بحسب الدستور فان الشعب العراقي هو المالك الوحيد والشرعي للسلطة في العراق وهو من يحدد من سيمارس السلطة بالنيابة عنه ويعبر عن تطلعاته ورغباته في كل الميادين، وبالنظر لسعة حجم الدولة والزيادة المطردة في أفراد الشعب اختار العراقيون الديمقراطية التمثيلية لإدارة الدولة واختيار القابضين على السلطة عند الاستفتاء على الوثيقة الدستورية في شهر تشرين الأول من العام 2005 لعدم إمكانية تطبيق الأنظمة الديمقراطية الأخرى المباشرة أو غير المباشرة، إذ جرى نص المادة الخامسة من الدستور أن السيادة للقانون والشعب مصدر السلطة وشرعيتها يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر، عبر مؤسساته الدستورية، ويراد بالمؤسسات الدستورية هي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

إلا أن الواقع يقول ان المشرع الدستوري حصر أغلب السلطات والصلاحيات بالمؤسسة التشريعية وهي التي تتكون من اختيار الشعب لمجلس نيابي يتولى ممارسة دوراً خطيراً يبدأ باختيار رئيساً للبلاد ومروراً بتشكيل الحكومة والهيئات العامة والمستقلة وانتهاءً بإصدار التشريعات ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، كما منح البرلمان دوراً في تشكيل السلطة القضائية من خلال ما ورد في المادة الواحدة والستين في فقرتها الخامسة إذ يمارس سلطة اختيار قضاة المحاكم العليا في البلاد والهيئات التي تدير المؤسسة القضائية ومنها مجلس القضاء الأعلى، ويتكون البرلمان العراقي من ممثلين للشعب العراقي بحسب ما أوضحت المادة التاسعة والأربعين بنسبة نائب واحد عن كل مئة ألف نسمة من نفوس العراق، وبهذا اختار المشرع الدستوري فكرة النيابة الشاملة عن الشعب كل الشعب لا عن الحزب أو الكتلة أو الفئة والمحافظة وما إلى ذلك من عناوين فرعية.

وبطبيعة الحال يعد النائب بمثابة الوكيل عن الأفراد الذين وضعوا ثقتهم به وقلدوه مسؤولية تحقيق مقاصدهم والسهر على مصالحهم وصيانة حقوقهم وحرياتهم، لا ساعياً إلى تحجيم تلك الحقوق ومصادرة تلك المصالح التي أؤتمن عليها فهو نائب بمعنى متصرف باسم الناخبين ومعبر عن الهم المحلي والوطني، بيد ان الأمر في العراق يبدو انه يأخذ دائما المعنى المغاير حيث يسعى الكثير من نواب الشعب إلى تحجيم دور الناخبين ومصادرة رأيهم عبر التلاعب في النظام الانتخابي في كل قوانين الانتخابات التي مررت تحت قبة مجلس النواب العراقي والمجالس التمثيلية التي سبقته بعد التغيير السياسي الشامل العام 2003، كالجمعية الوطنية التي صوتت على القانون رقم (16) لسنة 2005 ومجلس النواب الذي صوت على قانوني الانتخابات العامة (45) لسنة 2013 والمحلية (36) لسنة 2008، وجرى تعديل القانون الأخير ثلاث مرات ويجري العمل على تعديله للمرة الرابعة لتنظيم الانتخابات المحلية، وما تبنى نظام سانت ليكو والتلاعب بنسب هذا النظام وصولا إلى التصويت على نسبة (1.9) إلا دليل على ان هؤلاء النواب قد انحرفوا عن الغاية التي تبرر وجودهم إلا وهي تمثيل الشعب بأمانة وحياد والسهر على مصالحه وحقوقه وحرياته، فالنسبة المتقدمة ولا شك ستحرم الشعب من أغلى الحقوق وأكثرها أهمية المتمثل بالحق في اختيار الممثلين ومن سيمارس السلطة نيابة عنه.

النظام المتقدم سيكرس هيمنة الأحزاب الكبيرة وتذهب أصوات الناخبين للأحزاب الصغيرة أو الأشخاص والقوائم المستقلة هدرا، فالمجلس النيابي يصدق عليه وصف النيابي أكثر حين يكون انعكاس حقيقي لإرادة الشعب الذي ينوبون عنه ويكون المجلس بعيداً عن هذه الصفة حيث يستغل أعضائه منصبهم لتحقيق مآرب شخصية وغايات فئوية وينحصر تفكيرهم وتتركز جهودهم الفردية والجمعية في ضمان بقائهم وأحزابهم وكتلهم في المناصب والمقاعد التي حصلوا عليها أي لضمان المكاسب السياسية والمالية والسلطوية التي ينعمون بها، دون ان يلتفتوا إلى المسؤولية المترتبة بحقهم بسبب عدم قيامهم بالمهمة الموكلة إليهم على أحسن وجه ويمكننا ان نحدد أطر المسؤولية التي تتحقق بهذا التصويت وهذا الانحراف الخطير عن مقاصد الدستور والشعب وفق الآتي :

أولاً/ المسؤولية الأخلاقية: وتعني المسؤولية الأخلاقية مخالفة الشخص ما يعد صواباً بين أصحاب المهنة أو التخصص ومخالفة آداب المهنة وقيمها، وبالتأكيد ان جل أعضاء مجلس النواب العراقي قد خالفوا آداب وأصول التمثيل البرلماني للشعب وعكفوا على تحقيق مآرب أخرى بعيدة كل البعد عما أراده الشعب، والدليل ان جل النواب يمارسون أثناء حملاتهم الانتخابية دوراً سمجاً بإطلاق العبارات الرنانة الدالة على الأمانة والقوة والثقة في الدفاع عن المصالح العامة وعن المظلومين والتمثيل الحقيقي لإرادة الشعب والطبقات الكادحة أو المعدمة، بيد ان النائب يتنصل من كل ما تقدم بمجرد وصوله إلى مبتغاه بالفوز وكسب الأصوات، وهذا يعد ذنبا أخلاقيا قبل ان يكون قانونيا يتمثل بتعمد الكذب والغش وإظهار خلاف ما الباطن.

كما ويمثل ما تقدم أيضاً خيانة للضمير وللثقة والاعتبار اللذين او دعا به، بل هو إساءة إلى مشاعر الناخبين حين يكتشفوا أنهم كانوا ضحية تدليس مورس عليهم بشكل متعمد، كما ويعد مخالفة للنصوص الشرعية القطعية المانعة للسلوكيات المتقدمة كونها تمثل ازدراء للمعتقدات وغش يمارس باسم الوطن أو الدين أو المذهب، وعندما تقوم هذه المسؤولية يكون لزاماً على الأفراد ان يحسنوا الاختيار في المستقبل بما يمنع من وصول المتلونين والانتهازيين إلى المناصب العليا التي تمكنهم من تحديد مصير البلاد والعباد، والسبب في عدم التركيز على المسؤولية الأخلاقية في كتابات الفقه لأنها تكون أمام الله سبحانه وتعالى لا أمام شخص أو هيئة محددة، بيد أنها أوسع من المسؤولية السياسية والقانونية لأن الأخلاق والضمير تكون دائرتها أوسع من دائرة القانون، والضرر شرط في المسؤولية القانونية ولا يعد كذلك في الأخلاقية، ويشترط في المسؤولية القانونية الأعمال الخارجية المخالفة للنصوص بينما تنصرف الأخلاقية إلى البواعث والنيات.

ثانياً/ المسؤولية القانونية: فالنائب منتخب من قبل أفراد الشعب وهو مسؤول أمام جمهور ناخبيه وأركان المسؤولية القانونية تتمثل في الخطأ الذي ارتكبه النائب بتقديم المصلحة الذاتية والشخصية والفئوية على المصلحة العامة ما تسبب بالضرر والأذى للمصلحة العامة ونتج عنه هدر المال العام، بل وساعد على تشبث الفاسدين بامتيازاتهم ومراكزهم، وأسهم في ضعف مؤسسات الدولة العامة نتيجة عدم تحقق الأغلبية المريحة لتشكيل الحكومة الوطنية فيصار إلى الحكومات الائتلافية بين طيف من الأحزاب المتناحرة في الإعلام المتوافقة على المغانم واقتسام الأموال العامة فيما بين قياداتها، وما تقدم متحقق حتى على مستوى المحافظات وليس على مستوى البلد فقط، والركن الثاني هو ركن الضرر وقد تقدم منا القول بفداحة الأضرار المترتبة على التصويت بتبني نظام يصادر أصوات الناخبين، والركن الثالث هو العلاقة السببية بين الخطأ والضرر فلولا الانحراف في استعمال سلطة النائب النيابية لما وقعت الأضرار العامة والخاصة، وبهذا يكون حريا بالشعب إشعار هؤلاء بعظيم الذنب الذي ارتكبوه عبر الوسائل السلمية للتعبير عن الرفض الشعبي للقانون والنظام الانتخابي الغير منصف لإرادة الشعب.

يضاف إلى ما تقدم ارتكاب العديد من النواب لمخالفات تعد جرائم بل يرقى بعضها إلى جريمة الخيانة العظمى بالاتصال بدول وأنظمة معادية للشعب العراقي وتلقي أموال وأوامر منها بالإساءة للعمل البرلماني والحكومي في العراق بما من شأنه ان يلحق الضرر بالمصلحة العامة، كما ان البعض منهم متورط وبشكل لا يدع مجالاً للشك في دعم الجماعات الإرهابية التي تقاتل الشعب العراقي وتنتهك حرماته وهذا النوع من المسؤولية يدعى بالقانونية الجنائية حيث يتحتم إحالتهم إلى المحاكم العراقية المختصة بعد جمع الأدلة الكافية لإدانتهم ومحاكمتهم أمام الرأي العام وإنزال أقسى العقوبات بحقهم كونهم خانوا الأمانة التي أودعت لديهم في تمثيل الشعب والحفاظ على مصالحه فتحالفوا مع عدو الشعب، إلا ان ما يؤسف له ان المحاصصة والتغطية المتبادلة لجرائم الفساد بين البرلمانيين والأحزاب حالت سابقاً وتحول الآن دون تقديم المجرمين للعدالة، أو على الأقل تسميتهم ليتعرف الرأي العام عليهم وعلى جرائمهم، وما تقدم ساهم في زيادة جرأة النواب في اختيار نظام انتخابي منحرف عن أسس المصلحة العامة لأنهم أمنوا العقاب، كما ان هنالك نوع أخر من المسؤولية القانونية تقوم في مواجهة النواب تتمثل المسؤولية التأديبية وفق ما أمر به قانون مجلس النواب العراقي رقم (50) لسنة 2007 والنظام الداخلي للمجلس لعام 2006 المعدل وتتمثل مخالفاتهم في تكرار الغياب عن جلسات المجلس أو تعمد الإخلال بالنصاب لاتخاذ القرارات والتصويت على القوانين أو التغيب عن عمل اللجان البرلمانية الموكول إليها القيام بأعمال مكملة ومسهلة لعمل المجلس النيابي.

بل ان الأدهى مما تقدم ان النظام الداخلي للمجلس أقر بالمادة (18) ضرورة استقطاع مبالغ من مكافأة المجلس في حال الغياب وفي حال تكرار الغياب بلا عذر ينذر العضو ويمكن ان يصوت المجلس على إقالته، إلا إننا وعلى مدار ثلاث دورات للمجلس الموقر لم نسمع أنه حاسب أحد النواب المتغيبين بل الذين يعيشون في الخارج بلا عذر ولا سند من القانون ويستلمون رواتبهم وحصصهم من عوائد المحاصصة كاملة غير منقوصة، فكيف لهذا المجلس المعطل فعلياً ان ينهض بواجباته القانونية وتمثيل الشعب بحق واختيار نظام انتخابي حقيقي يمثل الإرادة الشعبية، بل كيف سيسمح هؤلاء بتمرير قانون يفرز تمثيل حقيقي للشعب بما يحرمهم من الإتاوات والأموال والمناصب المجانية التي تمتعوا بها هم وحاشيتهم من بطانة السوء.

ثالثاً/ المسؤولية السياسية: وهي تتمثل بالتزام كل من يمارس سلطة لها طابع سياسي فرد كان أو جماعة بما يصدر عنه من أفعال وأقوال أمام الجهة التي جاءت به، وتحمله نتائج تلك التصرفات، ويتحقق ما تقدم بقيام النواب المنتخبين بالتنصل عن الالتزامات السياسية التي قطعوها على أنفسهم لمصلحة الوطن والشعب فهي تظهر بصورة أخطاء ترتكب أو تنصل وامتناع عن القيام بالواجب وتحمل المسؤولية، وهو تماماً ما حصل تحت قبة مجلس النواب العراقي، والمسؤولية السياسية للبرلمان تكون على نوعين الأول مسؤولية فردية للعضو عن تصرفاته وانحرافه عن وظيفته البرلمانية في تمثيل الشعب، وعقاب هذه المخالفة هو عدم انتخابه مستقبلاً وإمكانية تقديمه إلى المحاكم المختصة للنظر في الاتهامات الموجهة إليه، لاسيما ان ارتكب أفعالاً ترقى إلى استغلال المنصب والتربح على حساب المال العام، أو ما يعرف بالفساد الإداري والمالي، وهذه الصورة شائعة في العراق ويرتكب عدد غير معلوم من النواب تلك المخالفات يومياً، والمسؤولية الأخرى هي الجماعية لكل المجلس النيابي في القيام بواجبه المرفقي أو القطاعي وفشل البرلمان وعلى مدار سنوات عدة في النهوض بواجباته النيابية صار مشهداً مألوفاً بالنسبة للعراقيين حيث غيبت الرقابة على الحكومة وتعطلت القوانين الرئيسية التي من شأنها ان تدعم مؤسسات الدولة وتقف سداً منيعاً دون الاعتداء على الحقوق والحريات الفردية كقانون المحكمة الاتحادية العليا وقانون النفط والغاز الذي من شأنه ان يحمي ثروة الشعب من عبث السراق والفاسدين، وتم التحايل على الشعب بتمرير قوانين انتخابية تنتقص من حق الشعب في اختيار القادة والزعماء والمخولين ممارسة سلطة الشعب نيابة عنه، بل ان قانون الأحزاب الأخير رقم (36) لسنة 2015 وتوجه المجلس في التصويت على تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات يؤشر استمرار النواب في الانحراف عن إرادة الشعب وتمردهم على إطاعة أوامره وخيانتهم للأمانة التي أودعت فيهم.

من كل ما تقدم نتوجه باسم المجتمع المدني العراقي إلى المخلصين في مجلس النواب العراقي بضرورة الإسراع في تدارك الخطأ الفادح في التصويت على تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات وتبني نظام سانت ليكو 1.9 ليحل محله نظام أكثر تمثيلاً لإرادة الشعب وليكن مثلاً نظام الأغلبية والدوائر الصغيرة والترشيح الفردي على مستوى الناحية والقرية والمحلة، ليكون النائب في البرلمان أو عضو المجلس المحلي وعضو مجلس المحافظة خير ممثل لقريته ومحلته لا ان يكون مستورداً من محافظة أخرى أو من بلد أخر يتخذه مسكناً ومنطلقاً للعمل السياسي والحزبي بعيداً عن جمهور ناخبيه الذين لا يعرفهم الا في الشهر الذي يسبق الانتخاب.

كما ندعو البرلمان العراقي إلى ضرورة النص صراحة على إجراء انتخاب مباشر لمجالس المحافظات والأقضية والنواحي في يوم واحد لا ان تؤجل المجالس المحلية ليتم التنصل عن إجراء الانتخابات كما حصل في العام 2008 إذ إلى اليوم لم تجر أي انتخابات محلية كاملة في العراق ولابد من تجاوز الخلافات السياسية والحزبية حول محافظة كركوك والسماح لأهلها تحديد مستقبلها عبر صندوق الانتخابات بعيداً عن إرادة الأحزاب المتصارعة على النفوذ والمصالح.

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2017

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
[email protected]

اضف تعليق