شرائط الإفتاء في شعائر عاشوراء

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

عندما يحل محرم الحرام وتتحقق زيارة الأربعين نجد من الناس أشخاصا يتصدون لقضية الإفتاء على الرغم من أنهم بعيدون كل البعد عن هذه المهمة الكبيرة؛ فالمجتهد لا يصدر الفتاوى جزافا بل يتأنى ويبحث أسابيع طويلة في تمحيص المسألة، بينما يتسرع غير المتخصصين في إطلاق أحكام تخص الشعائر الحسينية دون استناد فقهي...

(عندما يحلّ شهر محرم الحرام وذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام الحسين سلام الله عليه وزيارة الأربعين، ترى العجب العجاب، في كثرة المتصدين للإفتاء من عوام الناس)

سماحة المرجع الشيرازي

إن قضية الإفتاء في الشعائر الحسينية تُعدّ من المسائل الشرعية الدقيقة التي لا تنفكّ عن منظومة الأحكام الفقهية الموجهة لسلوك المكلفين وعقائدهم، والمبدأ الأساسي المتفق عليه في الشريعة الإسلامية هو أن الفتوى ليست مجرد رأي شخصي أو انطباع عاطفي، بل هي كشف عن الحكم الشرعي واستنباط له من أدلته التفصيلية، وهي مهمة تتطلب ملَكة اجتهادية وممارسة علمية طويلة في علوم التفسير والحديث والأصول والفقه. 

بناءً على ذلك، لا يجوز لأي شخص من عموم الناس، أو مثقف غير متخصص أن يتصدى للإفتاء أو إصدار الأحكام بتحليل أو تحريم أو إيجاب أو كراهة أي ممارسة تُنسب للشعائر الحسينية، لأن التقول على الله بغير علم يُعدّ من المحرمات الكبيرة في الفكر الإسلامي. 

إن صلاحية تحديد الموقف الشرعي من الشعائر الحسينية، من حيث صحتها وإباحتها أو رجحانها، محصورة بعالم الدين الفقيه الجامع للشرائط، والذي يملك الأدوات العلمية والفقهية التي تؤهله لتمييز المباح من المحرم، وتطبيق القواعد الفقهية الحاكمة مثل قاعدة نفي الضرر وقواعد تعظيم الشعائر وحفظ هيبة الدين والمذهب. 

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإفتاء الذي هو حق حصري للفقهاء، وبين التعبير العاطفي أو تنظيم المواكب والممارسة المباشرة للشعائر الثابتة استحباباً، فالجمهور يمارس الشعائر وفق فتوى المراجع والعلماء وليس بناءً على تشريع ذاتي، لأن فتح باب الإفتاء للعامة في المسائل الدينية والشعائرية يؤدي إلى الفوضى، ويُدخل في الدين ما ليس منه، أو يطمس مفاهيم واضحة بناءً على أهواء فردية أو تكهنات عقليّة مجردة، لذلك فإن الالتزام برأي الفقيه في الشعائر الحسينية يضمن بقاء هذه النهضة المباركة ناصعةً ونقية، وبعيدة عن التشويه أو الخروج عن جادة الشريعة المقدسة.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (نفحات الهداية):

(لقد بلغ الشيخ المفيد درجة من العلم والفضل بحيث كان مرجعاً ليس للشيعة وحدهم بل كان يرجع إليه المسلمون وغيرهم وينهلون من نمير علمه).

وعلى الرغم من المكانة الفقهية العظيمة للشيخ المفيد، إلا أنه التزم الحذر الشديد، واعتكف في منزله، وأغلق عليه باب بيته، وقرر أن يحذر ويحتاط بشدة في قضية الإفتاء على الرغم من أنه هو الأولى بذلك والأقدر عليه، لكنه مع ذلك توقف والتزم الصمت والحذر حتى يصون نفسه من أي خطأ قد يحدث في هذا المجال.

عالِم ذو منزلة كبيرة ويحتاط من الخطأ

ويُنقل أن الشيخ المفيد بقي على هذه الحال، وواصل الاعتكاف، مغلقا باب بيته، وهو المتمكن والدارس المتفقّه القادر على إصدار الفتوى المناسبة والصحيحة التي تعالج هذه القضية الشرعية أو تلك، لكنه آثر على نفسه الحذر الشديد والبقاء في بيته الخاص عازفا عن هذه المهمة الشرعية رغم قدرته عليها، ولم يغادر هذا الحال إلى أن وصل إليه خبر منقول عن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف يطالبه بكسر العزلة والعودة إلى وظيفته الفقهية.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(عالِم بهذه المنْزلة يحذَر من تكرّر الخطأ منه فيجلس في بيته ويغلق عليه بابه ويقرّر عدم الإفتاء، دون أن يجدي معه إصرار المراجعين، حتى بعث إليه ـ على ما يُنقل - الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه، في أحد الأيام شخصاً وقال له: يقول لك الإمام: أفِد يا مفيد، منك الفتيا ومنّا التسديد).

ومع هذا الدرس الكبير الذي قدمه الشيخ المفيد للجميع، إلا أن الناس لم يرتدعوا ولم يتعلموا بل لم يلتزموا ويستفيدوا من هذا الدرس الكبير، فأخذوا يدخلون دائرة الإفتاء ويطلقون أقوالهم وآرائهم في هذه الشعيرة أو تلك، قبولا أو رفضا وما إلى ذلك.

فما أن يحل محرم الحرام، وتقترب زيارة الأربعين حتى نجد من الناس أشخاصا يتصدون لقضية الإفتاء على الرغم من أنهم بعيدون كل البعد عن هذه المهمة الكبيرة، وهكذا يطرح هذا أو ذاك من عامة الناس هذا القول أو ذاك فمثلا يحرّم لبس السود أو اللطم أو بعضهم يذهب إلى عدم الحاجة للبكاء على الإمام الحسين عليه السلام، وهؤلاء يتدخلون في قضية الإفتاء التي لها فقهاء وعلماء تقع هذه القضية في صلب وظيفتهم.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إذا عرفنا هذا الاحتياط من العلماء في صدور الأحكام فلنلق نظرة على واقعنا، وخاصة عندما يحلّ شهر محرم الحرام وذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام الحسين سلام الله عليه وتحلّ زيارة الأربعين، ترى العجب العجاب، في كثرة المتصدين للإفتاء من عوام الناس! فهذا يقول لبس السواد حرام، وذاك يقول بحرمة اللطم على أبي عبد الله، وآخر يحرّم التطبير، مع أنّ أحداً من المجتهدين لم يقل بحرمة أيّ من الشعائر الحسينية).

إن المجتهدين الذين يقع الإفتاء ضمن عملهم، لا يطلقون الفتوى جزافا، بل يتأنون طويلا في ذلك ويؤلفون فريقا من العلماء المختصين المساعدين، ليبحثوا إصدار هذه الفتوى أو تلك، وقد يقضون أسابيع متتالية في البحث والتمحيص والتدقيق، وكل هذا يجري في حالة من التأني والصبر الكبير.

وبعد كل هذه الجهود الفقهية والعلمية المتخصصة، وبعد هذا الإصرار على التدقيق والتمحيص والتفهّم، وبعد مرور ما يكفي من التأني قد يوافق المرجع المجتهد على إطلاق هذه الفتوى أو تلك، بينما نراجع بعض الناس يتسابق مع غيره كي يطلق فتاوى تخص الشعائر الحسينية وهذه المهمة ليست من شأنه تماما، لذا يجب الابتعاد التام عن التدخل في القضايا الشرعية التي يختص بها المراجع والفقهاء الأفاضل.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:

(إن المجتهد لا يصدر الأحكام جزافاً وبسرعة بل ربما أتعب ثلة من المجتهدين أنفسهم ثلاثة أسابيع - كما قلنا - دون أن يخرجوا بحكم قاطع في مسألة واكتفوا بالاحتياط، أمّا الجهلة من الناس فتراهم يتسرعون في إصدار أحكام ليس من شأنهم ولا من اختصاصهم دون أن يبالوا!).

أولوية مراجعة كتب التاريخ الفقهية

ومن القضايا التي يتفق عليها الجميع، هي أن الخوض في هذا المجال او ذاك يلزم من يخوض فيه الاطلاع المسبق على تفاصيله كافة، وان لا يبقى جاهلا في تفاصيله او حتى في بعضها لكي يكون قادرا على المناقشة في جوهر هذا الشيء وفي تفاصيله أيضا، فلا يصح بالمطلق أن تجهل في الشيء ثم تأتي لتباري أهل التخصص فيه، قبل ان تطلع على كل شيء يتعلق به.

وهذا الاطلاع يجب ان يكون تاريخيا أيضا، بمعنى من يريد أن يتخصص في إطلاق الفتاوى عليه ان يراجع كتب التاريخ ويغوص في بحار الفقه، ويدرس في الحوزات العلمية ويجتاز جميع المراحل التي تؤهله لهذه المهمة، لأننا لا حظنا أن مرجعا وفقيها كبيرا يُشار له بالبنان، وله مجلد من أجزاء عديدة عنوانه جواهر الكلام، ومع ذلك يحتاط في قضية الإفتاء، فكيف بمن لم يطالعه ولم يقرأ ولم يتفقّه من العوام ثم يأتي ويطلق فتواه جزافا، هذا بالطبع لا يجوز مطلق.

حيث يطلب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله ممن يزج نفسه في قضية الإفتاء فيقول: 

(اقرأ التاريخ ثم تكلّم. راجع كتب الفقهاء والرسائل العملية وبعد ذلك قل ما بدا لك. فها هو كتاب جواهر الكلام ذو الأربعين مجلداً، هذا الكتاب الضخم الذي لا يَذكر صاحبه - وهو بحر من العلم - مسألة إلاّ ويذكر دليلها، وأصحاب الاختصاص يعرفون الجواهر وصاحب الجواهر.. هذا الرجل يستدلّ على مسألة واحدة في باب من أبواب الفقه عبر عشر صفحات من كتابه ثم يناقش الاستدلال ويرد ثم يقول أخيراً: لا يمكننا أن نفتي والاحتياط سبيل النجاة!).

إن هنالك شرائط محددة تلزم كل إنسان وتطالبه بأن يمسك لسانه ويمتنع عن إطلاق هذه الفتوى أو تلك، لأن عموم الناس لا ينبغي أن يزجوا بأنفسهم في مجالات شرعية ليست من وظائفهم، لذلك فإن زيارة الأربعين تعد من أكبر وأعظم الشعائر الحسينية، وكل الشعائر لها خصوصيته، والتدخل في أحكامها وتفاصيلها يتطلب تخصصا فقهيا واسعا ومعترفا به، لذا حين نرى حتى الفقيه الكبير محتاطا ومدققا في الفتوى قبل إعلانها، فمن باب أولى أن يحتاط ويحذر عموم الناس أكثر وان لا يتجاوزوا حدودهم.  

اضف تعليق