميز بهذه الصفة؟ ولو كان إذا توغل فيه الشرّ وتجذّر وطال وامتدّ، ينسى آلهته ويلجأ حينئذٍ فقط إلى الله تعالى، لكان أقل استحقاقاً للوم، ولوصفه بالكفور إذ الكفور من يكفر في مختلف الحالات أو في حالتي شدة الضرّ وخِفته وليس من يكفر عند شدته فقط، ولأنه إذ يكشف عن انه كان معتقداً بها حقاً حتى إذا لم يجد مناصاً من تركها تركها.. ولكنه يتركها عند أدنى عَرَض فأية آلهة هذه التي يؤمن بها؟ وأي إنسان كفور هذا؟

ب- قوله تعالى: (يَكادُ زَيْتُها يُضي‏ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ)(6) والآية ظاهرة الدلالة على سطحية المس وسرعته المستلزمة لسرعة المفارقة، ومع ذلك يكاد زيتها يضيء.

ج- قوله تعالى: (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً)(7) وذلك استخفافاً منهم بالنار وانها تمسهم مجرد أيام وتزول فهي عرض مفارق وهي إلى ذلك، في وهمهم، سطحية غير مخيفة بشدة آلامها وعنف صدماتها وفداحة أهوالها ولذا استخفوا بها وقالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً).

د- قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ)(8) والبلاغة تقتضي ان تكون الإشارة إلى انه حتى الضر البسيط السريع المفارقة، لا يكشفه إلا الله تعالى فما أحوجنا إلى الله تعالى في كل الحالات؟، ولو كان المراد الضر الشديد العميق الدائم لأثبت الحاجة إليه في حال دون حال أو سكت عن حال ونطق بحال، مع ان ما ذكرناه يفيد الحاجة إليه في كل حال كناتج طبيعي عن الأولوية في واقع الحال.

هـ - قوله تعالى: (الَّذي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فيها لُغُوبٌ)(9) فهم في الجنة لا يمسهم النصب، حتى، وليس لا يصيبهم، فلا يبتلون بالنصب حتى بشكل سطحي، عابر مفارق.. وذلك أبلغ، دون شك، في الإقرار بعظيم فضله تعالى من ان يقال لا يصيبهم نصب شديد لازم غير مفارق.

وإيحاءات مفردة (أصاب)

وفي مقابل ذلك كله نجد الكثير من موارد استعمال (أصاب، يصيب...)، حيث تكشف عن شدة وقسوة: وربما عن نوع من الدوام والاستمرارية:

أ- قوله تعالى: (وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصيبُ بِها مَنْ يَشاءُ...)(10) فإن الصاعقة لا تمسّ الإنسان بلطف ونعومة بل تصيبه بعنفٍ وبشدة، ولو قيل (فيمسّ بها من يشاء) لوجده الذوق السليم مستنكراً.

ب- قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ)(11) فإن الفتنة تصيب هؤلاء، وهي شديدة قاسية طويلة المدة عادةً أو في مثل المقام؛ فان ذلك أنسب في مقام التحذير من ان تمسهم الفتنة فقط.. وذلك ما نشهده أيضاً في تتمة الآية الشريفة (أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ).

ج- قوله تعالى: (الَّذينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(12) فهؤلاء رغم فداحة الداهية التي نزلت بهم أو حلّت بديارهم، لا يتزعزعون ولا يفقدون إيمانهم وصبرهم وتسليمهم لأمر الله تعالى لذلك استحقوا المدح والثناء (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

د- قوله تعالى: (فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ في‏ سَبيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرينَ)(13) وذلك هو الأحرى بأن يمدحوا عليه: ان لا يهنوا ولا يضعفوا لما أصابهم رغم فداحته وشدته لا ان لا يهنوا لما يمسهم رغم سطحيته وسرعة مفارقته.

نعم، يمكن، في اللغة العربية وبحسب أنواع من التفنن البلاغي، استعمال احدى المفردات التي تبدو مترادفة في موقع مفردة أخرى، مما يطلق عليه (التضمين) وقد يكون ذلك من باب (الاستعارة).. وبذلك سنخّرج ما قد يبدو في بادئ النظر خارجاً عن القاعدة العامة التي أسلفناها في معنى (المسّ) و(الإصابة).. ولعله إلى بعض ذلك يشير ما جاء في معجم الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: (وقد يستعار المس للإصابة، ومنه قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ)(14).

قال في الأساس(15): ومن المجاز: مسه الكبر، ومسه العذاب، انتهى)(16).

فذلك كله هو ما قد نفهمه من إيحاءات مفردة المس، ولئن لم نسلّم بذلك فلنا ان نقول: ان سرعة المفارقة وسطحية الإصابة تستفاد من مناسبات الحكم والموضوع وسياق الآيات الكريمة السابقة ومن مقتضيات الحكمة والبلاغة، وفي الآية مورد البحث (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) تدفعنا إيحاءات مفردة المس أو سياق الآية الكريمة ومناسبات الحكم والموضوع وأيضاً شهادة الواقع الخارجي على استلهام ذلك المعنى أي على ان الإنسان إذا مسه الشر حتى إذا كان عابراً يجزع، كما نشهد بالوجدان ان الناس عادةً عند أدنى شر يحلّ بساحتهم يجزعون وعند أدنى خير يمسّهم يمنعون.

إذا كان الشر والخير سريعي الزوال فلماذا الجزع والاستئثار؟

البصيرة الثانية: والمهم من ذلك كله ما تستبطنه الآية الكريمة من العبرة والموعظة بحسب ما استنبطناه من معنى مفردة المسّ حيث انه إذا كان مس الشر للإنسان يوحي بمعنى سرعة المفارقة، وسطحية الإصابة فما أحرى بالإنسان أن لا يجزع عندما تحلّ به طوارق الزمان؟ وإذا كان مس الخير للإنسان يَشِي بسرعة الزوال وسطحية النوال فما أجدر بالإنسان أن لا يستأثر أبداً بتلك الأموال؟.

بل ان الواقع هو ان الدنيا مهما طالت فهي قصيرة وان المصائب مهما استمرت فإنها سريعة الزوال لأن سقفها هو سبعون سنة مثلاً، وهي لا شيء بالنسبة لسني الآخرة ومليارات السنين من العذاب المقيم أو النعيم الخالد، وكذلك الحال فيما ينالك من رخاء وجاه وما تحصل عليه من شهرة ورياسة وأموال فإنها مهما ازدادت أو امتدت وتوسعت تبقى محدودة بحدود هذه الدنيا القصيرة الزائلة؛ إذ (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ)(17).

- إِنَّما الدُنيا كَظِلٍ زائِلٍ

أو كَضَيفٍ باتَ لَيلاً فَاِرتَحَل

أَو كَطيفٍ قَد يَراهُ نائِمٌ

أَو كَبَرقٍ لاحَ في أُفْقِ الأَمَل(18)

- إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً

فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ

تَوَسَّل بِالنَبِي فكُلُّ خَطبٍ

يَهونُ إِذا تُوُسِّلَ بِالنَبيِّ

وَلا تَجزَع إِذا ما نابَ خَطبٌ

فَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيِّ

وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً

وَتَأتيكَ الـمَسَرَّةُ بِالعَشيِّ(19)

وقد يهبط الإنسان إلى أدنى من درجة البهيمية

البصيرة الثالثة: ان المعروف ان الإنسان يقف على قمةٍ شامخة تقع فوق مستوى الحيوان والحيوانية، وان حدّ الإنسانية يرقى على مستوى البهيمية ويسمو عليه بما لا يدع مجالاً لمقارنة الإنسان بما هو إنسان بالحيوان بما هو حيوان.

ولكن ومع ذلك قد يسقط الإنسان عن مرتبة الإنسانية لينحدر إلى درجة البهيمية فيفقد قيمته كإنسان بالمرة وقد قال الإمام علي (عليه السلام):

أَبٌنّي إِنَّ مِنَ الرِجالِ بَهيمَةً

في صورَةِ الرَجُلِ السَميعِ الـمُبصِرِ(20)

ولكن الأسوأ من ذلك ان ينحط هذا الإنسان أكثر فأكثر وان يستمر في رحلة السقوط حتى يهبط عن أدنى مراتب الحيوانية والبهيمية ليصل إلى مرتبة يكون فيها أسوأ وحوش الأرض افضل من هذا الإنسان وأشرف.

ولعل إلى ذلك تشير الآيتان الكريمتان: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً):

مقارنة سريعة بين الإنسان والحيوان

أ- فان الإنسان ليجزع حتى يصاب بمرض الكآبة ويزداد به الجزع حتى انك تراه قد يقدم على تعاطي المخدرات أو حتى على الانتحار.. ولكن هل رأيتم حيواناً يتعاطى المخدرات أو ينتحر؟

ب- وان الإنسان ليحصل على الثروة فيزداد حرصاً وطمعاً حتى انه يسعى لجمع المال بأي طريق حرام أو حلال وقد يرتكب عظائم الجرائم لمجرد ان يزداد ثروة على ثروة لا يصطحب معه منها إلى قبره شيئاً.. قال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)(21) وقال جل اسمه: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)(22).

ولكن هل رأيتم حيواناً يرقى إلى أدنى مستويات الإنسان في الحرص والطمع والجشع؟ ان الحيوان يأكل ما يُشبع بطنه وينصرف، ويبني عشاً أو جحراً أو مقراً ويكتفي، لكن الإنسان الهلوع يبني قصوراً شامخة ولا يشبع ويحوز المليارات ولا يقنع، وانك لتراه لا يتوقف عن حد أبداً وهو مع ذلك يمتنع عن ان يمنح للآخرين والفقراء والمساكين بعض ذلك الثراء العريض.. العريض.. فإلى دركٍ وصل هذا الإنسان؟

إلى ذلك، فان الحيوان لا يفترس إلا طعمته.. بل ان أسوأ الحيوانات وهو الذئب الذي يفتك بقطيع من الغنم. لا يرقى في وحشيته إلى مستوى الإنسان.. فهل رأيتم قط ذئباً يعذب فريسته كما يفعل الطغاة والجلادون والمعذبون وأمثال الحجاج والمتوكل وهتلر وموسوليني وصدام وسائر الطغاة؟

وبذلك فان الآيات الشريفة ونظائرها تحذرنا من أسوا خصال الإنسان التي يهبط بها عن مستوى البهيمية إلى درجات الهمجية ودركات الشيطانية: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً).

البخل والعجب يكمنان خلاف الاستبداد بالرأي والتفرد بالسلطة

البصيرة الرابعة: ان التدبر في قوله تعالى (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) يكشف عن أحد أهم الأسباب الكامنة وراء الاستبداد بالرأي والتفرد بالسلطة، ذلك ان (الخير) الذي يتصف الإنسان بكونه منوعاً فيه ومنّاعاً عنه، يشمل المال والسلطة والرئاسة والشهرة؛ نظراً لصدقه بالحمل الشائع الصناعي عليه، فإذا حصل على سلطة ما فانه يستأثر بها كما انه إذا حصل على أموال فانه يحتكرها لنفسه.

وبذلك نعرف ان مشكلة الاستبداد تعود في جوهرها إلى البخل بمنح السلطة للآخرين وتفويض بعضها إليهم ومنع الخير الذي ناله من ان يصل إلى الآخرين حتى بعضه، كما تعود من جانب آخر إلى الإعجاب بالنفس والغرور والكبرياء.. فعلى مستوى الأسرة مثلاً نجد ان الرجل قد يحتكر القرار لنفسه ولا يسمح لزوجته وأولاده، بان يشاركوه في اتخاذ القرارات التي تمسهم جميعاً مما يكشف عن حرصٍ على التمسك بالسلطة وبخلٍ بتفويض الصلاحيات من جهة كما يكشف عن عجب بالنفس وغرور وكبرياء إذ لا يعني الاستفراد باتخاذ القرارات إلا انه يرى نفسه الأكفأ والأفهم والأكثر خبرة كما يعني انه يعض على السلطة بضرس الاستئثار.

.. وكما على مستوى الأسرة، فكذلك الأمر على مستوى المؤسسة والحسينية أو المسجد أو المدرسة، والحزب أو العشيرة، فان الاستئثار بالقرار يعد من أسوأ خصال الإنسان كونه ينمّ، وكما سبق، عن بخل وجشع وغرور وطمع.

توزيع الآغائية!

وللسيد الوالد كلمة رائعة في المقام إذ كان يقول: (ان على كل واحد من العلماء والمدراء وذوي المكانة والوجاهة ان يقوم بتوزيع الآغائية وتقاسم الرياسة والقدرة مع الآخرين) فان بعض الناس تجده يجمع في يده كافة السلطات في المدرسة أو المؤسسة فتراه هو المدرّس وهو إمام الجماعة وهو الآمر الناهي.. مع ان المفترض به ان يضطلع بدورٍ معيّن وان يوكل سائر الأدوار إلى الآخرين، كي ينال كل منهم نصيباً من الخير ولا تتمركز السلطة بيد شخص واحد.

والغريب اننا نعترض على الحكام المستبدين الذين يحتكرون السلطات كلها بأيديهم، ثم ترى بعضنا لا يزيد عن كونه النموذج المصغّر لذلك الحاكم المستبد.. والمأساة ان المستبد على نطاق مصغر كلما كبر واتسعت مديات صلاحياته وسلطاته استصحب معه استبداده وتفرده.. وكلما كبر أكثر اقترب أكثر فأكثر ليكون النسخة الأخرى من فرعون وهامان ونمرود وسائر طغاة التاريخ!!.

ومن هنا فان على المرء ان يكافح حالة منوعيته عن الخير، منذ الصغر وفي أول لبنة من لبنات حياته الاجتماعية وهي العائلة.. مروراً بالمدرسة والحوزة والجامعة، وصولاً إلى الوزارة والصدارة، لو صادف وتحقق له ذلك.

نموذج مشرق من خطباء المنبر الحسيني

ومن المحبذ ان نشير في ختام هذه الحلقة إلى أنموذج مشرق من نماذج خطبائنا الكرام الذين تغلبوا على حالة منّاعية الخير فضربوا للناس أروع الأمثال.

فمن المعروف ان الخطيب المتميز تنهال عليه الطلبات وانه يدعى إلى المجالس الكبيرة المرموقة وكثيراً ما يدعى إلى مجلسين أو ثلاثة أو أكثر في عشرة محرم وغيرها، وبضغط وإلحاح من ارباب المجالس.. كما ان من المعروف أيضاً ان الخطباء المشهورين يُحجزون للمجالس قبل سنة أو سنتين أو أكثر.. كما ان من دأب بعض الخطباء رفض ان يكون خطيب طوارئ أي خطيباً يتخذه أرباب المجالس كاحتياطي فإذا فُرض وتمرض خطيبهم المفضل فانهم يلجأون إلى أي خطيب أمكن وقد يكون خطيباً من الدرجة الثالثة أو الرابعة وقد يكون ذلك يوماً قبل محرم، وسرّ الرفض، في منظار البعض، انه يعتبر ذلك امتهاناً لمكانته: أن يعتبر مجرد بديل في حالة الطوارئ وان يدعى في وقت متأخر.

ولكن الخطيب الحسيني الشهير السيد جاسم، كان، كالكثير من الخطباء الكرام، من نمط آخر.. فكان يرى مجلس الحسين (عليه السلام) فخراً سواءً أُدعي كأصيل أم كبديل وسواء أدعي مبكّراً أم متأخراً وسواء أكان المجلس مجلس أغنياء أم مجلس فقراء.. وقد حدث ذات مرة ان اقترب شهر محرم وكان السيد محجوزاً لعدة مجالس، إلا ان أحد الخطباء من الدرجة الثانية أو الثالثة تعذر عليه السفر إلى البلد المدعو إليه والذي كان السيد يرتقي فيه المنبر فاتصل أصحاب المجلس بالسيد جاسم قبل أيام من محرم ودعوه ليقيم لهم المجلس كخطيب طوارئ.. فوافق السيد فوراً ولم يستنكر ذلك ولم يتكبّر أو يتعلل بانه مثقل بالمجالس.. وهكذا كان ان ارتقى السيد لهم المنبر طوال العشرة.. وبعدها قدموا له مبلغاً جيداً من المال، ولكنه، وهنا بيت القصيد، كان ممن سمى عن ان يملكه المال وعن ان يستأثر بالخير ويمنعه عن الغير، لذلك فانه بمجرد ان حصل على المبلغ كهدية على جهده الذي بذله، انصرف إلى المنزل ليتصل بذلك الخطيب الذي حُرم من المجيء وقال له: انني تقبلت هذا المجلس بالنيابة عنك، وان كامل المبلغ الذي دفعوه لي هو بأكمله لك فانت الذي تستحقه!

وقد سجل التاريخ للسيد الطويرجاوي الكثير من أمثال هذه المواقف الإنسانية المشرّفة.. وكان ان أرانا الله تعالى بعض كرامته لمن يخلص له الخدمة ويترفع عن الإْثرة، فكان ان حظي بتكريم رسمي وشعبي استثنائي ولعلنا لا نجد في التاريخ الشيعي خطيباً مات في الغربة فبعثت له الحكومة طائرة خاصة لتصطحب جثمانه ليدفن في أرض الوطن وفي كربلاء المقدسة!.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

........................................
(1) سورة العصر: الآيات 1-3.
(2) سورة المعارج: الآيات 19-22.
(3) سورة البقرة: الآية 156.
(4) وما نذكره هنا لا نعتبره تفسيراً، بل هو استلهامات أو استضاءات أو تصورات وخواطر. فتأمل
(5) سورة الإسراء: الآية 67.
(6) سورة النور: الآية 35.
(7) سورة البقرة: الآية 80.
(8) سورة الأنعام: الآية 17، وسورة يونس: الآية 107.
(9) سورة فاطر: الآية 35.
(10) سورة الرعد: الآية 13.
(11) سورة النور: الآية 63.
(12) سورة البقرة: الآية 156-157.
(13) سورة آل عمران: الآية 146.
(14) سورة آل عمران: الآية 120.
(15) أساس البلاغة (م س س).
(16) أبو الهلال العسكري، معجم الفروق اللغوية، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم: ص468-469
(17) سورة الرعد: الآية 26.
(18) ديوان الإمام علي (عليه السلام): ص312.
(19) ديوان الإمام علي (عليه السلام): ص497.
(20) ديوان الإمام علي (عليه السلام): ص182.
(21) سورة التكاثر: الآية 1-2.
(22) سورة الفجر: الآية 19-20.

اضف تعليق